مفهوم السنن الإلهية ودورها في البناء والسقوط

خاص عيون نت

التاريخ: الأحد 24 يناير 2021 الساعة 05:25:51 مساءً
مفهوم السنن الإلهية ودورها في البناء والسقوط

الحمد لله يخلق ما يشاء ويختار واشهد ان لا إله الا الله الواحد القهار يكور الليل على النهار واشهدوا ان محمد عبده ورسوله النبي المختار صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى إله الاخيار وسلم تسليما كثيرا.

ايها المسلمون: إن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون وَفق سنن، وهذه السنن هي القوانين التي أودعها الله في هذا الكون، وأخضعه لها بما فيه من مخلوقات؛ لتكون تلك السنن حاكمة لكل صغيرة وكبيرة، وتتكرر على الوتيرة نفسها كلما توفرت الشروط، وانتفت الموانع (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (سورة الأحزاب: آية 62)

ويلفتنا القرآن الكريم في العديد من الآيات الى النظر في سنن الله في الكون سنناً كقوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) سورة آل عمران 137) حتى نستخلص سنن التقدم والتخلف، والنهوض والانحطاط، والقوة والضعف، في الأمم والحضارات والدعوات، لكي يكون هذا العلم دليل عمل في محاولات النهوض والتقدم والانعتاق ، وكم نحن اليوم في هذا الزمن العصيب بحاجة ماسة إلى هذا العلم، بعد أن فقدت أمتنا فعاليتها ومنهجيتها وصوابها، وتعطلت عن شراكتها الحضارية، وتوقفت عن السير في الأرض والتبصر بالسنن التي تحكم حركة الحياة والمجتمعات، وأمست عاجزة عن التقويم والمراجعة ومعرفة أسباب القصور، وتحديد مواطن الخلل والتقصير .. وكادت تخرج من التاريخ!

ولا يمكن معرفة سنن الله الا من خلال القرآن الكريم وفهمه باعتباره الكتاب المقروء الذي أخبرنا خالق الكون عن هذه السنن فيه، (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)(سورة ص: آية 29) فهو مصدر لبيانها، وكذلك إعمال العقل في الكتاب المرئي - الكون - لاستنباط السنن، ولذلك يدعونا القرآن الكريم إلى النظر والتفكر في  السماوات والأرض لاستنباط السنن، (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (سورة الحج: آية46) ويأمرنا بالسير في الأرض والتدبر في الحضارات وتقلبها، والاستفادة من تجربتها، ولو كانت حضارة كافرة حتى لا نقع في أخطائها، (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (سورة آل عمران: آية 137)، (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (سورة الروم: آية9).

ايها الاخوة المسلمون: ومن السنن الربانية التي ينبغي على المسلم ان ينظر فيها ويتفكر سنة التدافع، قال الله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (سورة البقرة: آية٢٥١) وقال: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) (سورة الحج: آية٤٠) لذلك فإن العلو في الأرض لا ينحصر في شعب دون شعب، ولا في قوم دون قوم، لان الايام دول قال الله (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (سورة آل عمران: آية١٤٠)، إن المداولة توحي بالحركة الدائمة وبالتجدد وبالأمل، وتقرر أن الأيام ليست ملكًا لأحد، ومن ثم لا داعي لليأس والهزيمة، فمن هم في القمة ستنـزل بهم حركة الأيام إلى الحضيض، ومن هم في القاع الآن ستصعد بهم الحركة نفسها إلى القمة.

 ايها الاخوة المسلمون: وعلى ضواء سنة التداول يتعرف المسلم مواضع السقوط للحضارات وهلاكها له اجل وسبب بمعنى أن بقاء الأمة الظالمة بقاء محدود المدة إذا انقضت هذه المدة جاء أجلها فتهلك كما يهلك الإنسان ويموت إذا حان أجله بمضي مدة عمره.

وتوضيح ذلك أن الظلم في أي امة كالمرض في الإنسان يعجل في موته بعد أن يقضي المدة المقدرة له وهو مريض.

وبانتهاء هذه المدّة يحين أجل موته ، فكذلك الظلم في الأمة يعجل في هلاكها بما يحدثه فيها من آثار مدمرة تؤدي إلى هلاكها واضمحلالها خلال مدة معينة يعلمها الله في الأجل المقدر لها ، بموجب سنته العامة التي وضعها لآجال الأمم بناء على ما يكون فيها من عوامل البقاء كالعدل ، أو من عوامل الهلاك كالظلم قال تعالى :(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (الأعراف34) واقتضت سنة الله تعالي أن هلاك الظالمين مستمر مع كل ظالم في كل زمان ومكان قال تعالى : (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (سورة هود 100) .

ايها المسلمون: وسنة الله تعالي اقتضت أن تبقى الدولة العادلة مع الكفر ولا تبقى الدولة المسلم مع الظلم: قال تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون). إن الدولة الكافرة قد تكون عادلة بمعنى أن حكامها لا يظلمون الناس والناس أنفسهم لا يتظالمون فيما بينهم، فهذه الدولة مع كفرها تبقى، إذ ليس من سنّته تعالى إهلاك الدولة بكفرها فقط، ولكن إذا انضم إلى كفرها ظلم حكامها للرعية وتظالم الناس فيما بينهم قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها من خلاق أي في الآخرة وإن لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة).

لذلك حذر الله المسلم من الركون يعني الميل والسكون والمودة والرحمة وكذلك المجاملة وإعانة الظالم على ظلمه، وأن يزين للناس فعل الظالم قال الله تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ) (هود:113)

الخطبة الثانية

ايها المسلون: وعوامل البقاء في الحضارات هي الاسس التي تقوم عليها وهذه الاسس هي التي جاء بها الاسلام وخير مثال حضارة الاسلام لقد كان العرب قبل الإسلام أُمَّةٌ تصادميَّةٌ على المستويين الداخلي والخارجي؛ فكان يُغِير بعضهم على بعض، ويأكل القويُّ منهم الضعيف، ولا كرامة لعاجز، ولا حريَّة لضعيف.

لذلك بداء النبي صلى الله عليه وسلم في تأسيس حضارة الاسلام الخالدة والمحفوظة بحفظ الله من خلال الاهتمام بالإنسان لان بناء الإنسان مُقدّم على بناء العُمْران الإنسان هو شعلة النشاط، وبارقة الأمل في بناءِ أيّ حضارة وهو عمود الرقيّ، وهو ركن التحضّر، والله كرّمه يقول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء: 70). ودعا الإسلام بني البشر إلى التعارف والتعاون واحترام بعضهم البعض؛ يقول عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13].. كما حرّم الإسلام الاعتداء على دين الإنسان، وماله، ونفسه، وعِرْضِه، وبدنِه، وأرضِه، وعقلِه، وحريتِه..

ثم بناء وحْدة الصفّ المجتمعي لا تقسيمه وتشتيته والتصالح لا التنازع قال الله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103) وبعدها حُسْن توظيف الطاقات قال الله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة: 105) وبث التفاؤل و بناء الأمَل في النفوس والقلوب وعدم اليائس قال الله تعالى : (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: 87)

ولا يمكن لحضارة ان تقوم بغير منظومة اخلاقية وها هو نبينا محمّد صلى الله عليه وسلّم: يختصر رسالته في قوله صلى الله عليه وسلم ـ: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) رواه أحمد عن أبي هريرة

ولعلنا في هذه الخطبة حول مفهوم السنن الإلهية ودورها في البناء الحضاري نقترب من معرفة الأزمة التي تعيشها أمتنا الإسلامية اليوم، وترشدنا الى معرفة السقوط والارتفاع في الحضارات اسئل الله ان يصلح حال امتنا.

الثبات على الدين (عز ونصر وفوز)

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2 - 4]، نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا مزيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ابتلى عباده بالدين، وشرَّف به المؤمنين، وحط من قدر الكفار والمنافقين، فوصفهم في كتابه الكريم

إعجابُ المرء بنفسه

الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد أي

عائشة رضي الله عنها في بيت النبوة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهـد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ