الهجرة النبوية : أحداث وعبر

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 15 اغسطس 2020 الساعة 07:51:03 مساءً
الهجرة النبوية : أحداث وعبر

بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله  والشهادتين والوصية بالتقوى .

أيها  المسلمون الكرام : تحتفل البلاد الإسلامية جمعاء بمناسبة ابتداء العام الهجري الجديد ، وذلك احتفاء بالحدث العظيم في السيرة النبوية ، والذي غيّر مسار الدعوة الإسلامية وحوّلها من حالة الضعف إلى القوة ، ومن وضع تحمل الأذى والصبر عليه ، إلى مرحلة إقامة الدولة الإسلامية في المدينة النبوية وإعلان الجهاد ، ثم نشر الدعوة وإقامة حكم الإسلام في ربوع وأرجاء الجزيرة العربية الذي كان مقدمة لانتشار الإسلام في العالم وتحطيم دولتي الكفر العظيمة في ذلك الزمان : الفرس والروم .

       لكن الاحتفال بهذه المناسبات العظيمة لا يكون فقط في اعتبارها يوم إجازة وظيفية ، أو تحديد برنامج إذاعي أو تليفزيوني للحديث عنها وحسب ، بل إن الاحتفاء بها يكون من خلال مراجعة التزامنا بهذا الدين العظيم ، واستعراض مبادئه وأحكامه وتعاليم ، والنظر في مدى وفائنا بها وإقامة حياتنا على أساسها . إن من احترام المسلمين بأحداث السيرة النبوية العظيمة ، أن يقرءوا هذه الأحداث ويستخلصوا منها الدروس والعبر ، ثم ينزلوها على حياتهم ، وينظروا أين هم منها ، ثم يجعلوها القدوة والأسوة .

       لذا فإننا سنتحدث باختصارعن  وقائع الهجرة النبوية ، وكذا عن الفوائد والعطات المستفادة منها :

ـ اشتد أذى المشركين على المسلمين الأوائل ، وما رسوا ضدهم كل أنواع العذاب والاضظهاد ، فطلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجروا إلى الحبشة لأن فيها ملك عادل لا يظلم عنده أحد ، فهاجروا إليها بدينهم مرتين ، ثم أراد الله تعالى أن يمكن لدينه في الأرض ، من خلال دولة قوية تقوم على أرض وقيادة وشعب ، بعد أن ابتلاهم واختبر ايمانهم وصبرهم فنجحوا واستحقوا أن يمكّن لهم في الأرض وينصرون ، قال تعالى : (( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ، وإن الله على نصرهم لقدير )) ، ونتعلم من هذا أن الكفار يبغضون المؤمنين ويعادونهم ، وأن على المسلمين الدفاع عن دينهم وأنفسهم والله سينصرهم .

ـ اختار الله تعالى المكان الذي سيهاجر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وأعلمه به عبر المنام ، في الصحيحين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (( رأيت في المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل ، فذهب وهلي (ظني ) أنها اليمامة أو هجر ، فإذا هي ((المدينة يثرب )) ، كانت المدينة النبوية تمتاز بأن أهلها من العرب صار أكثرهم مسلما ، وقد بايعوا رسول الله على الحماية والقتال معه ، ورضوا بان يستقبلوا أصحابه ، كما إنها كانت ذات موقع حصين منيع ، وخيراتها كثيرة .

       طلب رسول الله من أصحابه أن يهاجروا إلى المدينة ، فبدءوا يهاجرون على مجموعات ، عندها أحست قريش بالأمر وعرفت أنه إذا هاجر إليهم رسول الله ، فهذا يعني أن تقوم دولتهم وتعظم قوتهم بالأوس والخزرج الذين كانوا في المدينة وهم من قبائل اليمن ، فاجتمع زعماء قريش واتفقوا على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم بطريقة يختار لها شاب قوي من كل قبيلة فيقتلونه ويتفرق دمه بين القبائل ، فلا يمكن لبني هاشم أن يأخذوا بثأره من كل القبائل .

أخبر الله تعالى رسوله بهذا الأمر ، يقول تعالى : (( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك ( الحبس ) أو يقتلوك أو يخرجوك ( الطرد من البلاد) ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ))-الأنفال- وهذا هو موقف الكفار من الدعاة والمسلمين ، يفكرون دائما في طردهم من بلادهم ، أو قتلهم ، أو سجن العلماء والدعاة والقادة ، حتى يقضوا على الإسلام .

عند ذلك أذن الله لرسوله أن يهاجر من مكة إلى المدينة ليقيم شعائر الدين ويدعوا إلى الله و يقيم الدولة الإسلامية كما يريد تعالى .

       والعلماء يقولون إن الهجرة واجبة من بلاد الكفر حيثما لا يستطيع الإنسان أن يعبد الله ويظهر الشعائر وحيثما يخاف أن يفتن في دينه ويكره على الكفر ، وأن عليه أن ينتقل من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام حيثما يقدر المسلمون على ممارسة دينهم وشعائره وأحكامه .

       كان رسول الله قد أعد للأمر خطة محكمة ، حدد فيها ماذا سيفعل ؟ وكيف سوف يسافر ؟ وأين يختبئ ؟ ومع من ؟ وماذا يحتاج ؟

لذا فقد أخبر رسول الله أبا بكر الصديق أنه سيكون رفيقه  وصاحبه ، وقد جهز أبو بكر و أسرته الطعام والراحلة ، وطلب رسول الله من علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه في تلك الليلة حتى يظن الكفار الذين حاصروا بيته أنه موجود ، وقبل الإمام علي أن يكون أول فدائي في الإسلام ، وقد أخبره رسول الله ـ بعلم الله ـ أنه لن يصيبه شيء .

    من هنا نتعلم أن المسلم يجب أن يخطط لأمور حياته ويستعدّ لها ويتخذ الأسباب ثم يتوكل على الله ، لأن الله قادر على أن ينقل رسوله من مكة إلى المدينة فوق البراق دون تعب أو خوف ، لكنه يعلمنا اتخاذ الأسباب والتضحية من أجل الدين .

       موقفان آخران نتعلم منهما : موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي سخّر بيته وأهله وماله لأجل الله ، والإمام علي الذي يضحي بنفسه من أجل الدين ، ثم نلاحظ أن نصرة الدين والمشاركة في الهجرة كانت للجميع : الرجال والشيوخ ، والشباب والفتيات ، كل أفراد المجتمع المسلم يجب أن يعملوا لهذا الدين وينصروه إذا أرادوا عزّة الدنيا ونعيم الآخرة .

       خرج رسول الله وصاحبه أبو بكر إلى غار ثور ( خارج مكة ) فاختفيا فيه ثلاث ليال ، لأن رسول الله يعلم أن قريش سوف تخرج وراءه بحثا عنه لتقتله ، وقد حددت قريش جائزة لمن يقتل رسول الله أو يحضره ويمنعه من الهجرة ، وكانت الجائزة عبارة عن ( مائة ناقة ) بما يساوي اليوم ( مائة سيارة ) ، وانظروا أيها المسلمون كيف ينفق الكفار أموالهم لحرب الإسلام ، وكيف يكون على المسلم أن ينصر دينه ودعاته الأتقياء ومجاهديه المخلصين .

خرجت قريش تبحث عن رسول الله وأبي بكر في الطريق المؤدي إلى المدينة ، وتبع بعضهم آثار أقدامهم في الصحراء حتى وصلوا إلى غار ثور ، عندها خاف أبو بكر على رسول الله ، وقال : (( يا نبي الله ، لو أن بعضهم طأطأ ( أنزل ) رأسه أي من فتحة الغار ، لرآنا ) ، فقاله رسول الله : ((اسكت يا أبا بكر ، ما بالك باثنين الله ثالثهما )) ، وفي هذا الموقف يقول الله تعالى : (( إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين ، إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا )).

 وهنا نتعلم الثقة بالله وبعونه وحمايته ، وأن الله إذا وعد بشيء فلا يخلفه ، وقد وعد الله رسوله بالنجاة والحماية ، فاطمأنت نفسه وقوي عزمه ولم يخف من الكفار .

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين والمسلمات فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

 

الخطبة الثانية :

بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله  والشهادتين والوصية بالتقوى .

عباد الله : ما أروع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما أجمل مواقف الصحابة ، وما أعظم الدروس التي نتعلمها من سيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم .

  كان الطعام واللبن والأخبار تصل  إلى رسول الله وصاحبه في الغار عبر أولاد أبي بكر والراعي ، وبعد ثلاث ليال في غار ثور : وبعد أن تأكّد رسول الله أن عمليات البحث عنه قد توقفت ، خرج متجها إلى المدينة ، وكان يقرأ القرآن في الطريق حتى لا يضيع الوقت سدى ،وأبو أبكر يكثر التلفت حوله ، ويتقدم ويتأخر حماية لرسول الله، وأثتاء الطريق حدثت مواقف من معجزات النبي صلى لله عليه وسلم ، فقد حماه الله من ( سراقة بن جعشم ) الذي جاء بعده ، فدعى عليه الرسول فغاصت أقدام حصانه في الرمال عدة مرات ، ومن ذلك أن رسول الله مسح بيده الشريفة على ضرع شاة هزيلة فجاء منها لبن كثير شرب منه الجميع فآمن صاحب الشاة .

ثم وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في يوم الاثنين 12/ربيع الأول ، وكانوا ينتظرونه يوميا متى يصل إليهم ، وفرحوا بقدومه كثيرا وخرجوا لاستقباله ، أول ما وصل رسول الله إلى قباء أسس مسجدا ذكره الله في القرآن : (( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه …)) ، ثم وصل إلى المدينة وبدأ تأسيس الدولة الإسلامية بإقامة المسجد النبوي قبل أن يبنى له ذلك البيت المتواضع جدا ، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار ، وعقد المعاهدة مع اليهود . ومن هنا نتعلم أن أساس المجتمع المسلم وجود المساجد التي يعبدون فيها الله ويتعلمون أمور الدين ، وليس فقط بناءها ثم يصلي فيها القليل ، ومن مقومات المجتمع المسلم الحب في الله والإخاء القائم على رباط العقيدة (( إنما المؤمنون اخوة )) وفي الحديث (( المسلم أخو المسلم )) وكونوا عباد الله إخوانا )) .

أيها الاخوة الكرام : علينا أن نتعلم سيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم ونعلمها لأولادنا ، ونربي أنفسنا عليها كي نفوز في الدنيا والآخرة .

ومبارك عليكم العام الجديد ، وكل وقت وانتم بخير وقرب من الله ، وصلوا وسلموا على رسول الله وصحبه ثم الدعاء .

 

 

حقوق الوالدين (( بر الوالدين ))

بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله والشهادتين والوصية بالتقوى . أيها المسلمون : اعلموا أن الله تعالى أوجب على عباده المؤمنين حقوقا وواجبات نحوه تعالى ، ومن ذلك توحيده وصرف كل أنواع العبادة لله ، كما أنه أوجب كذلك حقوقا أخرى على المسلم المؤمن نحو الآخرين ، ومن أهم هذه ا

مسؤولية الجميع عن الدعوة

بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله والشهادتين والوصية بالتقوى . أيها المسلمون : يظن بعض الناس مخطئا ـ أن الدعوة إلى الله ( تقديم النصح للآخرين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) عبادة خاصة بالعلماء وأمر متعلق بالدعاة أصحاب التخصصات في العلوم الشرعية ، وهذا ظنّ يخالف ما

الإخلاص: تعريفه وفضله وحكمه

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهَد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وبعدُ: أيها المسلمون الفضلاء: إن الإخلاص للهِ