يوم عرفة وطريق الفـلاح

خاص عيون نت

التاريخ: الأربعاء 14 يوليو 2021 الساعة 04:44:41 مساءً

كلمات دلالية :

عرفة
يوم عرفة وطريق الفـلاح

إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلّ له،

 ومَن يُضْلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله  وصفيه من خلقه وخليله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه واستن بسنته إلى يوم الدين أما بعد:

 فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هديُ محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران:102].

 

عبـاد الله :-   من رحمة الله بنا أن جعل لنا أيام مباركات وأوقات فاضلات، يتضاعف فيهن أجر الأعمال الصالحة، وترفع فيهن الدرجات ويتجاوز الله فيهن عن الخطايا والسيئات، ولا شك أن العشر من ذي الحجة هي أعظم الأيام بركة وأوفرها ثواباً، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما العمل في أيام أفضل من هذه العشر" قالوا: ولا الجهاد؟ قال: "ولا الجهاد إلا رجلٌ خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء" (رواه البخاري)، وفي هذه الأيام يكون الجح وزيارة بيت الله الحرام، وفيها يوم عرفة وهو أفضل أيام العشر من ذي الحجة، يشرع فيه الصيام لغير الحاج، فعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال : ( يكفر السنة الماضية والباقية ) رواه مسلم (1162) وفي رواية له : ( أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)، وعلينا في هذا اليوم العظيم أن نكثر من الدعاء والله سبحانه وتعالى قد أخبرنا أنه يحب سؤال السائلين ، وتضرع المتضرعين ، كما صح في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في سنن الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام : ( إن الله حييٌ كريم يستحي إذا رفع عبده كفيه إليه أن يردهما صفرا ) .

وفي الحديث عن جابرِ - رضي الله عنه - عند ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان يوم عرفة فإن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة ويقول : انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاحين من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم - أي علة أصواتهم بالتلبية - فتقول الملائكة : يا رب إن فيهم فلانُ عبدُ يرهق - أي يرتكب المعاصي ويقترف السيئات -فيقول رب العزة جل وعلا : أشهدكم أني قد غفرت لهم ) ..

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول : ما أراد هؤلاء ؟ "  وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة ، فيقول : انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا " (رواه أحمد وصححه الألباني).

 

أيها المسلمون/ عباد الله: في السنة العاشرة من الهجرة النبوية كانت حجة الوداع وهي الحجة الوحيدة التي حجها المصطفى صلى الله عليه وسلم وسميت بهذا الاسم لأنها كانت علامة واضحة على دنو أجله ولحاقه بالرفيق الأعلى سبحانه .. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بهذا، وقال: «هذا يوم الحج الأكبر»، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم أشهد، وودع الناس»، فقالوا: "هذه حجة الوداع" (البخاري (1655) .. ولقد وقف صلى الله عليه وسلم يخطب في المسلمين  في مثل هذه الأيام فتكلم عن الكثير من الأمور التي تهم المسلم في دينه ودنياه وآخرته فكانت هذه التعاليم بمثابة خطة إستراتيجية للمسلمين من بعده وطريق للفلاح والنجاة ودستور للحياة السعيدة لأمته  .. كيف لا .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحرص على المسلم والمؤمنين من أنفسهم وكان يخاف عليهم بعد أن يودع هذه الحياة وينتقل إلى ربه من الوقوع فيما حذر منه قال سبحانه وتعالى: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة/128) .. وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وقد تجمع حوله في ذلك الزمان مائة الف أو يزيدون في صعيدٍ واحد يسمعون هذه التوجيهات ، فكان مما قاله : أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً .. أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت .. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ورجب -الذي بين جمادى وشعبان ... ) (صححه الألباني) .. ثم أخذ صلى الله عليه وسلم يوصي بحسن معاملة النساء وحسن معاشرتهن بالمعروف وعدم غمط شيئاً من حقوقهن وأوصى بهن خيراً  ..  وعند ابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ألا وإني فرطكم على الحوض، وأكاثر بكم الأمم. فلا تسودوا وجهي، ألا وإني مستنقذِ أناسًا، ومستنقَذ مني أناس، فأقول: يا رب! أصحابي فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (صحيح ابن ماجه (2481 ـ 3057) .

 

أيها المؤمنون/ عبـــاد الله : -   ما أعظم هذه المبادئ التي أرساها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته فكان أول ما تكلم به حرمت الدماء والأعراض والأمواله وخطورة أن يكون  فعل المسلم أو عمله  او قوله سبباً لسفك دم انسان من أي بلاد أو جنس أو لون بدون حق .. والله تعالى قد حذر من ذلك فقال:(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء/93) .. وجعل سبحانه وتعالى التعدي على حياة هذا الإنسان من أكبر الكبائر وأعظم الجرائم والذنوب التي تورد صاحبها المهالك في الدنيا والآخرة .. يقول النبى صلى الله عليه وسلم:قال - لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً )) قال : وقال ابن عمر (( إن من ورطات الأمور التى لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حل ) (البخارى/6862).. ويقول عليه الصلاة والسلام:( كل ذنب عسى اللـه أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً ) (رواه أحمد/16849) وصححه الألبانى) .. بل جعل سبحانه وتعالى قتل المسلم وسفك دمه من عظائم الأمور يقول عليه الصلاة والسلام:( قتل المؤمن أعظم عند اللـه من زوال الدنيا ) (النسائى (7/ 83) وصحيح الجامع (4361) .. و قال تعالى:(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)(المائدة /32) ، .. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،   قلت ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

الخطبة الثانية: الحمد لله على فضله وإحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهدٌ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدٌ أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيرًا    أما بعد:

أيها المؤمنون : -  وكان مما ظهر من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة حجة الوداع مدى حرصه ورحمته وشفقته بأمته رجالاً ونساءاً ، صغاراً وكباراً ، حكاماً ومحكومين وكان يخاف أن يبدلوا أو يغيروا شيئاً من دينه أو يتركوا شيئاً من شريعته فيسقطوا من عين الله ولا يستطيع بعد ذلك أن يدافع عنهم عند الله أو يشفع لهم فخاطبهم بقوله ((ألا وإني فرطكم على الحوض، وأكاثر بكم الأمم. فلا تسودوا وجهي .. ) يا الله ما أعظمها من كلمة .. يالله ما أشدها من كلمة ..

وطلب من الحاضر أن يبلغ الغائب لتقام الحجة على كل مسلم حتى قال لأصحابه:  وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟» قالوا: "نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت"، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم أشهد، اللهم أشهد» ثلاث مرات (رواه مسلم (1218) .. ونحن نشهد يا رسول الله أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت للأمة .. وإنما الخلل والتقصير من نفوسنا وبسبب ضعف إيماننا وتعلقنا بالدنيا وإنه لا بد لنا من توبة صادقة وعبادة خالصة وعمل صالح لنستقيم على الصراط عندها فقط ينظر الله إلينا بعين الرحمة والمغفرة والسعادة والفوز والنجاة.

 

عباد الله : لنغتنم بقية أيام العشر من ذي الحجة بالأعمال الصالحة، من صلاة وصيام وقراءة للقرآن وذكر وصدقة وصلة رحم وبر والدين وبذل المعروف ومساعدة المحتاج والتسامح والتغافر فيما بيننا، ولنتوج هذه الأيام بصيام يوم عرفة، ونكثر فيه من التكبير والتهليل والتحميد والدعاء، لعل الله أن ينظر إلينا برحمته فيرفع عنا الفتن والمصائب والبلايا والأمراض وسيئ الأسقام ويردنا إلى دينه رداً جميلاً ، اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح أحوالنا واحقن دمائنا واحفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين،

هـــذا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ؛ حَيْثُ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ وانصر عبادك الموحدين، واخْذُلْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات،

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا وَوَالِدِينَا والمؤمنين عَذَابَ الْقَبْرِ وَالنَّارِ.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ؛ فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

 

قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا

الحمدُ لله فاطرِ الأرض والسموات ، عالم الأسرار والخفيات ، المطلع على الضمائر والنيات أحاط بكل شيء علماً ، ووسع كل شيء رحمة وحلماً . وقهر كل مخلوق عزة وحكماً ،يعلم ما بين أيديهم وما خلفَهم ولا يحيطون به علماً . لا تدركه الأبصار ، ولا تغيره الدهور و الأعصار ، ولا تتوهّمه الظنون

خير الناس مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُه

الخطبة الأولى (خير الناس مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُه ) الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك ع

الوعي قيمة حضارية

الحمد لله الذي شرَّفنا بالوحي والوعي أكملَ التشريف، وأعزَّنا بالدِّين الحنيف، وحمَّلنا أمانةَ التكليف، وأشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، آمنَّا بأسمائه وصفاته بلا تعطيلٍ ولا تمثيلٍ ولا تشبيهٍ ولا تحريفٍ ولا تكييف، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا وسيدَنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه،