العالم من تنمية الثروات إلى تنمية التفكير

التاريخ: السبت 20 اغسطس 2016 الساعة 06:31:35 مساءً

كلمات دلالية :

التفكير
العالم من تنمية الثروات إلى تنمية التفكير

يلعب التفكير دورًا مهمًا في حياة الانسان, وقد كرمه الله وميزه على مخلوقاته بالعقل الذي يعتبر من أبرز المكونات الشخصية للإنسان، وأداة التفكير التي لابد من تنميتها لتقوم بوظيفتها على أكمل وجه، لأن تنمية التفكير لدى الإنسان وإصلاحه تعد أساسًا في الإصلاح والتنمية.

فالتفكير ضرورة إنسانية وشرعية، بل فريضة إسلامية، حيث دعا القرآن الكريم الإنسان إلى التفكر في ملكوت الله، وجعله سمة لأصحاب العقول الراجحة، ووصفهم: }إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض{.

وبدون التفكير يفقد الإنسان إنسانيته، ويصبح كما قال تعالى عن الذين امتلكوا أدوات السمع والبصر والفهم، ولكنهم عطلوها: }لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لايسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل{.

فالتفكير سلوك هادف، وهو غاية يمكن الوصول إليها عن طريق التعلم والتدريب. لهذا اهتمت الدول بتربية التفكير، وأصبح في مقدمة أولوياتها عبر مؤسساتها التعليمية والتدريبية والإدارات العامة والخاصة، بما يتيح للمتعلم التمكن من المتطلبات المعرفية والوجدانية لمواجهة تحديات العصر المتنامية، وذلك بأن يكون الاهتمام بتعليم المتعلم كيف يفكر؟ أكثر من الاهتمام بماذا يفكر؟

مفهوم التفكير

للتفكير مفاهيم مختلفة باختلاف المنطلقات النظرية لأصحابها، لكنها جميعًا تؤكد أهمية التفكير في التربية والتعليم وإدارات التأهيل والتدريب. فهو النشاط المميز للإنسان، ومعظم مظاهر تقدم الإنسان وارتقائه هي نتاجات للتفكبر. ويرى جون ديوي: بأنه النشاط العقلي الذي يرمي إلى حل مشكلة ما. بينما إدوارد دي يوند يعتبره: مهارة يمكن تعليمها من خلال التدريب، أي من خلال الممارسة والتعليم بكيفية التفكير على نحو أفضل، وخاصة عندما تتوفر الإرادة الصادقة.

ويختصر د. جودت أحمد سعادة مفهوم التفكير في ثلاثة عناصر تتمثل في العمليات المعرفية المعقدة وعلى رأسها حل المشكلات الأقل تعقيدا كالفهم والتطبيق . بالإضافة إلى معرفة خاصة بمحتوى المادة أو الموضوع مع توفر الاستعدادات والعوامل الشخصية المختلفة ولاسيما الاتجاهات والميول.

أهمية التفكير

إن حاجة الإنسان إلى تلبية متطلبات العصر، ومواكبة التطورات العلمية والمعرفية التي يصعب الإحاطة بها، تفرض عليه تطوير قدراته وتنميتها لاكتشاف المعلومات ومعالجتها وفهمها وتفسيرها ونقدها، وإن ثقافة التفكير تعلي من قيمة العقل وتحقق قيمة التسامح الفكري والقبول بالآخر، وهذا بدوره يؤدي إلى خلق المواطن الواعي الذي لا ينحرف بسهولة  وراء تيارات هدامة رافضة للمجتمع وللعصر.

كما أن العولمة الثقافية وسهولة تعرض البعض للانبهار، ومن ثم الانسياق اللاعقلاني وراء أفكار وثقافات وأساليب حياة أخرى لمجرد كونها مختلفة، وهنا يأتي دور التفكير في غربلة هذه الأفكار والاتجاهات التي يتعرض لها ويبني موقفه منها على أسس واضحة ومتينة.

ويساعد التفكير على اتخاذ قرارات في مواقف أخلاقية مهمة تواجهنا في حياتنا الشخصية والعملية، وخاصة المواقف التي لا يوجد فيها نص قانوني محدد. وإن حاجة سوق العمل لنوعيات جديدة من الأفراد الذين يتسمون بالقدرة على تحليل المواقف التي يتعرضون لها بصورة نقدية وتقديم الحلول للمشكلات المتعددة التي يفرضها واقع الحياة المعاصرة، إضافة إلى اعتماد الاقتصاد العالمي على آليات السوق وتشجيع المبادرة الفردية التي تحتاج إلى قدرات خاصة تساعد على تحليل المعلومات الاقتصادية المتاحة وتوظيفها لمصلحة الفرد.

أنماط (أنواع) التفكير

لقد ميز علماء النفس والاجتماع بين أنواع عديدة من أنماط التفكير، نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر والتي من أهمها:

التفكير البديهي (الطبيعي): ويتسم بالتكرار والتعميم والتحيز وعدم التفكير في الجزئيات والتركيز على العموميات.

التفكير المنطقي: ويمثل التحسن الذي طرأ على طريقة التفكير الطبيعي، ويعتمد على التعليل لفهم واستيعاب الأشياء.

التفكير العلمي: وهو العملية التي يتم بموجبها حل المشكلات أو اتخاذ القرارات بطريقة علمية من خلال التفكير المنظم والمنهجي.

التفكير الناقد: ويعني قدرة الفرد على إبداء الرأي المؤيد أو المعارض في المواقف المختلفة مع ذكر الأسباب المقنعة.

التفكير الإبداعي: نشاط عقلي مركب وهادف من أجل البحث عن حلول أو النظر للمألوف من زاوية غير مألوفة،ثم تطويره وتحويله إلى فكرة ثم إلى تصميم ومن ثم إلى إبداع قابل للتطبيق والاستعمال.

وهناك التفكير العاطفي (الوجداني) والتفكير الرياضي القائم على القواعد والرموز والنظريات والبراهين للحكم على الأشياء.

مهارات التفكير

وهي عمليات معرفية إدراكية أساسية في بنية التفكير تساعد الإنسان ـ وخاصة الطلبة على فهم المشكلات والمفاهيم ـ على أداء العمل بدرجة متقنة في وقت قصير وبجهد قليل وهي:

الملاحظة: وهي عملية تفكير تتضمن المشاهدة والمراقبة والإدراك، تقوم على جمع البيانات والمعلومات.

التصنيف: وهي مهارة أساسية لبناء الإطار المرجعي  المعرفي للفرد، قائمة على تجميع المعلومات ومن ثم تنظيمها.

المقارنة بين الأشياء والأفكار والأحداث وفق أوجه الشبه والاختلاف.

 التفسير: عملية عقلية تضفي معنى على خبراتنا اليومية.

التلخيص: وهو إعادة صياغة الفكرة أو الأفكار الرئيسية والتعبير عنها بإيجاز ووضوح؛ أي قراءة ما بين السطور وربط النقاط البارزة.

التطبيق: ويعني استخدام المتعلم للمفاهيم والقوانين والحقائق والنظريات التي سبق أن تعلمها لحل مشكلة تعرض لها في موقف جديد.

الترتيب: والمقصود به وضع المفاهيم والأحداث التي ترتبط فيما بينها  في سياق متتابع  وفقًا للمعايير.

تنمية التفكير من  النظرية إلى التطبيقية

إن عولمة المعرفة والمشكلات والأحداث فرضت صناعة التفكير وإنتاج الأفكار على المجتمع العالمي، حتى أن بعض الدول انتقلت من طور تنمية الثروات الباطنية إلى طور تنمية الثروات الذهنية والعقلية. يقول أحد المفكرين اليابانيين: معظم دول العالم تعيش على ثروات تقع تحت أقدامها، وتنضب بمرور الزمن، أما نحن في اليابان فنعيش على ثروة فوق أرجلنا تزداد وتعطي بقدر ما نأخذ منها.

وما أحوجنا اليوم نحن العرب في ظل الظروف التي تعصف بنا إلى استراتيجية وطنية في تنمية التفكير وبناء الإنسان الصالح، نستلهمها من إرثنا الحضاري مع الاستفادة من التجارب  الرائدة وإعطائها الصبغة التي تعبر عن هويتنا وحضارتنا، استراتيجية قابلة للتطبيق وقادرة على إعداد الإنسان المفكر والفاعل في حقول العمل والإدارة داخليًا والمؤثر إقليميًا ودوليًا يعيد للأمة ألقها السالف.

تنطلق هذه الاستراتيجية من تنمية التفكير ومهاراته، وذلك بتوفير البيئة التعليمية  والتدريبية، وتدريس مناهج التربية العلمية القادرة على إعداد الأفراد القادرين على التفكير السليم، والإعداد النفسي للمتعلم كالثقة بالنفس والمرونة والانفتاح الذهني وحب التغيير الإيجابي، والاعتراف بالخطأ  والاستماع إلى وجهة نظر الآخرين وتجنب التناقض والغموض  والتواصل مع الآخرين. من جهة ثانية الإدراك الحسي بمعنى توجيه الحواس حسب الهدف، والاستماع الواعي والملاحظة الدقيقة والنظر للموضوع من زوايا مختلفة، وتخزين المعلومات وتذكرها بطريقة منظمة. من جهة أخرى تجنب أخطاء التفكير بالابتعاد عن التمركز حول الذات والقفز إلى النتائج والابتعاد عن الأحكام الشخصية، والبحث عن حلول غير تقليدية. ولابد من تطويع العقل للموقف من خلال التعرف على الغرض من التفكير وتحديد نمط التفكير الملائم للموقف، والاستعداد لتغيير نمط التفكير إذا تغير الموقف، هذا من جانب تنمية المهارات لدى المتعلم.

أما تنمية التفكير في هذه الاستراتيجية فيجب أن تقوم مؤسساتنا التعليمية والتربوية والتدريبية  بتأمين المعلم أو المدرب المؤهل والفعال لأنه يمثل أهم عناصر نجاح تعليم التفكير، والذي ينبغي أن يكون ملمًا بخصائص التفكير الفعال ومهاراته المتنوعة، ومتابعة التطورات التربوية والمناهج التدريبية.

لابد من توفير البيئة التعليمية الملائمة لإثارة التفكير الفعّال لدى المتعلمين، كالقاعة الصفية والوسائل التعليمية المتنوعة والحديثة والمقاعد المريحة، والمراجع المتعددة وطرق التدريس  والأنشطة التعليمية التي تتناسب والفروق الفردية مع استخدام الحاسوب والإنترنت.

وأخيرًا الـتأكيد على استخدام التقويم وإجراءاته المتنوعة المتمركزة حول ضرورة قياس ما تعلمه الطالب، ولا يقتصر ذلك على الاختبارات الشفوية والتحريرية فقط، وإنما استخدام تقنيات أخرى كالملاحظة والسجلات التراكمية ومقاييس التقدير والمناقشة الجماعية والرسم البياني، والتقارير الفردية والجماعية.

كل ذلك لإعداد جيل قادر على التفكير ومواجهة المشكلات وتقديم الحلول، جيل يحافظ على هويته ويؤثر في محيطه الإقليمي والعالمي وينهض  بالأمة لتضاهي الأمم المتقدمة.

التفكير الناقد.. ماهيته وكيفية تحسينه؟

لا يستقيم العالم، إن رمت الدقة والأمانة، بعيدًا عن التفكير الناقد؛ إذ من دونه ستجد نفسك دمية بيد الأهواء الشخصية والانفعالات، ولن يكون لحياتك إيقاع واحد، صحيح أنه من المنطقي ألا يحكم حياتك إيقاع واحد وإلا ستكون رتيبة، لكن الفكرة أن اعتمادك على المنطق في كل تفكيرك سيكون هو الإطار

حتى لا ينقلب سلاح التفكير إلى الضد

كلما يزيد عن حده ينقلب إلى ضده فالحياة قائمة على التوازن الدقيق، وقائمة على معادلات يمكن للإنسان الحاضر الذهن أن يستوعبها ببداهة فطرية، والتفكير نعمة من نعم الله على الإنسان، فالإنسان كائن مفكر وبواسطة التفكير التحليلي يستطيع الإنسان تمييز الصواب من الخطأ، وتصحيح الأخطاء والنجاح

كيف تحافظ على يقظتك الذهنية؟

الحاجة إلى اليقظة الذهنية من الحاجات الحيوية التي لا يستغني عنها الإنسان في تدبير حياته الدنيوية في الاستمتاع بالحياة والتغلب على مشاعر القلق والتوتر، والقدرة على تجاوز الصعوبات ومواجهة ضغوط العمل وتحديات الواقع. وكذلك لا يستغني الإنسان عن اليقظة الذهنية في عبادته وفي حضور ا