سنن الله في الاستدراج

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 8 فبراير 2020 الساعة 06:37:53 مساءً
سنن الله في الاستدراج

الحمد لله العليّ الكبير، يعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عرّف عبادَه سنَنَه في الخلق والتغيير، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدٌ عبده ورسوله، الناصح الأمين، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا، أما بعد:

اهمية الحديث عن سنن الله:

ايها المسلمون:من القضايا المحكمة عند كل العقلاء: أن سُنن الله في الأمم والمجتمعات لا تتغير ولا تتبدل، وأنها لا تحابي أحداً - مسلماً كان أم كافرا - فما ذلت أمةٌ بعد عز، ولا تفرقت بعد اجتماع، ولا بادت بعد أن سادت؛ إلا بعد تمردها على تلك السنن، ومخالفة أمر الله فيها.

ما غيّرَ اللهُ على أمّةٍ من الأمم ما كانت فيه مِن عزٍّ وغلبة، وأمنٍ وتمكين، ورَغَد عيش وراحة؛ إلا بعد أن غيّرت تلك الأمةُ نعمةَ الله، فاستبدلت شكر النعم بكفرها، واعتزازها بالطاعة إلى الإعلان بالمنكر، والعدلَ بالظلم، والقوة في الأخذ على أيدي السفهاء إلى تركهم يتطاولون على الأكابر والعلماء، وتعامتْ عن سنن الله في المسرفين؛ فحقّ عليها قول الله، وما ربك بظلام للعبيد.

وسنت الله في الطغيان والطغاة والمتكبرين، وسُنة الله -تبارك وتعالى- فيمن بطر النعمة وجحدها، وسنة الله في الرزق والتغيير والتدافع بين أهل الحق والباطل، سنن كثيرة، (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (فاطر: 43]، فهل عرفنا هذه السنن وكيف نتعامل معها حتى لا ننخدع بها أو نغتر؟

دعوني أعرض لكم سُنة من سنن الله في هذا الكون، وهي سنة الاستدراج، فما هو الاستدراج؟

وماذا قال عنه الله -عز وجل- ورسوله –صلى الله عليه وسلم-؟ وهل أنت مستدَرج؟ وكيف نتعامل مع هذه السنة؟ بمعنى: ما هو العلاج إذا اكتشفت أنك مستدرج؟

فالاستدراج هو الأخذ بالتدرج، فكلما أذنب العبد زاده الله من النعم، وأنساه التوبة، فيدنيه من العذاب قليلاً قليلاً، ثم يصبّه عليه صبًّا.

القرآن والسنة تحدثنا عن سننة الله  في الاستدراج:

يقول الحق -تبارك وتعالى ) -:وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ) [الأعراف: 182]، وقال تعالى:)فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُون وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ( [القلم: 44].

لهذا لا ينبغي أن نغتر بما أوتي الكفار من نعم في الدنيا؛ لأن الله يستدرجهم ويملي لهم، قال تعالى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ) [المؤمنون: 55- 56].

والاستدراج يا عباد الله لا يكون للكفار فقط، وإنما يقع على الكافر والمسلم على حد سواء، فقد جاء عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ –رضي الله عنه- عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم )-:فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الأنعام: 44] (رواه أحمد(ومعنى الحديث: أنك إذا رأيت الله -تبارك وتعالى- يعطي العبد من النعم ويزيده منها، وهذا العبد لا يزال مقيمًا على معاصيه، فاعلم أن ذلك استدراج من الله تعالى لذلك العبد الذي اغتر بتلك النعم، وظن أن الله تعالى راضٍ عنه.

وقد يسأل سائل: متى يكون العطاء من الله استدراجًا؟ ومتى يكون إنعامًا؟

إذا أعطاك الله لأنك شكرته وحمدته فهذا إنعام؛ لأن الله وعد بالزيادة لمن شكر فقال)لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ( [إبراهيم: 7]، وأما إذا أعطاك الله وأنت لا تزال مقيمًا على معاصيك، فاعلم أن ذلك

استدراج؛ لقوله- صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ

فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ".فإذا رأيت الله -تعالى- يوسّع على إنسان وهو ظالم، ومع ذلك تزداد رتبته،وتزداد منزلته، وتزداد ثرواته وخيراته، فلا تظن أن ذلك لكرامته على الله، خصوصًا إذا كان يزدادُ في الوقت ذاته طغيانًا ومعصية، وإنما ذلك من باب الاستدراج.

وعلى مستوى الأمم؛ فإن الله -تعالى- قد يفتح على أمة من النعم الشيء الكثير، فإذا تنكبت عن شرع الله، زادها الله غنى، وفتح لها من خزائن الأرض، فهي تزداد بُعدًا عن الله، والله يفتح لها أبواب كل شيء استدراجًا لها حتى ينزل عليها عقوبته بغتة.

قال -تعالى)وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 43- 45].

وأما إذا رأيت الله عجّل عقوبة عبده في الدنيا لذنب أصابه، فاعلم بأن الله أراد بذلك العبد خيرًا؛ لأنه نال جزاءه في الدنيا، فقد جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ –رضي الله عنه- أَنَّ رَجُلاً لَقِيَ امْرَأَةً كَانَتْ بَغِيًّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَجَعَلَ يُلاعِبُهَا حَتَّى بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: "مَهْ! فَإِنَّ اللَّهَ -عز وجل- قَدْ ذَهَبَ بِالْجَاهِلِيَّةِ وَجَاءَنَا بِالإِسْلامِ، فَوَلَّى الرَّجُلُ فَأَصَابَ وَجْهَهُ الْحَائِطُ فَشَجَّهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ –صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: "أَنْتَ عَبْدٌ أَرَادَ اللَّهُ بِكَ خَيْرًا، إِذَا أَرَادَ اللَّهُ -عز وجل- بِعَبْدٍ خَيْرًا، عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا، أَمْسَكَ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَفَّى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ عَيْرٌ". وعير اسم جبل في المدينة. (رواه أحمد وابن حبان).

ولا يعني هذا أن تتمنى أن يعجل الله لك العقوبة في الدنيا كي لا تُستدرج؛ لأن المسلم مطالبٌ أن يسأل الله العافية ولا يتمنى البلاء ولا العقوبة.

فقد روى أَنَسُ بن مالك –رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَادَ رَجُلاً مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ"؟ قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "سُبْحَانَ اللَّهِ لا تُطِيقُهُ، أَوْ لا تَسْتَطِيعُهُ، أَفَلا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"؟ قَالَ فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ. (رواه مسلم).

مظاهر الاستدراج :

توظيف النعم في معصية الله عز وجل:

فكم من الناس قد جحدوا نعمة الله وبدلوها كفرا وجورا وظلما وفسادا وطغيانا، كما قال ربنا سبحانه: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾ [إبراهيم: 28 - 30].

كم من الناس من وظف قوته في قهر العباد وإذلالهم والعدوان عليهم؟..

وكم من الناس من وظف ثروته وغناه في ظلم العباد والاعتداء على حقوقهم وممتلكاتهم؟..

وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾.

وكم من الناس من سخر عقله وتفكيره في المَكر والخديعة وإلقاءِ الشبَهِ لصدّ الناس عن الحق وطريق الهداية. ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 9].

عدم الاعتراف بالمنعم جل جلاله:

فمِن جُحُود النعمة أن يُصابَ صاحبها بالغرور، فيَظن أن ما به من نعمة فبفضل قوته أو علمه أو حيلته ودهائه وتخطيططه، وينسى خالقه ورازقه الذي تفضل بذلك عليه، فلا يعترف بفضله، ولا يشكره على عطائه، ولا يقوم بحقه عليه.

 وقد قال تعالى في شأن قارون الذي أصابه الغرور وأنكر فضل الله عليه:  ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ [القصص: 76 - 81].

جحود النعم سبب في زوالها وضياعها:

فكم من جاحدٍ مُنكِر، لا يعترف بفضل الله ولا يُقِرّ بعطائه ولا يشكره على آلائه؛ عاقبه الله تعالى بزوال النعمة وفقدها، وجعله آية وعبرة للناس من بعده. قال سبحانه: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112].

ويقول الله تبارك وتعالى في شأن قرية سبإ؛ التي أنعم الله على أهلها بنعم كثيرة من أنهار وزروع وثمار وخيرات كثيرة فأعرضوا عن شكره وتخلوْا عن عبادته: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ [سبأ: 15 - 17].

وقال تعالى عن أصحاب الجنة – أي الحديقة – الذين تآمروا وأجمعوا على أن يمنعوا الفقراء من حقهم وعطائهم الذي كانوا يأخذونه من أبيهم قبل وفاته: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [القلم: 17 - 33].

كيف نحافط على نعم الله من ان تكون استدراج:

أيها المسلمون: من رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين أنه يذكرهم نعمه الدائمة والمتجددة، ويأمرهم بشكره سبحانه عليها؛ ليكونوا من الشاكرين؛ وليؤجروا على شكرهم؛ ولتبقى نعمهم بالشكر وتزداد؛ ولئلا يؤدي إلفهم لها إلى نسيانها. ففي النعم الدائمة قول الله تعالى { {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} } [الفرقان: 62]، وقوله تعالى { {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} } [القصص: 73]، وقوله تعالى { {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} } [غافر: 61].وفي النعم المتجددة: قول الله تعالى { {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} } [الأعراف: 57-58]، وقوله تعالى { {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} } [يس: 71 - 73].وما هذه إلا أمثلة قليلة من آيات كثيرة، مما يدل على أهمية تذكر النعم الدائمة والمتجددة، وشكر الله تعالى عليها، وأن لا ينسي شكرَها إلفُ العباد لها؛ فإن أكثرها أعظم نفعا للعبد من النعم الحادثة والفردية لو تدبرها الناس وعرفوا قيمتها.

 

 

حقوق الوالدين (( بر الوالدين ))

بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله والشهادتين والوصية بالتقوى . أيها المسلمون : اعلموا أن الله تعالى أوجب على عباده المؤمنين حقوقا وواجبات نحوه تعالى ، ومن ذلك توحيده وصرف كل أنواع العبادة لله ، كما أنه أوجب كذلك حقوقا أخرى على المسلم المؤمن نحو الآخرين ، ومن أهم هذه ا

مسؤولية الجميع عن الدعوة

بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله والشهادتين والوصية بالتقوى . أيها المسلمون : يظن بعض الناس مخطئا ـ أن الدعوة إلى الله ( تقديم النصح للآخرين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) عبادة خاصة بالعلماء وأمر متعلق بالدعاة أصحاب التخصصات في العلوم الشرعية ، وهذا ظنّ يخالف ما

الإخلاص: تعريفه وفضله وحكمه

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهَد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وبعدُ: أيها المسلمون الفضلاء: إن الإخلاص للهِ