وصايا للخطيب (18) المـوازنـة

خاص عيون نت

التاريخ: الأربعاء 9 يونيو 2021 الساعة 03:50:22 مساءً
وصايا للخطيب (18) المـوازنـة

والمقصود بها ما يلي:

أ- الموازنة بين البشارة والنذارة:

فمن سلك مثلاً جانب الإنذار والتخويف من فساد الناس وضياع الدين وأن مستقبل الناس يزداد شراً وأن الأعداء يملكون زمام الأمور، ونحو ذلك، فإن ذلك يبعث اليأس في النفوس ويحطم حيويتها ونشاطها للعمل النافع، والحكمة في ذلك الموازنة بين البشارة والنذارة ولذلك جمع الله للرسل بين هذين العملين فقال تعالى: ((فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ)) [البقرة: 213]، وقال تعالى: (( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ))[النساء: 165] فهم يبشرون في مواضع البشارة وينذرون في مواضع النذارة ويجمعون بينهما في مواضع الجمع، فالإنذار يحتاج إليه عندما يركن الناس إلى الدنيا ويعرضون عن دين الله-عز وجل  - فهو أسلوب تخويف والرسل عليهم الصلاة والسلام فعلوا ذلك فكانوا ينذرون أقوامهم ويخوفونهم لما يرونه من إعراضهم عن دين الله- عز وجل  -.

والبشارة تكون للمتقين الطائعين قال تعالى: (( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً )) [مريم: 97]، ويحتاج الناس إلى البشارة وبعث الأمل في النفوس حين الضعف والخوف والبلاء فقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم -يبشر أصحابه بالرفعة والظهور على الأديان وهم في أشد حالات الضعف وأعداؤهم متسلطون عليهم.

فالموازنة بين البشارة والنذارة من الحكمة في الدعوة التي أمر الله تعالى بها ومن اتباع سنة سيد المرسلين ^ وفيه مراعاة لأحوال الناس ونفوسهم.

ب- الموازنة بين المصالح والمفاسد:

فالخطيب بحاجة ماسة إلى فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد ومعرفة رتب المصالح والمفاسد حتى يوازن بين مصلحة كلامه وما قد يترتب عليه من المفاسد، وذلك أن قيام الشريعة إنما هو على جلب المصالح ودرء المفاسد.

وتعارض المصالح والمفاسد وحسنات الفعل وسيئاته باب واسع جدا لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة، فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم، فينظر أناس إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وينظر أناس إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين معا، وتعارض المصالح والمفاسد عالجه الشارع بما يلي:

1 - بارتكاب أخف الضررين للسلامة من أعلاهما.

2- تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما.

3- وبتقديم درء المفاسد على جلب المصالح.

4- وبالنظر إلى ما تؤول إليه الأمور وعواقبها.

ج- الموازنة بين الجانب العاطفي والجانب العقلي:

وهو ضبط العواطف بالضوابط الشرعية فبعض الخطباء تصطبغ خطبتهم بالصبغة العاطفية البحتة فلا تراه يجتهد لإقناع الناس بما يقول، وبعضهم تصطبغ خطبته بالصبغة العقلية البحتة فلا يثير عواطف الناس، وكل من الأمرين فيه قصور.

إن إشعال عواطف الناس دون أن يكون هناك شيء من الإقناع والأدلة واستخدام الأسلوب العلمي مؤد إلى سلبيات كثيرة منها:

ا- أن ما جاء عن طريق العاطفة فقط سرعان ما ينسى إذا انطفأت جذوة تلك العاطفة.

2- أن عواطف الناس تنطلق بدون علم رشيد، فلا بد إذًا من العلم وهو اللجام الذي يلجم العواطف من أن تتجاوز الحدود، كما أن الناس بطبيعتهم محتاجون إلى حاد يحدوهم إلى العمل ومرغب يرغبهم فيه، كما هم محتاجون عند النهي إلى ما يرهبهم إتيانه، ولذلك كان الجمع بين الأسلوبين العقلي والعاطفي هو الحق والصواب.

وصايا للخطيب (22) وحـدة الموضـوع

غالباً ما يفشل الخطاب؛ لأن الخطيب يبدو وكأنه يسعى لإنشاء سجل العالم خلال وقت محدد. فيقفز من نقطة لأخرى بسرعة فيخرج المستمع بلا شيء عن كل شيء. وقد تحدث الشيخ محمد أبو زهرة مبيناً ما ينبغي للخطيب من البعد عن الخطب المجملة، والزج بأكثر من موضوع في الخطبة الواحدة فقال: «يجعل الخطبة

وصايا للخطيب (21) العيش مع واقع الأمة

الخطيب الناجح هو ذلك الإعلامي الذي يعرف أخبار أمته فيقوم بإعدادها، وتبسيطها، وصياغة عرضها، إلى خليط من الناس مختلفي المنهل والمشرب. الخطيب المؤثر محب ودود، يَأْلف ويُؤْلف، فلا يعزل نفسه عن الناس، بل يسأل عنهم، ويغشَى مجالسهم، ويبارك أفراحهم، ويأسو جراحهم. فلا يستطيع الداعية أن

وصايا للخطيب (20) العيـش مـع الخطبـة

الخطيب الناجح يحدد الظاهرة التي يريد أن يتناولها، فيعيش معها سحابة النهار وجزءًا من الليل، فيستغرق جل همه ومحتوى فكره مدندنًا حولها، ومصغيًا إليها، حتى إذا غمرت عقله وسرت في شرايينه تحرك قلمه الدافئ يحفر أفكارًا، حتى إذا وقف على المنبر فاسترجع ما كتب كان مصيبًا، في حسن الأداء وعم