وصايا للخطيب (17) اللـين والرفـق

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 8 يونيو 2021 الساعة 04:27:57 مساءً
وصايا للخطيب (17) اللـين والرفـق

على الخطيب الناجح الاتصاف باللين والرفق، والتلطف مع الناس لأن ذلك أدعى إلى استمالتهم وإقناعهم، أما أسلوب العنف والغلظة والشدة فقد أثبت الواقع فشله وعدم جدواه، لقد خاطب الله تعالى رسوله محمداً –صلى الله عليه وسلم-  بقوله:

(( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ )) [آل عمران:159]

فالناس ينفرون من الغليظ الخشن القاسي ولا يقبلون قوله؛ لأن قبول القول الناصح يستلزم إقبال قلب المنصوح إليه ولا يحصل هذا الإقبال مع خشونة الطبع وغلظة القلب.

إن الداعية ينظر إلى من يدعوهم نظرة الرحمة والشفقة عليهم فانه يعفو ويصفح عنهم في حق نفسه قال جل وعلا: (( خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ )) [الأعراف: 199].

وإذا كان هذا هو شأن الداعي المسلم بالنسبة لمن يدعوهم ويحتمل صدور الأذى منهم فان عفو الداعي وصفحه عن أصحابه أوسع قال تعالى: ((فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) [آل عمران: 159].

واللين والرحمة تهوّن على الخطيب الداعية ما يلقاه من أصحاب الغفلة والجهالة؛ لأنه ينظر إليهم من مستوى عالٍ رفيع أوصله إليه إيمانه وصلته بربه، ولذا فهو ينظر إليهم كصغار يعبثون والشأن في الصغار الأطفال العبث والجهل وعدم إدراك ما ينفعهم ولذلك لا يعجب الداعي من مقابلة نصحه لهم بالإعراض والصدود والأذى كما يفعل الطفل إذا نصحته أو أبعدته مثلا عن مس النار والشيء المؤذي فانه يصيح ويغضب وربما آذاك.

وها هو الحبيب محمد- صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنّ الرفق لا يكون في شيء إلاّ زانه ولا ينزع من شيء إلاّ شانه» [رواه مسلم عن عائشة برقم (4698)].

إن النجاح كل النجاح أن يدخل الخطيب بدعوته في صميم حياة الناس، وأن يسكبها في قلوبهم وأعصابهم.

فعندما يحس الخطيب بدعوته ويعيش بها ويستشعرها في كل لحظه فهذا يعني إحساسه بمن حوله ممن يدعوه وهنا تختلف الحياة بمعانيها عند الخطيب يصفها سيد قطب- /- فيقول:

«إننا نعيش لأنفسنا حياة مضاعفة حين نعيش للآخرين وبقدر ما نضاعف إحساسنا بالآخرين نضاعف إحساسنا بحياتنا ونضاعف هذه الحياة ذاتها في النهاية» «أفراح الروح» سيد قطب.

الداعية الصادق يجب أن يشعر بأن دعوته حيّة في أعصابه، متوهجة في ضميره، تصيح في دمائه، فتعجله عن الراحة والدعة، إلى الحركة والعمل.

يختلط بالناس ويجمع ويعظ ويربي منتقلاً بين الترغيب والترهيب، يدخل إلى مشاعر الجمهور في حكمة، فيحرك وجدانهم، ويستثير عواطفهم إلى الله.

العارف بالله يضع شبكته في بحر الدنيا ليصطاد الغارقون فيها، وينقلهم من ظلمات الشهوة والشبهة إلى نور الإيمان واليقين.

أخي الخطيب:

الرحمة والإحساس بالناس هما بلسم العلاقات مع الآخرين، وروح الاتصال الصحيح وبدونها تصبح الحياة جافة جدًا وتفقد قيمتها ولا يصبح للاتصال معنى ولا روح.

أساس مهم جدًا في اتصالاتك وعلاقاتك الرحمة، أن تشعر بالآخرين وتحب الخير لهم وتقدر مشاعرهم وترى أحوالهم وظروفهم وبالرحمة يلتف الناس حولك ويحبونك ولا يملون من الجلوس معك والحديث إليك.

يقول سيد قطب-رحمه الله -  : «فالناس في حاجة إلى كنف رحيم، وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ود يسعهم، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم. . في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء؛ ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه؛ ويجدون عنده دائما الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء. . وهكذا كان قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  وهكذا كانت حياته مع الناس. ما غضب لنفسه قط. ولا ضاق صدره بضعفهم البشري. ولا احتجز لنفسه شيئا من أعراض هذه الحياة، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية. ووسعهم حلمه وبره وعطفه ووده الكريم. وما من واحد منهم عاشره أو رآه إلا امتلأ قلبه بحبه؛ نتيجة لما أفاض عليه - صلى الله عليه وسلم-  من نفسه الكبيرة الرحيبة» [الظلال«1/501»].

وعن معاوية بن الحكم السلمي- رضي الله عنه-قال: «بينما أنا أُصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فما رأيتهم يصمتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فوا الله ما نهرني ولا ضربني ولا شتمني قال:

«إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القران».

 الناس ينفرون بطبائعهم من الفظاظة والخشونة والعنف ويألفون الرقة واللين والرفق.

حكي عن الأحنف بن قيس-رحمه الله -   أنه قال: ما عاداني أحد إلا أخذت في أمره ثلاث خصال: إن كان أعلى مني عرفت له قدره وإن كان دوني رفعت قدري عنه وإن كان نظيري تفضلت عليه»[ أدب الدنيا والدين :254]. وهذا من الرفق واللين فكن أخي الخطيب من أهل اللين والرفق تدم دعوتك وتقبل كلماتك إن شا الله.

ولقد علّمنا النبي -صلى الله عليه  وسلم- أن نُيَّسر ولا نُعسِّر، وأن نُبشر ولا ننفِّر فقد ورد عنه -صلى الله عليه  وسلم- قوله: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» [رواه البخاري]

قال الإمام النووي -رحمه الله -  : «لو اقتصر النبي -صلى الله عليه  وسلم- في قوله على «يسروا» لصدق على نيسَّر مرة وعسَّر كثيرً فلما قال: «ولا تعسِّروا»، فلكي نجتنب التعسير في كل الأحوال. قال ابن مسعود-رضي الله عنه-  : «كان النبي -صلى الله عليه  وسلم- يتخولنا بالموعظة في الأيام، كراهة السآمة علينا».

أي كان يعظنا من حين لآخر، دون تتابع لئلا نسأم الموعظة، وقد نهى النبي -صلى الله عليه  وسلم- عن تكليف الناس ما لا يطيقون ليستمر سيرهم في طريق الإيمان، فالداعية المتبع لسنة النبي -صلى الله عليه  وسلم- يأخذ نفسه بالعزائم، ويسمح للمدعويين بالرخص، تخفيفاً عليهم وتيسيراً لهم، وعن أنس -رضي الله عنه-  : «أن النبي -صلى الله عليه  وسلم- رأى شيخاً يُهادي بين ابنيه، قال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي فقال -صلى الله عليه  وسلم-: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، وأمره أن يركب» [رواه البخاري عن أنس برقم (1732)]  .

وقد رأى النبي -صلى الله عليه  وسلم- رجلاً قائماً في الشمس، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر ألا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فأمره أن يستظل، ويتكلم، ويصوم ويفطر، وقال: «عليكم بما تطيقون، فإن الله لا يملُّ حتى تملوا».

وقد قال الإمام علي-رضي الله عنه-  : «إن للقلوب إقبالاً وإدباراً فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل، وإن أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض»  [راجع «المائة المختارة» للجاحظ، و«غرر الحكم» للآمدي].

ومن اللين والرفق في الدعوة عدم الهجوم على الأشخاص بأسمائهم، وكذلك عدم القدح في الهيئات والمؤسسات والجمعيات والجماعات بأسمائها. . . ولكن مما ينبغي على الداعية أن يُبين المنهج الحق، ويبيّن الباطل، كما فعل قدوتنا محمد -صلى الله عليه  وسلم- فيقول «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا. . » فيعرف صاحب الخطأ خطأه ولكن لا يشهر به.

أما إن كان هناك رجل جاهر الله بكتاباته أو بانحرافاته أو بأدبه أو بدعته أو. . . فهذا لا بأس أن يشهر به عند أهل العلم – مع ضرورة بيان أهل العلم فجور ذلك الرجل وانحرافه.

ثم ليس من الحكمة أن يتعرض الداعية للشعوب جملة، ولا للقبائل أو الجمعيات أو المؤسسات أو غيرها من التجمعات. . . لأنه إذا ما تعرض لهم وجد الآلاف من المعارضين له، والمعرضين عنه، فتركوا دعوته ثم نفروا منه وحذروا منه كما يفعل معهم، وهذا خطأ.

وفي الأدب المفرد مما يُروى عنه -صلى الله عليه  وسلم- قوله: «أن من أفرى الفِرى أن يهجو الشاعر القبيلة بأسرِها» [أخرجه البخاري «السلسلة الصحيحة» (2/402)].

ولكن هناك صنف من الناس أرادوا الخير فأخطأوا، وأناس زلّت بهم أقدامهم، وأُناس أساءوا في مرحلة من المراحل، فهؤلاء لا يشهر بهم، بل يرفق بدعوتهم ولا تحاول أن تظهر أسمائهم في القائمة السوداء فقد يغريهم هذا إلى التمادي في الخطأ، وقد تأخذهم العزة بالإثم!

ولا بدّ أن يكون الداعية لبقاً في اختيار عباراته حتى يكسب القلوب، ولا يُثير عليه الناس، ويظهر تقصيره قبل غيره، وأن يتواضع ويلتمس الستر من إخوانه، وأن يبادلهم الشعور، وأن يطلب منهم المشورة والاقتراح، وأن يعلم أن فيهم من هو أعلم منه، وأفصح وأصلح.

 

 

وصايا للخطيب (22) وحـدة الموضـوع

غالباً ما يفشل الخطاب؛ لأن الخطيب يبدو وكأنه يسعى لإنشاء سجل العالم خلال وقت محدد. فيقفز من نقطة لأخرى بسرعة فيخرج المستمع بلا شيء عن كل شيء. وقد تحدث الشيخ محمد أبو زهرة مبيناً ما ينبغي للخطيب من البعد عن الخطب المجملة، والزج بأكثر من موضوع في الخطبة الواحدة فقال: «يجعل الخطبة

وصايا للخطيب (21) العيش مع واقع الأمة

الخطيب الناجح هو ذلك الإعلامي الذي يعرف أخبار أمته فيقوم بإعدادها، وتبسيطها، وصياغة عرضها، إلى خليط من الناس مختلفي المنهل والمشرب. الخطيب المؤثر محب ودود، يَأْلف ويُؤْلف، فلا يعزل نفسه عن الناس، بل يسأل عنهم، ويغشَى مجالسهم، ويبارك أفراحهم، ويأسو جراحهم. فلا يستطيع الداعية أن

وصايا للخطيب (20) العيـش مـع الخطبـة

الخطيب الناجح يحدد الظاهرة التي يريد أن يتناولها، فيعيش معها سحابة النهار وجزءًا من الليل، فيستغرق جل همه ومحتوى فكره مدندنًا حولها، ومصغيًا إليها، حتى إذا غمرت عقله وسرت في شرايينه تحرك قلمه الدافئ يحفر أفكارًا، حتى إذا وقف على المنبر فاسترجع ما كتب كان مصيبًا، في حسن الأداء وعم