كمال “العبودية”

التاريخ: الإثنين 18 يوليو 2016 الساعة 06:18:16 مساءً
كمال “العبودية”

كمال “العبودية”

قال الله تعالى لموسى عليه السلام: “اذهب إلى فرعون إنه طغى” ، الطغيان: مجاوزة الحد، قال بعض المفسرين: “إنه (فرعون) تكبر على الله وكفر به، وقال آخرون: إنه طغى على بنى إسرائيل”، قال الرازى: “والأولى عندى الجمع بين الأمرين: والمعنى أنه طغى على الخالق بأن كفر به، وطغى على الخلق بأن تكبر عليهم واستعبدهم، وكمال العبودية ليس إلا صدق المعاملة مع الخالق ومع الخلق

وفى تفسير قوله تعالى “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”، قال الإمام ابن القيم: “لا ينفك العبد عن واجبين: واجب بينه وبين الله وواجب بينه وبين الناس”، ومن هذا يتبين أن الشريعة تقوم على أصلين كما يقول الرازي، الأصل الأول تعظيم الخالق عز وجل، والأصل الثاني الإحسان إلى الخلق، وبهذا تظهر عظمة الرسالة الإسلامية الخاتمة في أن كمال العبودية يكون بين الجمع بين تعظيم الخالق والإحسان إلى المخلوقين، أو الجمع بين حقوق الخالق علينا وحقوق المخلوقين، وأن التقصير في حقوق المخلوقين هو تقصير في حقوق الخالق، حتى جاء في الحديث القدسي يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة: “يا عبدى مرضت فلم تعدني، فيقول العبد كيف أعودك وأنت رب العالمين؟، فيقول الله: عبدى فلان مرض فلم تعده، ألا تعلم أن لو عدته لوجدتني عنده؟!، يا عبدى استطعمتك فلم تطعمني، فيقول العبد: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العاملين؟!، فيقول الله له: عبدى فلان استطعمك فلم تطعمه، ألا تعلم أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟!، يا عبدى استسقيتك فلم تسقني؟، فيقول العبد: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟!، فيقول الله: عبدى فلان استسقاك فلم تسقه، ألا تعلم أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي؟!” .

وهكذا يُعاتب الله عبده لأنه قصَّر في حقوق المخلوقين، ولا يتسامح في تقصير العبد مع أخيه، إلا أنْ يعفو عنه أخوه الإنسان، حتى وإن كان غير مسلم، كما في الحديث “من آذى ذمياً فأنا خصيمه يوم القيامة”.

فالإحسان والصدق في معاملة الإنسان مع أخيه الإنسان إنما تعكس الصدق والإحسان مع الخالق عز وجل، وفى الحديث: “لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا..”، وفى الحديث أيضاً: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”.

يجب على المسلم الملتزم بالإسلام ألا ينظر فقط إلى مقدار حرصه على الصلاة والصيام وقراءة القرءان والذكر!، بل عليه أن يحرص أيضاً على بذل وقته وجهده وماله في الإحسان مع أخيه الإنسان، ولا يَقصُر اهتمامه فقط على تنقية نفسه، بل يجب عليه أيضا الإستغفار عن تقصيره في حقوق أخيه الإنسان، ولاحظ أن القرآن الكريم أكثر من الجمع بين حقوق الله وحقوق الناس؛ ليهتم المسلم برعاية الإثنين معاً، لقد تكرر في القرآن قوله تعالى: “وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة”، فالصلاة حق الله والزكاة حق الفقراء، ورُوى عن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال: “فرض الله عبادات مثنى؛ فلا تُقبل أحدهما بدون الأخرى مثل “أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) لقمان، فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه الله عز وجل”.

ومن هذا الجمع بين الإحسان إلى الخالق والإحسان إلى الخلق معاً كقوله تعالى يحض على طعام المسكين: “وأما من أوتى كتابه بشماله فيقول يا ليتبنى لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما أغنى عنى ماليه * هلك عنى سلطانيه * خذوه فغلوه ثم الحجيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه * إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين” ، فانظر إلى جريمته تجد أنها ذات شقين تقصير فى حق الخالق عز وجل “لا يؤمن بالله العظيم” وتقصير في حق المخلوق “ولا يحض على طعام المسكين”.

وفى سورة المدثر قال تعالى عن أهل النار: “ما سلككم في سقر * قالوا لم نكُ من المصلين * ولم نك نطعم المسكين” ، فقد كان من أسباب دخولهم النار أنهم جمعوا بين تقصيرهم في حق الله تعالى “لم نك من المصلين”، وتقصيرهم في حق المخلوقين “ولم نك نطعم المسكين”.

وأشار القرآن إلى أن إيذاء اليتيم وعدم الإهتمام بمشاكل المسكين هي مقدمات للتكذيب بيوم الحساب؛ يقول تعالى: “أرأيت الذى يكذب بالدين * فذلك الذى يدع اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين” ، كما أن القرءان أشار في حديثه عن صفات أصحاب الجنة أنهم اهتموا في الدنيا برعاية حقوق الله ورعاية حقوق المخلوقين معاً؛ فقال تعالى: “كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفى أموالهم حق للسائل والمحروم” ، وفى سورة السجدة “تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون” .

وتنبغي الإشارة إلى أن الإسلام لا يهتم بالجانب المادي فقط للإحسان، بل يهتم بالجانب المعنوي؛ كما قال تعالى: “قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غنى حليم” ، وأن الإساءة المعنوية تبطل ثواب الإحسان المادي؛ كما يقول تعالى “يا أيها اللذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى” . (البقرة 264)،

إنه الإسلام العظيم الذى يجعل كمال العبودية في الجمع بين الإحسان إلى الخالق والإحسان إلى المخلوق.

المصدر : يقظة فكر 

ما هو اليقين بالله ؟

المؤمن من يستشعر وجود الله تعالى معه في حياته كافة ، في فرحه و حزنه ، في شدته و رخائه ، لا يقصي الله من حياته ، يوقن حق اليقين بأن الله مدبر الأمور ، مسيّرها ، كل شيء في الكون يمشي بحكمة الله ، بأوامره ، بدقة و لهدف معين قد يعرفه الإنسان ، وقد يجهله و يبقى السبب في علم الغيب عند

مفهوم الموافقة والمخالفة في الفقه

• المفهوم لغة: اسم مفعول من فهِم، إذا فهِم وعقَل وعرَف؛ فالمفهوم هو المعقول المعلوم، وفي لسان العرب: الفهم معرفتُك الشيء بالقلب، فهِمه فهمًا[1]، واصطلاحًا عرَّفه ابن السُّبكي بقوله: (ما دلَّ عليه اللفظ لا في محل النطق)[2]، وعرَّفه الآمدي بقوله: (ما فُهِم من اللفظ في محل النطق)

الوسطية: مفهومًا ودلالة

لعلَّ من أصعب ما يعتري الباحثَ في علم المصطلحات - الوقوفَ على الدلالة الحقيقيَّة التي تحملها هذه المصطلحات، بعد استقراءِ مَوَاردها ومصادرها في مُختلف العلوم والمجالات، ولعلَّ مصطلح الوسطيَّة، قد اعتورته أقلامُ الباحثين بإسهاب، فلم يَسْلموا من هذا الاختلاف الذي تفرضه دلالةُ السيا