المعروف ذخيرة الأبد

خاص عيون نت

التاريخ: الأحد 13 يونيو 2021 الساعة 03:54:52 مساءً

كلمات دلالية :

المعروف
المعروف ذخيرة الأبد

الحمد لله ولي من اتقاه، ومن اعتمد عليه كفاه، ومن لاذ به وقاه، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله ومصطفاه، صلى الله وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته واهتدى بهداه .

أيها المسلمون: فاضل الله بين عباده في الشرف والجاه، والعلم والعبادة، وسخر بعضهم لبعض ليتحقق الاستخلاف وتُعمر الأرض، (وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَـٰكُمْ )(الأنعام: 165) وقال تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً )(الزخرف: 32).

ايها الاحبة الكرام :إن في شكوى الفقير ابتلاءٌ للغني، وفي انكسار الضعيف امتحان للقوي، وفي توجُّع المريض حكمة للصحيح، ومن أجل هذه السنة الكونية جاءت السنة الشرعية بالحث على التعاون بين الناس، وقضاء حوائجهم، والسعي في تفريج كروبهم، وبذل الشفاعة الحسنة لهم، تحقيقًا لدوام المودة، وبقاء الألفة، وإظهار الأخوة. والدين ذلُّ العبادة وحسن المعاملة، قال ابن القيم رحمه الله: "وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب إلى رب العالمين والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأن أضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر، فما استُجْلبِت نعمُ الله واستُدفعت نقمه بمثل طاعته والإحسان إلى خلقه".

إن خدمة الناس ومسايرة المستضعفين دليل على طيب المنبت، ونقاء الأصل، وصفاء القلب، وحسن السريرة، وربنا يرحم من عباده الرحماء، ولله أقوامٌ يختصهم بالنعم لمنافع العباد، وجزاء التفريجِ تفريجُ كربات وكشفُ غمومٍ في الآخرة، يقول المصطفى : ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)) رواه مسلم، وفي لفظ له: ((من سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه)).

ايها الاخوة المسلمون:بذل المعروف ذخيرة الأبد، والسعي في شؤون الناس زكاة أهل المروءات، ومن المصائب عند ذوي الهمم عدم قصد الناس لهم في حوائجهم، يقول حكيم بن حزام رضي الله عنه: (ما أصبحت وليس على بابي صاحب حاجة إلا علمت أنها من المصائب)، وأعظم من ذلك أنهم يرون أن صاحب الحاجة منعم ومتفضل على صاحب الجاه حينما أنزل حاجته به، يقول ابن عباس رضي الله عنه: (ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسَّع لي في المجلس، ورجل اغبرت قدماه في المشي إليَّ إرادة التسليم عليَّ، فأما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله) قيل: ومن هو؟ قال: (رجل نزل به أمرٌ فبات ليلته يفكر بمن ينزله، ثم رآني أهلاً لحاجته فأنزلها بي).

فكم من إنسان ينام في  فراشه ، لا يقوم الليل ولا يقرأ قرآنًا، بل هو نائم في نوم عميق تُقرع أبواب السماء عشرات الدعوات له؛ من جائع أطعمه، أو عارٍ كساه، أو مكروب نفَّس عنه، أو مستدين قَضَى عنه دَيْنه، هؤلاء يدعون له بالخير، يدعون له بالبركة، يدعون له بالرحمة؛ لأنه كان في نهاره أو في ليله وأيامه ساعيًا في قضاء حوائج المسلمين. كل منا بحاجة إلى الناس، الغني عن الناس رب العالمين (إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)

ايها الاخوة المسلمون :هذا شاب خرج من قريته بعد أن تآمر القوم على قتله، خرج خائفا فقيرا جائعا يتوقع الشر في كل لحظة، هاربا من بطش الظالمين، شاب أنهكه التعب والجوع والظمأ، لا يملك لا مالا ولا متاعا، شاب مشى حتى انتهى به المطاف إلى قرية ليستريح فيها، وما كاد يجلس على الأرض ليستريح من عناء السفر حتى رأى منظرا استفز فيه رجولته ونخوته ودينه، فيا ترى ماذا رأى؟!

رأى فتاتين عفيفتين طاهرتين تتحاشيان الاختلاط بالرجال معهما أغنامهما ؛ وعلى الرغم من أنه لا يعرفهما وليس له حاجة عندهما إلا أنه رأى أنها فرصة لأن يكسب الأجر عند الله بقضاء حاجتهما، فسقى لهما ثم بعد أن أنجز تلك المهمة لم يطلب منهما أجرة ما عمل أو انتظر منهن كلمة شكر، إنما تولى إلى الظل ليستظل من تلك الحرارة الشديدة، فيا ترى من هو هذا الشاب؟

إنه رسول من أولي العزم من الرسل، إنه كليم الله موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم.

واستمعوا لربكم يقص عليكم ذلك الموقف: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ [القصص:21-24

هل ذهب عمله ذلك هباء منثورا؟

لا والله.. لقد تكفل بثمن عمله رب العالمين واسمعوا للثمن: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ ﴾ [القصص:25-27.

أيها الإخوة: ما أجمل مجتمع المسلمين وهو ينفع بعضه بعضًا، ويسعى كل فرد فيه إلى نفع إخوانه، تعلو وجوه الناس فيه الابتسامة، وتنطلق فيه أساريرهم لبعضهم، فإن كان أحدهم في مجال البيع والشراء وجدته ناصحًا لأخيه لا يغشه ولا يغالي بالثمن، وإن كان في مجال التعليم وجدته حريصاً على طلابه أو جماعته يعلمهم ويرشدهم ويستفرغ وسعه في ذلك، وإن كان في الطب وجدته متهللاً في تعامله مع مرضاه وناصحاً لهم، سعيداً مبتسماً لكل مراجع يأتيه ، وإن كان ذا صنعة وجدته جادًا فيها متقناً لها، حريصاً على تجويد عمله، يراقب الله في ذلك، وإن كان وإن كان، المهم أن يكون دافعه وهمه نفع الناس وقضاء حوائجهم، وإن تقاضى على عمله أجرة.

انه فعل الخير ونفع العباد وقضاء الحوائج ولذلك حث الله علىه في كتابه الكريم ويقول تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [الحج:77)

الخطبة الثانية:

ايها الأحبة: مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة جعلها الله لمن يقدم النفع لعباده مهما قل، من الابتسامة حتى أكبر نفع تتخيله العقول وتصل إليه الأفهام.  أما من لم تسمُ نفسه وتنفع فلا أقل من أن تكف أذاها عن عباد الله، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقُلت: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلَ الْعَبْدُ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، فقَالَ: "يُؤْمِنُ بِاللَّهِ"، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ مَعَ الْإِيمَانِ عَمَلًا؟! قَالَ: "يَرْضَخُ مِمَّا رَزَقَهُ اللَّهُ"، قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ مُعْدَمًا لَا شَيْءَ لَهُ؟! قَالَ: "يَقُولُ مَعْرُوفًا بِلِسَانِهِ"، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ عَيِيًّا لَا يُبْلِغُ عَنْهُ لِسَانُهُ؟! قَالَ: "فَيُعِينُ مَغْلُوبًا"، قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَا قُدْرَةَ لَهُ؟! قَالَ: "فَلْيَصْنَعْ لِأَخْرَقَ"، قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ أَخْرَقَ؟! قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: "مَا تُرِيدُ أَنْ تَدَعَ فِي صَاحِبِكَ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ، فَلْيَدَعِ النَّاسَ مِنْ أَذَاهُ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ هَذِهِ كَلِمَةُ تَيْسِيرٍ؟! فقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا، يُرِيدُ بِهَا مَا عِنْدَ اللَّهِ، إِلَّا أَخَذَتْ بِيَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى تُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ". رواه ابن حبان، وقال الألباني: صحيح لغيره.

والأحاديث التي تدل على فضل نفع الناس كثيرة منها  ما رواه ابن عمر -رضي اللّه عنهما- قال: إنّ رجلاً جاء إلى النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-، فقال: يا رسول اللّه: أيّ النّاس أحبّ إلى اللّه تعالى؟! وأيّ الأعمال أحبّ إلى اللّه؟! فقال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: "أحبّ النّاس إلى اللّه تعالى أنفعهم للنّاس، وأحبّ الأعمال إلى اللّه تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحبّ إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد -يعني مسجد المدينة- شهرًا". وغير ذلك كثير في السنة.

والأجر في نفع المسلمين عظيم؛ فقد جاء في صحيح مسلم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". زاد ابن أبي الدنيا بسند حسن: "ومن مشى مع مظلوم حتى يُثبت له حقه ثبَت الله قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام". وفي حديث آخر: "ومن كفّ غضبه ستر اللّه عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ اللّه قلبه رجاءً يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتّى تتهيّأ له أثبت اللّه قدمه يوم تزول قدمه". رواه وصححه.

قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا

الحمدُ لله فاطرِ الأرض والسموات ، عالم الأسرار والخفيات ، المطلع على الضمائر والنيات أحاط بكل شيء علماً ، ووسع كل شيء رحمة وحلماً . وقهر كل مخلوق عزة وحكماً ،يعلم ما بين أيديهم وما خلفَهم ولا يحيطون به علماً . لا تدركه الأبصار ، ولا تغيره الدهور و الأعصار ، ولا تتوهّمه الظنون

خير الناس مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُه

الخطبة الأولى (خير الناس مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُه ) الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك ع

الوعي قيمة حضارية

الحمد لله الذي شرَّفنا بالوحي والوعي أكملَ التشريف، وأعزَّنا بالدِّين الحنيف، وحمَّلنا أمانةَ التكليف، وأشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، آمنَّا بأسمائه وصفاته بلا تعطيلٍ ولا تمثيلٍ ولا تشبيهٍ ولا تحريفٍ ولا تكييف، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا وسيدَنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه،