الضمير بين الحياة والموت

خاص عيون نت

التاريخ: الأربعاء 11 مايو 2022 الساعة 11:27:05 مساءً

كلمات دلالية :

الحياةالضميرالموت
الضمير بين الحياة والموت


الحمد للهِ الذي جعل الأقوال والأفعال ترجمةً لما في الضمير والبال، وعنوانا لما يستقرُ في القلب ويرسخ في الباطن من الأحوال، وأشهد أن لَّا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، الحيّ القيّوم الكبير المتعال، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلِّم وبارك عليه وعلى اله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.

اهمية الحديث عن الضمير:

ايها المسلمون : الضمير، هو تلك القوة الروحية، التي تحكم مواقف الإنسان وتفكيره، وهو منحة من الله تعالى للإنسان، يدله بها على الخير والشر، وكيف يكسب الرضا والراحة النفسية وهو مستودع السرّ الذي يكتمه القلب، والخاطر الذي يسكن النفس؛ فيُضيء ظلمتَها وينير جوانبها، وهو القوةُ التي تدفعُ نحوَ فعل الخيرات وتركِ المنكرات وحبّ الصالحات.

القرآن يحدثنا عن الضمير.

ايها المسلمون :لقد اشار القرآن الكريم الى الضمير في كثير من الايات مثل قول الله تعالى   : ( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)( سورة القيامة  1:2) والنفس اللوامة هي التي تسمى وخز الضمير، أو ألم الضمير، وفي قوله الله تعالى:(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ) (ق:16)والضميرُ هو الرادعُ عنِ المعاصي والآثام الذي يجنبكَ مقاربتها ويثنيك عن تكرارها؛ فقد وصف الله عباده المتقينَ فقالَ: ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) سورة آل عمران 135) ، و ضَربَ اللهُ مثلاً لذلكَ بيوسفَ -عليه السلامُ- حينما حجَزَهُ ضميرُه عن الانجرافِ وراءَ الهوى وقال: ( مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)( سورة يوسف  23) فأكرمْ بهِ من نبي كريم ومن صفاتِ ضميرِ المؤمنِ أَنّ صاحِبَه دائمُ التذكّرِ فإذا همَّ بأمرِ سوءٍ ارتدعَ وانزجر، وابتعدَ عن المعاصي وأدبر، يقولُ اللهُ تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ )( سورة الاعراف 201) ولذلك وُصِف الضمير الصالح بالحي اليقظِ فهو حيّ ما دامَ نوره وهاجَا؛ فكانت نفسه لوَامةً، ووصِفَ الضميرُ الطالحُ بالميِّتِ متى ما انطفأَ نورُه فكانتْ نفسُه أمَّارةً.

 الضمير الحي.

أيها المسلمون :إن الضمير الحيَّ الذي يُبنى على مفهوم محاسبة النفس على ما اقترفه الشخص تجاه العباد، واستمرارية تقييم هذه النفس أولًا بأول بلا هوادة ودون تراخٍ - سيؤدي حتمًا إلى إفراز منظومة عظيمة من السلوكيات والفضائل الجميلة، التي تدفع الجميع نحو الاستقرار والأمان والخير، والأخذ بأيدي الناس نحو تحقيق الأمن النفسي والارتقاء الروحي

بل إن الضمير الحي ومخافة الله في السر كما في العلن من أهمِّ وسائلِ النهضة بروحك أنت، وتحقيق الأمن النفسي لك، وارتقاء روحك، ووصولك إلى رضا الله ومحبة الناس بما يعود عليك بالخير والكرامة.

الضّميرُ الحيُّ اليقظُ هو: الشّعور والإحساس الدّاخليّ الّذي ينادي صاحبه دائماً بأنّ الله معك أينما كنت، وسيحاسبك على الصّغير والكبير والنّقير والقطمير.

الضّمير الحيّ اليقظُ هو: مقام الإحسانِ، فعَنْ أَبِي هرَيْرَة رضي الله عنه أَنّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَان يوْما بَارِزا لِلنَّاس، إِذْ أَتَاه رَجل يَمْشِي، فَقَالَ: يَا رسُول اللَّهِ ما الإِحْسان؟ قَالَ: (الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) صحيح الجامع

إن الضّميرالحي هو شعور إنسانيٌّ باطنيّ يجعل الإنسان رقيباً على سلوكه وتصرّفاته، ولديه الاستعداد النّفسي الّذي يميّز به الخبيث من الطّيب في الأقوال والأعمال والأفكار، فعنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، قَال: أَتَيْتُ رَسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم وأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا أَدَعَ شَيْئًا مِنَ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ إِلَّا سَأَلْته عَنْه،... فَقَال: (يَا وَابِصَةُ... الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ) حسنه النووي والمنذري والشوكاني .

صاحب الضمير الحي حينما يذكر يتذكر جاء رجلان من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم يختصمان في قطعة أرض ليس لأحدٍ منهما بينة، وكل واحدٍ منهما يدّعي أنها له، وقد ارتفعت أصواتهما فقال: (إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما يقتطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة) البخاري عند ذلك تنازل كل واحدٍ منهما عن دعواه، فقد حرّك رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفوسهما الإيمان وارتفع بهما إلى مستوى رائع من التربية الوجدانية وبناء الضمير والتهذيب الخلقي للفرد؛ فكانت هذه التربية وبناء الضمير حاجزاً لهما عن الظلم والحرام وهو الدافع إلى كل خير والخوف من لقاء الله لان الله علم  بكل شيء قال الله  تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (المجادلة:7)

عندما يموت الضمير:

ايها المسلمون :عندما يموت الضمير، يعلُو الظلم، ويخبو العدل، ويكثُر الشُّح، ويقِل الناصِح، وتستمطر الآفات والعُقوبات، ويهدَم البُنيان لبنةً لبِنةً، ولاتَ ساعة ترميم.

 عندما يموت الضمير، يموتُ الإحساس، وإذا ماتَ الإحساس، استوَت الأعالِي والأسافِل، فصار باطن الأرض خيرا لأهلها من ظاهرِها فعن أبي هريرة رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه) متفق عليه

. ولا خيرَ في نَيْل الحياة وعيشِها *** إذا ضاعَ مِفتاحُ الضمائرِ وانمَحَى

ألستَ ترَى أن الحُبوبَ ثَخينةً *** تحُولُ دقيقًا كلما تطحـنُ الرَّحَى

عندما يموت الضمير يصبح الحرام حلالا والممنوع مباحا والباطل حقا والحق باطلا عندما يموت الضمير يصبح الربا فائدة واقتصاد وتجارة ويصبح الزنا والخنا والغناء فن وثقافة ، عندما يموتُ الضمير يُؤتمَّن الخائن، ويُخوَّن الأمين، ويُصدَّق الكاذِب، ويُكذَّب الصادق.

وعندما يموتُ الضمير أو يباع يبيع الطغاة المجرمون بلادهم ويقتلون ويشردون شعوبهم عندما يموت الضمير أو يباع يدفن الأطفال الأبرياء أحياءا عندما يموت الضمير تنتهك أعراض الحرائر عندما يموت الضمير تدمر مساجد المسلمين على رؤوس المصلين عندما يموت الضمير تفجر أجساد الراكعين الساجدين .

يوم يموت الضمير يعرض ذلك الضمير للبيع في سوق الحياة وعندما يُباع الضمير يختل الميزان وتضطرب الحياة وتحدث المتناقضات. ففي الجانب السياسي مثلاً يجد المتأمل والمتابع للحالة السياسية أن الضمير السياسي قد يُصاب بالعطب والعفن لدرجة أن الكذب والنفاق والتحوّل والخبث والخداع وغيرها من قواميس السوء باتت هي الأخلاق الأساسية والمبادئ الأصيلة التي يتسم بها العديد من رموز السياسة في كثير من المجتمعات.

 وفي جانب الإعلام بمختلف وسائله أصبح اليوم مأجور يفعل كل ما يطلب منه بعد الدفع له بما يكفي لتغيير الضمير فيقوم بعمليات الهدم والتدمير والتشويه في المجتمع وتأجيج الخلافات وإثارة الصراعات وإفساد القيم والأخلاق.

وفي الجانب الاقتصادي يضعف الضمير ويتلاشى وايختفى فما كان إلا إهدار للمال العام والإسراف والتبذير والسعي للربح بأي وسيلة ولو كانت على حساب طعام الجوعى ولباس العرايا وحاجة اليتامى ودواء المرضى.

وفي الجانب الاجتماعي قد يموت الضمير الإنساني فينتج عن ذلك فساد في الأخلاق والمعاملات وقد تذهب المودة وتختفي الرحمة وتسوء العلاقات.

وهكذا في كثير من جوانب الحياة إذا مات الضمير فإن الحياة تفسد.

حين يموت الضمير يتحوّل الإنسان لوحش كاسر ينتظر فريسة للانقضاض عليها، و يُصبِح كل شيء مباح، كلام الزور، والخيانة، والسرقة، والمال الحرام، والقتل، والسكوت عن الظلم والظالمين، وتزييف الحقائق، وغيرها من موبقات الحياة، وحين يموت الضمير تغفو العقول وتثور الأحقاد، تتعطّل إنسانية الإنسان وتفقد حواسه قيمتها ويغدو صاحب عقل لا يفقه، وصاحب عين لا تبصر، وصاحب إذن لا تسمع، وصاحب قلب لا يدرك.

ذلك أن الضمير الحي سِرّ الحياة من غيره تموت الشعوب والأوطان وتنتهي الأمم والحضارات وتزول القيم والمبادئ فيُصبح الجلاد بريء والضحية مُتهم.

ايها الاخوة :ان المجتمع اليوم  ليس بحاجة إلى بناء مساجد ومدارس ومصانع بقدر حاجته إلى بناء الضمائر،حتى تتذكر النفوس وتعود ،وتقبل على الله بأعمال صالحة ونيّات خالصة قال تعالى: (وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) (البقرة:281 )

كيف يكون ضميرك حي .

ايها الاخوة المسلمون :إن الضمير كالطفلِ فما دمْت تغَذِّيه بالغذاء الصالحِ ينمو ويقوَى، و اول ما يغذي الضمير هو نداء الإيمان في أعماق المسلم ويعيده باستمرار إلى حظيرة الإيمان ، جاء في حدي ابي هريرة – رضى الله عنه – إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن ) رواه البخاري ثم مراقبة الله توقظ الضّمائر مِنَ السّبات، وتحرِك في الإِنسان دواعِي الخَيْر، وتمِيت فِيه نوازعَ الشر.

ونموُّ الضميرِ يكون كذلك بالدوامِ  على الأعمالِ الصالحةِ وتحرِّي صنائعِ المعروفِ والبحثِ عن جوانبِ الخيرِ في نفسِكَ قال  الله سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (فصلت:46) كما ينمو الضميرُ ويترَبَّى مِنْ خلالِ ترطيبِ اللسانِ بذكرِ اللهِ تعالى والمحافظةِ على العباداتِ؛ حتى تكونَ النفسُ مطمئنةً في كلِّ حينٍ والضميرُ يَقِظاً في كلِّ حالٍ (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي)( سورة الفجر 27، 28،29، 30)

الضميرُ هو كمُضغةِ القلبِ القابعة في الصدر، قد يدُقّ دقاتٍ سريعةً، وقد تتباطأُ هذه الدقاتُ وقد تَخفِتُ! فاجعل ما استطعت  دقاته منتظمةً، لا متسارعةً ولا بطيئةً، معتدلةً أتمَّ الاعتدالِ، هكذا تُريحه فيريحُك، وتبرئ ذمتَك، وتصبح يدك بيضاء ناصعةَ البياض؛ لأنك أدَّيت أمانتك على أكمل وجه، ولم تترك عليك مثلبةً أو لوما.

فما أحوجنا إلى إيقاظ الضمير؟ ما أحوجنا إلى إحياء الضمير؟ ما أحوجنا إلى تنبيه الضمير؟ ليعود بالمسلم إلى حياته عاملاً فاعلاً متواصلاً مثمِرًا مجتهدًا.

الضمير الحي هو ما تحتاجه الأمة من أبنائها... فهلمُّوا إلى حملة إحياء الضمير؛ لنعيد للأمة حاضرها، ونمتلك زمام المستقبل بأذن الله .

خطر الشائعات

الشعائعة :ـــ تعتبر الشائعة من الظواهر السيئة التي راجت وانتشرت في مجتمعنا وأصبحت كابوساً مقلقاً يهدد قيمنا وحياتنا، ومرضاً عضالاً يقطّع أوصالنا ويلوث أخلاقنا ويزيد من نشر الأدواء والآفات فيما بيننا.