محمد البشير النذير والسراج المنير

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 31 اكتوبر 2020 الساعة 06:47:23 مساءً
محمد البشير النذير والسراج المنير

الحمد الله الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

ايها المسلمون :إن أعظم منّة من الله تعالى على عباده المؤمنين هدايتهم للدين الحنيف والشريعة الإسلامية التي جعلها الله خاتمة الشرائع والأديان، وكل ذلك انتظم عقده ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم  الرسول الأمين وخير خلق الله أجمعين، فهدى الله به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وبصّر به من العمى، وفتح به قلوبًا غلفا وآذانا صما، فحقّ لأهل التوحيد أن يفخروا بهذه النعمة العظيمة، (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) )آل عمران:164 (هذا النبي العظيم كان عطوفًا بأصحابه، حليمًا بأعدائه، كان أجمل الخلائق وأصفى البشائر، لا تحصى فضائله، ولا تعد مزاياه، فهو خير خلق الله إنسانا، كان متواضعًا زاهدًا شجاعًا مقدامًا، تجمعت فيه جميع الأخلاق والصفات الحميدة والنبيلة، بل وأقسم الله تعالى بالنجم إذا هوى على تزكية المصطفى صلى الله عليه وسلم   ، فزكى عقله: )مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) [النجم:2] وزكى لسانه: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى) [النجم:3]، وزكى شرعه: )إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم:4]، وزكى معلِّمه: )عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى) [النجم:5، 6]، وزكى قلبه: )مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) [النجم:11]، وزكى بصره: )مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) [النجم:17]، وزكاه كله: )وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4]. نعته بالرسالة: )مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ( [الفتح:29]، وناداه بالنبوة: )يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ( [الممتحنة:12]، وشرفه بالعبودية: )سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ( [الإسراء:1]، وشهد له بالقيام بها: )وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ(  (الجن:19( صلى الله عليه وسلم .

ايها المسلمون : لقد أنصف بعض الكفار نبينا عليه الصلاة والسلام لما قرؤوا سيرته ورأوا عظيم دينه أخلاقه، يقول مايكل هارت في كتابه الخالدون المائة: "لقد اخترت محمدًا صلى الله عليه وسلم في أوّل هذه القائمة ـ بعد أن ذكر مائة رجل ـ لأنه هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحًا مطلقًا على المستوى الديني والدنيوي، دعا إلى الإسلام وأصبح قائدًا سياسيًا وعسكريًا ودينيًا، ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم قوة جبارة لا يستهان بها يمكن أن أقول: إنه أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ". ويقول اخر: "يكفي محمدًا فخرًا أنه خلص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريق الرقي والتقدم، وإن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة". ويقول شِبْرِك النمساوي: "إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنه رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوروبيين أسعد ما نكون إذا توصلنا إلى قمته". ويقول الإنجليزي توماس الحائز على جائزة نوبل في كتابه الأبطال: "لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث في هذا العصر أن يُصغي إلى ما يُقال من أن دينَ الإسلام كذب، وأن محمدا خداع مزور، وقد رأيناه طول حياته راسخَ المبدأ، صادق العزم، كريمًا برًا رؤوفًا، تقيًا فاضلاً حرًا، رجلاً شديد الجد مخلصًا، وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة، جم البِشْر والطلاقة، حميد العشرة حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب، كان عادلاً صادق النية ذكي اللب"

ايها المسلمون : واليومَ يأتي أقوام ما عرفوا الله طرفةَ ساعة، يعيشون في ظلمات الشهوات، أهدافهم وأفكارهم واعتقاداتهم منحطّة، يحاولون النيلَ من هذه المنارة الشامخة يأتي من يسخر بأعظم البشر صلى الله عليه وسلم   وهو لا يعرف قدره ولا مكانته ان هؤلاء سينتقم الله منهم لأنه قال في كتابه: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ) [المائدة:67]. مزّق كسرى رسالتَه صلى الله عليه وسلم ، فدعا عليه صلى الله عليه وسلم   ، فقتله الله في وقته، ومزّق ملكه كلّ ممزّق، فلم يبق للأكاسرة ملك بعده، تحقيقًا لقوله تعالى: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) [الكوثر:3]

 ويقول سبحانه: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) [الحجر:95]، قال ابن سعدي رحمه الله في تفسيرها: "وقد فعل تعالى، فما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم   وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شرّ قتلة" اهـ.

أخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل وابن مردويه بسند حسن والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) قال: المستهزئون الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب والحارث بن عنطلة السهمي والعاص بن وائل، فأتاه جبريل، فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أرني إياهم، فأراه كلّ واحد منهم، وجبريل يشير إلى كلّ واحد منهم في موضع من جسده ويقول: كَفَيتُكَهُ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما صنعت شيئا!)) فأما الوليد فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلاً فأصاب أكحله فقطعها، وأما الأسود بن المطلب فنزل تحت سمرة فجعل يقول: يا بنيّ، ألا تدفعون عني؟! قد هلكت وطُعنت بالشوك في عينيّ، فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا، فلم يزل كذلك حتى عتمت عيناه، وأما الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منه، وأما العاص فركب إلى الطائف فربض على شبرقة فدخل من أخمص قدمه شوكة فقتلته.

إنّنا ندعو كل منصف وكلَّ طالبٍ للحقيقة أن يقرأ دينَنا من مصادره، وأن يطّلع على سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهي مدوّنة محفوظة تدوينا وتوثيقا لا يدانيه توثيق ولا يقاربه تحقيق. وليعلم طالبُ الحقيقة ومبتغي الإنصاف أنّ المسلمين يكفيهم فخراً وشرفاً أن دينَهم يحرّم كلّ انتقاص أو تكذيبٍ لأيّ نبيٍّ من أنبياء الله، ويأمر باتباع ما جاؤوا به، (شَرَعَ لَكُم مّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ) [الشورى:13]، بل لقد نُهي المسلمون عن التعرّض لأديان المشركين حفاظاً على الحقّ وحمايةً لجناب الله عزّ شأنه، ففي محكم التنزيل: (وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) [الأنعام:108].

إنَّ المسلمين يحترمون جميعَ رسل الله، ويوقّرون كلَّ أنبياء الله عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام، (ءامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ) [البقرة:285].

الثانية

أيها المسلمون، إنّا لنرجو أن يكون في هذه المحنة منحة عظيمة للمسلمين في الرجوع إلى سنة سيد المرسلين وإحيائها على جميع المستويات. إن لنبينا صلى الله عليه وسلم حقوقًا علينا كثيرة، منها طاعته فيما أمر والابتعاد عما نهى عنه وزجر. ومن حقوقه علينا محبّته حتى تفوق هذه المحبّة محبّتَنا لأنفسنا وأهوائنا ورغباتنا. ومن حقوقه علينا اتباع هديه ظاهرًا وباطنًا، أن نرجع إلى سنته فنبدأ بتطبيقها، فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم ونصرته تكون بتطبيق سنته في جميع أحوالنا، فما كان منها واجبًا أوجبناه على أنفسنا، وما كان منها مستحبا سعينا للإتيان به قدر استطاعتنا.

علينا معاشر المسلمين أن نعكس بتصرفاتنا وأخلاقنا ما كان عليه نبينا، فنكون سفراء لسيرته وسفراء لهديه صلى الله عليه وسلم.

عباد الله، يقول الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:100]. فنحن إذا لم يخترنا الله أن نكون من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فإننا ليس أمامنا إلا الطريق الثالث وهو طريق الذين اتبعوه بإحسان، فنتّبع نبيّنا والمهاجرين والأنصار بإحسان، نفعل ما فعله لأنه فعله، ونترك الفعل لأنه هو صلى الله عليه وسلم تركه أو نهى عنه. علينا بنشر سنّته القوليّة والعملية في صفوف المسلمين، أن يتربى الأبناء على حبّه والارتباط به قولاً وعملاً، أن يصل صوتنا للعالم أجمع ببيان سيرته العطِرة وأيامه النضرة، أن يعرف العالم الجاهل به من هو محمد صلى  الله عليه وسلم.

 

الثبات على الدين (عز ونصر وفوز)

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2 - 4]، نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا مزيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ابتلى عباده بالدين، وشرَّف به المؤمنين، وحط من قدر الكفار والمنافقين، فوصفهم في كتابه الكريم

إعجابُ المرء بنفسه

الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد أي

عائشة رضي الله عنها في بيت النبوة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهـد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ