مفهوم الموافقة والمخالفة في الفقه

التاريخ: السبت 3 اكتوبر 2015 الساعة 12:00:00 صباحاً
مفهوم الموافقة والمخالفة في الفقه

المفهوم (مفهوم الموافقة والمخالفة في الفقه)

 

• المفهوم لغة:

اسم مفعول من فهِم، إذا فهِم وعقَل وعرَف؛ فالمفهوم هو المعقول المعلوم، وفي لسان العرب: الفهم معرفتُك الشيء بالقلب، فهِمه فهمًا[1]، واصطلاحًا عرَّفه ابن السُّبكي بقوله: (ما دلَّ عليه اللفظ لا في محل النطق)[2]، وعرَّفه الآمدي بقوله: (ما فُهِم من اللفظ في محل النطق)[3].

 

ومن هذه التعاريف يمكن القول: إن المفهوم هو: ما دل عليه اللفظُ في محل السكوت، بحيث يؤخَذُ الحُكم عن طريق دلالة اللفظ، وليس من عبارته ونُطقه.

 

• وينقسم المفهوم إلى قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، وأساس هذه القسمة أن المسكوتَ عنه إما أن يكون موافقًا للمنطوق به في النفي والإثبات، أو مخالفًا له فيهما، فإن كان موافقًا له سُمِّي مفهومَ موافَقة، وإن كان مخالفًا له سُمِّي مفهومَ مخالَفة.

 

القسم الأول: مفهوم الموافقة:

• عرَّف الآمدي مفهوم الموافقة بقوله: (ما يكون مدلولُ اللفظ في محل السكوت موافقًا لمدلوله في محل النطق، ويسمَّى فحوى الخطاب، ولحن الخطاب)[4]، وعرَّفه الشريف التلمساني: (أن يعلم أن المسكوت عنه أَوْلى بالحُكم من المنطوق به، ويسمى أيضًا فحوى الخطاب)[5]؛ فمفهوم الموافقة يعني إعطاء نفس حُكم المنطوق به للمسكوت عنه؛ ولهذا سُمِّي مفهوم موافقة.

 

• وفي مقابلة مفهوم الموافقة عند الجمهور، نجد دلالة النص عند الحنفية، وفيها يقول السرخسي: (فأما الثابتُ بدلالة النص، فهو ما ثبت بمعنى النَّظم لغة، لا استنباطًا بالرأي؛ لأن للنظم صورةً معلومة ومعنًى هو المقصود)[6].

 

• واختلف الأصوليون حول أنواع مفهوم الموافقة، فمنهم من قصَره على (فحوى الخطاب)، وهو المفهوم الذي يكون المسكوتُ عنه فيه أَولى بالحُكم من المنطوق به، ومنهم من عمَّمه على (فحوى الخطاب ولحن الخطاب)، ولحن الخطاب: هو المفهوم الذي يكون المسكوت عنه فيه مساويًا للمنطوق به، (فإن وافق حكمه المنطوق، فموافقة فحوى الخطاب إن كان أَولى، ولحنه إن كان مساويًا)[7].

 

• وبهذا يتبيَّن أن مفهوم الموافقة لا يخرُجُ عن نوعين: الأول يكون فيه المسكوت عنه أَولى بالحُكم من المنطوق به؛ لشدَّة وضوح العلَّة في المسكوت عنه من المنطوق به، وهو فحوى الخطاب، والثاني هو الذي يكون المسكوت عنه فيه مساويًا للمنطوق به في الحُكم؛ لتساويهما في العلة، وهو لحن الخطاب.

 

• ومن أمثلة فحوى الخطاب قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23]؛ فهذه الآية الكريمة تدلُّ بمنطوقها على تحريم التأفُّف والنهر في حق الوالدين، وعلة هذا الحكم هو إيذاؤهما، كما تدل بمفهومها الموافق على كفِّ جميع أنواع الأذى عنهما؛ حيث إن الأذى في الضرب والشتم وغيرهما مما هو مسكوتٌ عنه، أشدُّ من التأفُّف والنهر المنطوق بهما، فيكون تحريم الضرب والشتم أَولى من تحريم التأفُّف والنهر، ومن أمثلة فحوى الخطاب أيضًا قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8]؛ حيث تدل الآيتانِ بمنطوقهما على أن الشيءَ الحقير من الحسنات والسيئات لا يُهمَل، وتدلاَّنِ بمفهومهما على أن الأعمالَ الجليلة لا تُهمَل من باب أَولى.

 

ومن الفحوى أيضًا قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ [آل عمران: 75]؛ حيث دلَّتِ الآيةُ في معناها المتضمِّن في أداء القنطار المؤتمن عليه، على أن أداءَ ما دونه مما لم يُذكَر يكون من باب أَولى لوضوح العلة فيه، كما دلت الآيةُ في شِقِّها الثاني بالمعنى اللغوي المتضمن في عدم أداء الدينار المؤتمن عليه، على أن عدم أداء ما فوقه أَولى؛ لتحقُّق علة المنطوق به فيه بصورة أكثر قوة؛ ففي الشق الأول من هذه الآية ورَد التنبيهُ بالأعلى على الأدنى، وفي شقها الثاني ورَد التنبيه بالأدنى على الأعلى.

 

• أما لحن الخطاب، فمثاله كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 10]؛ حيث تدلُّ الآية بمنطوقها على النهيِ عن أكل أموال اليتامى ظُلمًا، وتدل بمفهومها الموافق على النهيِ عن إتلاف أموال اليتامى بأيِّ شكل من أشكال الإتلاف، وأكل هذا المال ظلمًا يساوي إتلافه؛ لأن كليهما يؤدِّي إلى ضياع المال على اليتيم.

 

• وقد تناول الأصوليون حُجِّية مفهوم الموافقة: (وهذا مما اتفق أهلُ العلم على الاحتجاج به، إلا ما نُقِل عن داود الظاهري[8] أنه قال: إنه ليس بحجَّة، ودليل كونه حجة أنه إذا قال السيد لعبده: لا تعطِ زيدًا حبة، ولا تقُلْ له: أفٍّ، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه، فإنه يتبادر إلى الفهم من ذلك امتناعُ إعطاء ما فوق الحبة، وامتناع الضرب والشتم، وامتناع الظلم بالدينار وما زاد، وامتناع أذيَّته بما فوق التَّعبيس من هَجْرِ الكلام وغيره)[9].

 

كما أشاروا إلى أن الثابت بدلالة النص - مفهوم الموافقة -: (مثل الثابت بالإشارة والعبارة؛ لأن النصَّ بالرغم من أنه لم يتناولها لفظًا، لكن لما كان المعنى الذي تعلَّق به الحُكم ثابتًا بالنص لغةً، كان الحُكم الثابت به مضافًا إلى النص، كأن النص تناوله)[10].

 

• ولعل إنكار الاحتجاج بمفهوم الموافقة هو إنكار لحُجية القياس؛ لأن مفهوم الموافقة دائمًا يخرج في قالب القياس، فقوله تعالى مثلاً: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾ [الإسراء: 23] ينطبقُ عليه حُكم القياس؛ فالأصل فيه التأفُّف والنهر المنصوصُ عليهما، وحُكمهما: التحريم في حق الوالدين، وعلة هذا الحكم هي إيذاء الوالدين، والفرع هو الضرب والشتم، وكلُّ ما من شأنه أن يؤديَ إلى إيذاء الوالدين، ولا معنى للقياس إلا هذا؛ فالأصل في القياس هو نفسه المنطوق به، والفرع هو المسكوت عنه الذي يأخذ حُكم المنطوق به عن طريق مفهوم الموافقة.

 

• ومن الأمور المرتبطة بدلالة النص التي ناقشها الأصوليون: دلالة النص على المسكوت عنه بالمفهوم الموافق، هل هي قطعية أم ظنِّيَّة؟

 

فيرى الأصوليُّون - على اختلاف مذاهبهم - أن دلالةَ النص على المسكوت عنه بالمفهوم الموافق، قد تكون قطعيةً، وقد تكون ظنِّية، والضابط في هذا هو شدَّةُ وضوح المعنى في المسكوت عنه، فإن كان التعليل بالمعنى قطعيًّا لا يتطرق إليه الاحتمال النقيض، كانت دلالة النصِّ على المسكوت عنه قطعيةً؛ فقوله تعالى مثلاً: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23]: يدلُّ قطعًا على تحريم كلِّ أنواع الإيذاء في حقِّ الوالدين؛ كالضرب والشتم، لشدَّةِ وضوح وظهور المعنى فيهما من التأفُّف والنهر.

 

وإن كان (التعليل بالمعنى غيرَ مقطوع به في المنطوق به... فإن دلالةَ المفهوم أو دلالة النص تكون ظنِّية)[11]، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ [النساء: 92]، مع قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 93]، وبيان هذا أن الشافعيةَ قالوا: إنه (يجب على القاتل عمدًا الكفَّارة؛ لأنها لَمَّا وجبت على القاتل خطأً، كان وجوبها على القاتل عمدًا أَولى)[12]، وكذلك في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من نسي صلاةً أو نام عنها، فكفَّارتها أن يصلِّيَها إذا ذكَرها))[13]، فإن كان النائمُ والساهي يقضيان الصلاة وهما غير مخاطَبين، فلَأَنْ يقضيَها العامد أَولى، ومنها قول الشافعية في اليمين الغموس أن فيها الكفارة، بقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ﴾ [المائدة: 89]، فإذا شُرِعت الكفارة حيث لا يأثم الحالف، فلأن تُشرَع حيث يأثَمُ أَولى، ويقول الشريف التلمساني[14] معلقًا على هذه الأحكام: (وإنما كان هذا خفيًّا - أي: ظنيًّا • لأن للمانع أن يمنع الأولويةَ بأن يقول: لا يلزم من قضاءِ صلاة النائم قضاءُ صلاةِ العامد؛ لأن القضاء جبرٌ، ولعل صلاة العامد أعظم من أن تجبر، وكذلك في الكفارات؛ لاحتمال أن تكون جناية العامد أعظمَ من أن تُكفَّر، ولأجل ذلك اختُلِف في هذه المسائل، وهذا النوع هو أكثرُ ما يوجد في مسائل الخلاف)[15].

 

القسم الثاني: مفهوم المخالفة:

• وهو أن يشعر المنطوقُ بأن حُكم المسكوت عنه مخالِف لحُكمه، وهو المسمَّى بدليل الخطاب، فإذا كان قد سبَق القول في مفهوم الموافقة أن المسكوتَ عنه يأخُذُ نفس حُكم المنطوق به نفيًا أو إثباتًا، فإنَّ المسكوتَ عنه في مفهوم المخالَفة يأخُذُ نقيض حُكم المنطوق به نفيًا أو إثباتًا.

 

وقد عرَّفه الآمدي بأنه: (ما يكون مدلولُ اللفظ في محل السكوت مخالفًا لمدلوله في محل النطق، ويسمَّى دليل الخطاب)[16]، وقال الغزالي: (معناه الاستدلال بتخصيص الشَّيءِ بالذكر على نفيِ الحُكم عما عداه)[17].

 

[1] لسان العرب (12/ 419).

[2] حاشية العطار على جمع الجوامع (1/ 317).

[3] الإحكام؛ للآمدي (3/ 66).

[4] الإحكام؛ للآمدي (3/ 66).

[5] مفتاح الوصول إلى علم الأصول ص (112).

[6] أصول السرخسي (1/ 241).

[7] الإحكام؛ للآمدي (3/ 66).

[8] هو داود بن علي بن خلف، البغدادي، المعروف بالأصبهاني، إمام مجتهد وفقيه، ومحدِّث، يعتبر مؤسسَ وإمام أهل الظاهر، نسب إلى أصبهان، وهي مدينة لا تزال قائمةً إلى الآن في إيران، كان كثير التصنيف؛ (طبقات الشافعية) (2/ 290).

[9] الإحكام؛ للآمدي (3/ 67 - 68).

[10] الخطاب الشرعي ص (254).

[11] الخطاب الشرعي ص (249).

[12] مفتاح الوصول ص (113).

[13] أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة.

[14] هو محمد بن أحمد بن علي بن شريف الإدريسي، وكنيته أبو عبدالله، ولقبه وشهرته الشريف التلمساني، ونسبة التلمساني إلى مدينة (تلمسان) الواقعة غرب الجزائر، وُلِد سنة عشر وسبعمائة 710هـ / 1310م، وصفه ابن خلدون الذي عاصره بالإمام العالِم الفذِّ، وبفارس المعقول والمنقول، وصاحب الفروع والأصول، توفي سنة إحدى وسبعين وسبعمائة 771هـ/ 1370م؛ (موقع مجالس الأصوليين - شبكة الإنترنت).

[15] مفتاح الوصول ص (114).

[16] ا لأحكام؛ للآمدي (3/ 69).

[17] المستصفى (2/ 189).

 

 

المصدر : شبكة الألوكة 

ما هو اليقين بالله ؟

المؤمن من يستشعر وجود الله تعالى معه في حياته كافة ، في فرحه و حزنه ، في شدته و رخائه ، لا يقصي الله من حياته ، يوقن حق اليقين بأن الله مدبر الأمور ، مسيّرها ، كل شيء في الكون يمشي بحكمة الله ، بأوامره ، بدقة و لهدف معين قد يعرفه الإنسان ، وقد يجهله و يبقى السبب في علم الغيب عند

كمال “العبودية”

قال الله تعالى لموسى عليه السلام: “اذهب إلى فرعون إنه طغى” ، الطغيان: مجاوزة الحد، قال بعض المفسرين: “إنه (فرعون) تكبر على الله وكفر به، وقال آخرون: إنه طغى على بنى إسرائيل”، قال الرازى: “والأولى عندى الجمع بين الأمرين: والمعنى أنه طغى على الخالق بأن كفر به، وطغى على الخلق بأن تك

الوسطية: مفهومًا ودلالة

لعلَّ من أصعب ما يعتري الباحثَ في علم المصطلحات - الوقوفَ على الدلالة الحقيقيَّة التي تحملها هذه المصطلحات، بعد استقراءِ مَوَاردها ومصادرها في مُختلف العلوم والمجالات، ولعلَّ مصطلح الوسطيَّة، قد اعتورته أقلامُ الباحثين بإسهاب، فلم يَسْلموا من هذا الاختلاف الذي تفرضه دلالةُ السيا