لماذا تذبل مواهب الدعاة؟

التاريخ: الجمعة 6 يوليو 2007 الساعة 12:00:00 صباحاً
لماذا تذبل مواهب الدعاة؟

 مصطفى عاشور

تواجه الدعوة الإسلامية في عصرنا الحالي حالة من الذبول في المواهب والضمور في القدرات، سواء في نفس الداعية، أو على مستوى الدعوة نفسها، أو في قدرة الدعاة والدعوة على استيعاب ذوي المواهب المتميزة، ودمجهم في صفها، والاستفادة من مواهبهم وتنميتها ووضعها في الطريق الصحيح، والتعامل معها بالأسلوب الأمثل، سواء في الاكتشاف أو التوظيف أو التنمية أو الاستيعاب والتوجيه.
 
فالمواهب هي منح إلهية ينطبق عليها قوله تعالى: "يزيد في الخلق ما يشاء" يتميز بها بعض الخلق عن بقيتهم، كما أن بعض هذه المواهب أشبه بالبذور القابلة للإنبات في نفوس بعض الناس إذا توافرت لها الظروف المناسبة، وقوبلت بالرعاية المطلوبة، ومن ثم فإن البعض يمتلك مواهب لم يكشف عنها؛ فهي كالمناجم التي لم يهتدِ إليها الباحثون.
 
نعمة ربانية تحتاج إلى الرعاية:
والموهبة باعتبارها زيادة في الخَلق لا يتمتع بها إلا القليل من الناس، ولها وجهان: أحدهما أنها عطية من الله تعالى، اختص بها بعض خلقه، أما الوجه الآخر فإن وجود العطية الإلهية لا يعني الاستغلال، وإنما تحتاج إلى صقل وجهد حتى تصفو، ويلمع بريقها، وإلا علاها الصدأ وغطاها الغبار؛ فالذهب الخام عند استخراجه من مناجمه لا يذهب بريقه بالأبصار، ولكن صهره وصقله جيدا وتخليصه من الشوائب يحقق له هذا البريق، فالموهبة أداة لتوصيل الفكرة وتدعيم الدعوة، والانطلاق بها من حيز الانفعال الخطابي الوعظي إلى حيز الانفعال الذي يتغلغل في أعماق النفس، ويوجه السلوك اعتمادا على خلق التصورات البعيدة التي لا يقوى على الوصول إليها إلا النادر من الناس.
 
وإن أخطر ما يواجه المواهب والقدرات في الحقل الدعوي أن تواجَه بنوعين من الأفكار، سماهما الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي: "الأفكار الميتة" التي لا تنتج أفعالا؛ أي الأفكار التي لا تفرق بين الحصى والذهب، و"الأفكار المميتة" التي تنتج أفعالا وتصورات ضد ما يتطلبه الواقع، وتخلق قيما مضادة للقيم الأصيلة، وتضفي هيبة وقداسة على أفكار بالية تفسد أكثر مما تصلح.

النبي صلى الله عليه وسلم راعي المواهب:
المتأمل في تاريخ الدعوة الإسلامية في بدايتها الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يلاحظ اهتماما نبويا بتوظيف المواهب والقدرات في مكانها الصحيح، بعد امتلاك القدرة على استيعابها وامتصاصها إلى محيط الدعوة الرحب وإطارها الفسيح، مهما كان جنوح هذه الموهبة أو شراستها أو حتى تفوقها وتفردها النادر؛ فكان الداعي الأول محمد صلى الله عليه وسلم يضبط توجيه الموهبة مع إضفاء البعد العقدي الإيماني على حركتها؛ حتى يستفيد المجتمع المسلم من موهبته، وليس من وجوده في الإطار الإسلامي فقط، مع إعطاء صاحب الموهبة أبعادا رسالية في إبرازه لموهبته في خدمة الإسلام ونصرته؛ فكانت المواهب تجد متنفسا صحيا لها في ظلال الإسلام، فتنتج إبداعا قل نظيره.

ومن المواهب التي تعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم موهبة الأدب والشعر، وكان الشعر في الجاهلية هو الأداة الأقوى في التأثير على الرأي العام، واستعمل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الموهبة التي تميز بها بعض أصحابه استعمالا كثيرا، فلم يُبقِ شاعرا إلا وقد استخرج كل ما عنده في نصرة الإسلام والرد على خصومه والإشادة بانتصاراته.
 
ومن هؤلاء حسان بن ثابت رضي الله عنه الذي عُرف بشاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي كان يمتلك موهبة نادرة وقريحة حاضرة، تستطيع أن تخرج من أحرج المواقف بأقوى الكلمات.

هذه الموهبة الفذة تعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم بما يليق بها، ووظفها في مكانها الصحيح؛ فكانت الموهبة إبداعا؛ ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "اهجُ قريشا؛ فإنه أشد عليها من رشق النبل"، فقال حسان: "قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه" (يقصد لسانه)، ثم قال: "والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم"، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحتَ عن الله ورسوله"، وفي رواية أخرى للبخاري: "اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك".
 
المواهب تتكامل:
ثم رأى النبي صلى الله عليه وسلم ضرورة التكامل بين المواهب لنصرة الإسلام، فأمر حسان الشاعر أن يجلس مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه النسابة حتى لا يخلط الشاعر الأنساب في هجائه، فيصيب النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه في شعره، فقال حسان: "والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين".
 
أما المواهب والقدرات العنيفة والظريفة والماكرة فتعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم بحكمة بالغة، ووظفها في المجال اللائق بها ولم يهدرها، ومن نماذج ذلك:
الصحابي عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه الذي كان فتاكا في الجاهلية؛ فأصبح بعد إسلامه رجل المهام الخاصة والعمليات الخطرة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله في سرية بمفرده، بل تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من قدرته على النجاة من المواقف المهلكة، وأخبره أنه ما أرسله مع جماعة إلا قُتلوا وعاد هو إليه.
 
أما الصحابي نعيم بن مسعود الغطفاني رضي الله عنه الذي أسلم أثناء غزوة الخندق وفي ظروف عصيبة على المسلمين، والذي لا شك أنه كان يمتلك دهاء ومكرا قل نظيره، واستفاد النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الموهبة في شق التحالف بين اليهود ومشركي مكة، واقترب هذا الرجل بالدهاء من أن يكون جيشا؛ لأن توظيف الموهبة في مكانها الصحيح وتوقيتها المناسب  قوة لا يستهان بها.
 
أما الموهبة الظريفة التي تحمل النبي صلى الله عليه وسلم بعض تجاوزاتها؛ فهي موهبة الصحابي نعيمان رضي الله عنه الذي كان يدخل السرور على نفس النبي صلى الله عليه وسلم بمواقفه الطريفة، والتي وصلت إلى حد بيع أحد الأحرار من المسلمين على أنه عبد، وذبْح جمل وتفريق لحمه، فتحمل النبي صلى الله عليه وسلم ثمنه ولم ينكر عليه.
 
الدعوة بين النمو والتكاثر:
إن الدعوة الإسلامية تحتاج إلى النمو بقدر حاجتها إلى التكاثر، تحتاج أن تبلغ مراحل متقدمة من النضج، وأن تكون مَعْلما في الحياة، وتعلو فوق التيارات الفكرية والثقافية والاجتماعية المنافسة؛ لأن امتلاك الحق لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على جعله واقعا في الحياة.
 
وما دمنا نعيش حياة الانفتاح الثقافي والحضاري فإن الدعوة تحتاج إلى ثقافة حضارية شاملة مع امتلاك الوسائل التي يمكن من خلالها توصيل مبادئ الحق والخير على الناس على اختلاف مشاربهم وأفكارهم، وهو ما يفرض على الدعوة الإسلامية أن تكون مجالا رحبا لإفراغ الطاقات واستيعاب المواهب، وأن تمتلك فقه الصعود للمعالي من خلال خطة معرفية ذات أبعاد حضارية.

وإذا كانت الفضائيات والمسرح والفنون والسينما والرياضة.. إلخ قد أصبحت حواس جديدة للبشرية تتلمس بها الأفكار، وتسترشد بها في حياتها؛ فإن الدعاة يحتاجون إلى أن يكون لهم نصيب وافر منها؛ لأن الداعية الذي يمتلك موهبة الكلام والقدرة على التعامل مع وسائل الإعلام يتجاوز تأثيره الحدود، ويخترق بما يمتلكه من الحق والمفاتيح (المواهب) القدرة على وضع هذا الحق في القلوب والسلوك بعد تحطيم هذه الأقفال التي عليها.

لماذا تذبل المواهب؟:
إن المواهب والقدرات مثل الجذور الجيدة، تحتاج إلى رعاية وعناية حتى لا تصاب بالضمور والتقزم، وربما تنقلب إلى مواهب ضارة في الحقل الدعوي.
 
ومن الأسباب التي تؤدي إلى ذبول المواهب في الدعوة وبين الدعاة:

1) ليست خطابة فقط:
وجود بعض الأفكار التي تقصر المواهب على الوعظ والخطابة فقط؛ فالموهبة عندهم لا تعدو أن تكون صوتا جهوريا، وقدرة على الانفعال والتأثير.
 
2) اجتهادات تحتاج لمراجعات:
وجود بعض الأفكار الطاردة للمواهب، استنادا إلى مقولات وأحكام اجتهادية تحتاج إلى مراجعة أو اجتهاد جديد يراعي متطلبات العصر، ومن ذلك الموقف من التمثيل والفنون المختلفة.
 
3) مفاهيم تربوية خاطئة:
وجود بعض الرؤى غير المنصفة لذوي المواهب في الحقل الدعوي، وفي التعامل معهم؛ فيرى البعض أن من حسن تربية بعض ذوي المواهب منع موهبته من الظهور، وعدم إعطائه الفرصة للتعبير عنها؛ حتى لا تصيبه أمراض النفوس من حب الشهرة والرياء!!
ويتناسى هؤلاء أن كبت المواهب بهذا الأسلوب هو كالعلاج الخاطئ الذي يصفه الطبيب للمريض؛ فضرره أكثر من نفعه.
 
4) الجهل بطبائع النفوس:
عدم إدراك بعض الدعاة لطبيعة النفس البشرية، وحاجتها إلى أن تتلقى الأفكار والتوجيه بغير الأسلوب التقليدي الوعظي، وحاجتها أيضا إلى الترويح والاستمتاع والتعبير عن نفسها وملكاتها من خلال الفنون والرياضة، سواء بالممارسة أو التذوق؛ وهو ما يؤدي إلى عدم وجود مساحات من الدعوة في بعض المناطق للمواهب.

5) النظرة الخاطئة للداعية:
إصرار الخطاب الثقافي المجتمعي العام على النظر إلى الداعية الإسلامي من خلال تصور جامد؛ فهو عندهم رجل مهيب، في ثياب بيضاء، صوته كالرعد، وكلامه كالجمر، يسوق الناس بصوته ومواعظه الملتهبة نحو الإيمان؛ وهو ما يخلق إطارا إجباريا لحركة الداعية؛ حتى لا يصطدم بتصورات الناس، وربما كبت بعض مواهبه وقصرها على حالة لا تتعداها.
 
6) عدم التعهد والرعاية:
قلة رعاية المواهب في الحقل الدعوي وعدم توفير مستلزمات صقل المواهب وتنميتها، من توفير احتياجاتها من أدوات أو تفرغ أو دعم مالي ومعنوي، والنظر إلى تكلفة رعاية الموهبة على أنه إنفاق بلا عائد!!
 
7) تطليق المواهب:
وجود بعض الإدراكات غير الصحيحة في أذهان بعض الموهوبين؛ إذ يظن البعض منهم أن دخولهم في حقل الدعوة الإسلامية يفرض عليهم إيقاع طلاق بائن بينهم وبين مواهبهم.
 
8) الاحتكار الإعلامي:
هناك بعض العناصر الخارجية التي تعيق نمو المواهب في الحقل الدعوي؛ أهمها إصرار أعداء الدعوة في الداخل والخارج على أن تكون عملية بزوغ المواهب ونموها وفرضها على الجميع احتكارا لهم لا يشاركهم فيها الدعاة المسلمون، ومن ذلك الإصرار على أن يكون التدفق الإعلامي من جانب واحد، وأن يكون المسلمون مستهلكين فقط وليسوا منتجين، وأن تركز الفنون المختلفة على العنف والشهوة، وليس المبادئ والأخلاق والقيم.

واجباتنا تجاه المواهب:
1- ضرورة وجود خطة إستراتيجية لرعاية المواهب، وجذبها إلى صفوف الإسلام، وهذا يتطلب عدم استنزاف الموهبة في مجالات خارج نطاق الموهبة؛ لأن هذا التوظيف الخاطئ يخلق مشكلة ذات وجهين، هما: ضمور الموهبة، وضعف الإنتاج في المجال الدعوي؛ فيصبح الداعية كَلا على دعوته.
 
2- ضرورة وجود خطة لاكتشاف المواهب والتنقيب عنها بين الصفوف، من خلال ما يسمى بـ"التربية من خلال الورطة"، أو "الاكتشاف من خلال الأزمة"؛ أي وضع بعض الأفراد على محكات مختلفة لاكتشاف المواهب الدفينة، وهذه المحكات المختلفة والمواقف المتعددة تكسر حواجز الحياء غير الحق في نفس الشاب المسلم، وتتيح له الفرص للتعبير عن مكنونات نفسه.
 
3- ضرورة التعامل في الإطار الدعوي مع بعض أصحاب المواهب من خلال الهدف، وليس من خلال أجندة عمل واجبة التنفيذ؛ لأن أصحاب المواهب قلما يحبون التقيد، ولديهم بعض الشطحات التي تحتاج إلى حكمة في التعامل معها وقبول وجودها، والقارئ لتاريخ العباقرة في الإنسانية يجد ذلك جليا؛ لأن الطاقة الموهوبة تفوق في بعض الأحيان القدرة على كبح جماحها؛ فتصدر بعض الأفعال والتصرفات غير المألوفة التي قد ينظر لها البعض نظرة غير منصفة.
 ___________________

عن شبكة إسلام أون لاين                               

 

بيان نصح مدينة الأحلام

نشأت في مدينتي أحضن الأحلام فتحت عيناي على طمي و طين في كل زاوية زعيم قبيلة يبحث له عن مكان بين العشيرة يعاقر الأنداد ينهش ضلوع بيت وهن في خلد فكره ، لا يهم أن يكسر العود الطري أو تزرع الأشواك في الطرقات ؛ كي يوقف السعي الحثيث لتحول المدينة لقرية صغيرة

أرافق الأمل

أساير الزمن، انتظر بريق أمل أتشوق لأرى القمر يشع نورا أتطلع أن يبزغ الفجر يحمل التباشير كنت أواعد الزمن المكلوم في غير يأس أو ضجور لعل الفجر يخرج من جنابته ألوان قوس قزح الذهبية ، أو يخرج لنا من بطون الحرائر من يحملون الورود أو تحمل الأقدار فتخرج لنا الأرحا

التماسك المجتمعي في الإسلام

إذا كانت الطبيعة تتأثر بتقلب المناخ لها انعكاسات خطيرة ، فإن بعض البشر يسايرون تقلبات المناخ ، لا يستقر لهم حال ثابت ، تقلب في المواقف ، نوبات حادة في المواقف عند الفشل ، طموح جامع يتجاوز أخلاق التعامل ، الخروج عن الإجماع التوافق و الفجور عند الاختلاف ، الجنوح للأساليب