ضَوابـطُ وأخـلاق التِجـارةِ والأسْواق

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 12 فبراير 2013 الساعة 12:00:00 صباحاً
ضَوابـطُ وأخـلاق التِجـارةِ والأسْواق

حسن السبيكي /خاص ينابيع تربوية

يقول الله تعالى : { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلآَّ أَن‏تَكُونَ تِجَارَة عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّه كَانَ بِكُمْ‏ رَحِيماً } (النساء 29)

     خلق الله الإنسان، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعا ، ليقتدر بذلك على أداء رسالة الاستخلاف في الأرض ، بإخلاص العبودية والعبادة لربه وإعمار الأرض بالصالحات وفعل الخيرات، وهيأ له كل مقومات حياته المعاشية ومجالات تحصيلها ووسائلها، التي اتسعت وتطورت مع الانسان عبر التاريخ 

     واذا كانت ميادين الكسب لتحصيل العيش والأرزاق كثيرة ، وطرقه ووسائله عديدة ومتنوعة ، فإن أوسعها وأغناها ، هي في التجارة التي ترتبط بها معظم أسباب الكسب والمعاش ، حتى ورد في الأثر عن النبوي أن ( تسعة أعشار الرزق في التجارة ) . ولا غرابة ، فان معظم أنشطة الانسان الاجتماعية في ميادين الفلاحة والصناعة و غيرها تنتهي بمنتوجاتها الى أسواق التجارة، وينخرط الناس جميعا في أجوائها بالبيع والشراء . بل تعد التجارة أشرف طرق الكسب وأفضلها ، لما يتحقق خلالها من الاتصال والتواصل والتعارف بين الناس وتبادل المصالح و المنافع . ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي الكسب أفضل؟ فقال: ( عمل الرَّجل بيده ، وكلِّ بيـعٍ مبرورٍ ) ( صحيح التَّرغيب).

    وقد امتن الله تعالى على قريش في تجارة الشتاء والصيف فقال: { إِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيِلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ } (قريش 1ـ4). وحسبكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاجر في مال زوجته خديجة (ض) ، وأن معظم الصحابة كانوا أهل تجارة . و الاسلام يقر التجارة ويرغب فيها، بشرط الا تكون فاتنة لاهية عن الصلاة { فإذا قضيت الصلاةُ فانتشِروا في الأرضِ وابتغُوا منْ فضلِ اللهِ واذْكرُوا اللهَ كَثيراً لَعَلَكُمْ تُفْلِحُونَ } (الجمعة 10). بل قرن القرآن بين درجة المجاهدين في سبيل الله والمكتسبين المال الحلال عن طريق التِّجارة وذلك في قول الله تعالى:{ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ( المزمل: 20). وقال ابن عمر (رض): " ما خلق الله موتةً أموتها بعد الموت في سبيل الله أحبَّ إليَّ من الموت بين شعبتي رحلي، أبتغي من فضل الله ضاربًا في الأرض "( تفسير القرطبي).

   لكن الإسلام لم يترك ميادين التجارة للأهواء والنزعات والأطماع ، بغير ضوابط شرعية ، إيمانية وخلقية ، كما في سائر شؤون الحياة ،بل قرر من ذلك كل ما تستقيم به التجارة بمختلف عملياتها ومعاملاتها على الحق والعدل والإحسان ، بغير ضرر ولا ضرار ، ولا بغي ولا احتكار ، لتكون العلاقات التجارية بين المسلمين محكومة بالصدق و النزاهة والعفة وإرادة الخير للناس والمجتمع.

  ولما كانت التجارة ميدانا فسيحا ومغريا للسعي في الكسب وإنماء المال ، فإنها أشد ميادين الاختبار أمام شهوة المال واغراءات الأرباح ، التي تتأجج لها دوافع النفس الأمارة بالأطماع والجشع ، وتحضر معها غواية الشيطان بالتحريض والفتنة، فلا يثبت أمامها الا من ثبته الله من أهل التقوى والورع والاستقامة الذين وصفهم القرآن: { رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ } (النور 37). و انما يفتتن بالتجارة من لا يقدر نعمة الله فيها ، ولا يلتزم حدودها الشرعية وضوابطها العقلية والخلقية في البيع والشراء ، والأخذ والعطاء .

   فالمال المطلوب للحياة الطيبة والعيش الكريم لابد ان يكون بالسعي الحميد المشروع والكسب الطيب العفيف الذي ليس فيه تعطيل الواجبات ولا اغتصاب لحقوق العباد ولا ظلم ولا اذاية .. وفيه قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( نِعمَ المالُ الصالحُ للرجل الصالح ) . وأما المال المطلوب بدوافع  الطمع والجشع استكثارا واكتنازا ، أو للمفاخرة والعلو والطغيان ، فأصحابه لا يتورعون أن يركبوا اليه كل طريق وكل وسيلة وحيلة ، دون وازع من دين ولا خلق ولا ضمير، لا يعنيهم الفرق بين طيب وخبيث ولا بين حلال وحرام ، لأن الحلال عندهم هو ما حل بأيديهم فحسب ولا يبالون بنهي ولا وعيد :{ ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ }.

  ومن المؤسف أن تجد بين أصحاب التجارة ، كبيرها أو صغيرها، من استعبدهم جشع المال والأرباح ، فهاموا على وجوههم ، لا تعنيهم ضوابط ولا قيود ولا حدود، حتى غلظت طباعهم وقست قلوبهم وماتت ضمائرهم، فأقفرت معاملاتهم من كل وازع او خشية لله. وهي الحال التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بين فتن آخر الزمان :(يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ) (البخاري). وقد تستبد مشاغل التجارة واغراءاتها ببعضهم فتنسيهم ذكر الله، فاذاهم لا يذكرون الا الدرهم والدينار والدولار وألوان الصفقات والمضاربات، فكيف يذكرون الجنة والنار. فمنهم من يحتكر ، و من يرابي ، ومن يغش ويطفف ويدلس. يلهثون وراء أرباح الدنيا بغير ضوابط ايمانية ولا اخلاقية ، غافلين جاهلين بأنهم على خسران الدين والآخرة{ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.}(المنافقون 9) وقد تجد من يفرقون بين الدين والدنيا ، فاذا هم على الطاعة في العبادات الصرف ، مقبلين على المساجد ، لكنهم في الاسواق أحرار ، لا تعنيهم أحكام دينهم ، فلا يتورعون عن خرق حدود الله ليأكلوا أموال الناس بالباطل ، قائدهم الجشع والاستكثار بغير حدود ولا قيود، كما قال عليه الصلاة والسلام : ( لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم الا التراب،ويتوب الله على من تاب ) (متفق عليه).

   ولقد بين الاسلام وجوه الحلال ومكاسبه ، وحقائق الحرام ومواطنه، وفصل كل ذلك بين القرآن الكريم والسنة النبوية { وكلَ شيءٍ فَصلناهُ تَفْصيلاً } وفي الحديث الصحيح (إِنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُوْرٌ مُشْتَبِهَات لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاس،ِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرأَ لِدِيْنِهِ وعِرْضِه، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ ) (الشيخان). ليمضي المسلمون في معاملاتهم التجارية ، بيعا وشراء ، على مراعاة موازين الحق والعدل والاحسان ، فتستقيم لهم الحياة الطيبة .

   وكانت التجارة بجميع أشكالها و معاملاتها محكومة بأحكام وقواعد وأخلاق ضابطة، مستمدة من كتاب الله تعالى و سنَّة رسوله، ومن سير الصَّحابة والسَّلف في تعاملهم التَّجاري، وعليها تقوم أجواء الثقة والتفاهم والتراضي وحسن التفاعل في المعاملات التجارية والتداولية جميعا، فيجب على المسلم علمها والعمل ، ومنها ما يلي:

   ـ أن يعلم أن المال مال الله تعالى ،وأنه نعمة وانما هو مستخلف فيه بشرع الله ، لا بأهواء النفس وأطماعها وشهواتها ، لا فضل له فيه الا بالسعي النزيه وبذل الاسباب والكسب المشروع : { وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } (النور : 33 )، { وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ }(الحديد : 7 ). وأن من مقاصد المتاجرة وكسب المال ، هو عفة النفس والاستعانة به على طاعة الله وأداء الواجبات ، وصيانة العرض والكرامة، في النفس والأهل والأمة والوطن ، لا من أجل التكاثر والتفاخر والتجبر.

                       أصون عرضي بمالي لا أدنسه       لا بارك الله دون العرض في المـال

   ـ  واجب التفقه في أمور البيوع والمعاملات التجارية مثل غيرها من شؤون الحياة كلها (من يُردِ اللهُ به خيراْ يُفقهْهَ في الدينِ ). فعلى كل مسلم مقبل على أية معاملة تجارية ، أن يسأل و يتحرى حتى يكون على بينة من سلامة تصرفه شرعا ، ويتجنب المعاملات المحرمة والمتاجرة فيما هو محرم ، ويكسب كسبا حلالا يرضي الله تعالى ، سواء كان في تصريف بضاعة أو اقتنائها ، أو في شراكة أو مشروع أو استثمار أو وساطة أو غيرها. وفي ذلك قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : "التاجر إذا لم يكن فقيهاً ارتطم في الربا، ثم ارتطم، ثم ارتطم". يعني غرق فيه. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "من لم يتفقَّه في الدين فلا يتَّجِرَنَّ في أسواقنا" . .

-  إخلاص النِّيَّة بسلامة القصد ، وذلك منطلق جميع الاعمال المشروعة في الاسلام ، كما قرر النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنَّما الأعمال بالنِّيَّات، وإنَّما لكلّ امرئٍ ما نوى )(صحيح البخاري ). فعلى من يتعامل تجاريا أن يصحح بالنية الحسنة قصده ،مبتغيا سبيل الكسب الحلال بما يرضي الهب. فإنَّ النِّيَّة الصَّالحة تحول العادة إلى عبادة، ويكون صاحبها مأجورا بالربح المادي المبارك ، كما يؤجر بثواب التاجر الصدوق الأمين كما سيأتي . وبذلك يكون في التجارة الرابحة مع الله تعالى كما سبق الذكر .

    ـ التزام الصدق والأمانة ، وكلاهما محمود ومطلوب في كل شيء ، لكنهما مرغوبان أكثر في التجارة ، لأن الميدان شديد الفتن ، لا يصمد فيه ويثبت على الصدق والأمانة الا أهل العزائم ، خشية لله تعالى، وانضباطا بأوامره ونواهيه. وذلك هو الرأسمال الحقيقي في العلاقات التجارية ،و مناط البركة والتوفيق ، وعنصر الدعاية المقنعة والفاعلة في كسب ثقة الزبناء . وكلنا نبحث عن التاجر الأمين ونقبل عليه مطمئنين ، ونمارس له الدعاية تلقائيا . ولهذا كان جزاء الصادق في تجارته عظيما  لقول النبي الأمين: ( التاجرُ الصَدوقُ الأمينُ ، مع النبيئين والصديقين والشهداء ) (الترمذي) . فحين يحضر خلق الصدق والأمانة في المعاملات التجارية ، تكون الثقة بين أطرافها ، ويبارك الله لهم الكسب ويفتح أبواب التيسير . ذلك ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام فقال : ( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا ، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ) (متفق عليه) .

   ـ تحَري المعاملة بالحسنى ، وذلك مبدأ اسلامي رفيع ، مطلوب في كل الأقوال والافعال ،لأن الله تعالى كتب الاحسان في كل شيئ . ومعلوم بشهادة الواقع ما للاحسان في المعاملات التجارية وغيرها من آثار ايجابية، نفسية وسلوكية طيبة، تبعث على الثقة و الطمأنينة والرضا بين أطراف المعاملة. وحسبكم ان الرسول صلى الله عليه وسلم اثنى على التاجر السمح الكريم فقال: ( رحمَ الله عبداً سمحاً اذا باعَ ، سمحاً اذا اشترى ، سمحاً اذا اقتضى ) (رواه مسلم)، ودعاء الرَّسول حريٌّ بالقبول ، وذلك للذي يعامل الناس بالمودة واللطف والتسامح ويتجنب خشونة المعاملة بالعناد و المشاحة والتَّضييق . وعن أبي هريرة (ض) ان النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن( رجل اشترى من رجل آخر عقاراً ، فوجد فيه جرةً فيها ذهب، فقال للذي اشترى منه العقار: خذ ذهبك مني، فإنما اشتريت منك الأرض وحدها، ولم أبتع منك الذهب، فقال الآخر، إنما بعتك الأرض وما فيها . فتحاكما إلى رجل، فقال: ألكما ولدٌ، قال أحدهما: لي غلامٌ، وقال الآخر: لي جارية، قال: أنكحا الغلام الجارية، وأنفقا عليهما منه، وتصدقا ) فتأمل ثمار حسن المعاملة في المتاجرة بالصدق والأمانة من الطرفين، وقد قرب ذلك بينهما حتى أصبحا متصاهرين.

    ـ اجتناب كل مظاهر الغش والمكر في البضائع والمعاملات ، وهي حالات لا تحصى ، وأساسها هو استغفال الزبون المشتري وخداعه . وفي مثل ذلك ورد الحديث النبوي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ ـ في السوق ـ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ ثُمَّ قَالَ: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا ) (رواه مسلم وغيره).

   ـ  اجتناب التطفيف في المكيال والميزان ، وهو الغش بالإستزادة عند الشراء ، والتنقيص عند البيع، وذلك ظلم واستحلال لحق الغير . وفيه سورة من القرآن الكريم ، توعد الله فيها المطففين بالعذاب الأليم يوم القيامة ، وهل ينفعهم التطفيف مع هذا الوعيد بشيء في دنياهم :{ وَيلٌ للمُطَفِفينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } (المطففين). ولانتشار ظواهر النقص في المكيال والميزان مغبتها باستحقاق عقوبات القحط واضطراب الاحوال الاقتصادية والسياسية والمعاشية ، كما في حديث خمس بخمس ومنه:(.. وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ) (ابن ماجه) .

    ـ عدم المتاجرة في المحرمات:  فكل ما حرَّمته شريعة الله ، فتداوله بالبيع والشراء والاقتناء حرام ، كتجارة الخمور و المخدرات والسجائر و الخنازير و الأصنام والتَّماثيل والألبسة الماجنة والبضائع المسروقة ، و الأفلام الخليعة أو الصُّحف والمجلات الّتي تنشر الفحشاء ،ونحو ذلك ممَّا يحرِّم الإسلام تناوله أو تداوله أو الانتفاع به بيعا و شراء. وكلّ كسبٍ تحصل منها فهو سحتٌ خبيثٌ ، وكلّ لحمٍ نبت من السُّحت فالنَّار أولى به. والنبي الكريم يقول: ( إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنه )( غاية المرام). وقال أيضا: ( لا يحلُ لأحدٍ يبيع بيعًا إلا بيَّن ما فيه و لا يحلُّ لمن يعلم ذلك إلا بيَّنه ) (غاية المرام).

   ـ  اتقاء المعاملات التجارية الربوية ، وقد أصبحت اليوم أكثر انتشارا ، وداخلتها كثير من أساليب التمويه والتدليس على الناس ليقعوا فيها من حيث لا يشعرون ، وتبنتها عديد من المؤسسات التجارية والمالية، سيرا على تبعية الانظمة الاقتصادية الغربية الرأسمالية . أما الاسلام فحكمه في الربا بكل أشكاله وأحواله صريح صارم في تحريمه والتفريق بينه وبين التجارة المشروعة كقوله تعالى :{ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (البقرة275) ،و قوله سبحانه :{ يأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أموالِكُمْ لا تَظلِمونَ ولا تُظلَمونَ } (البقرة 278..).

   ـ تجنب الحَلِف في المتاجرة ، سواء من البائـع او المشتري سواء ، لأن ذلك مذموم ووخيم العواقب على الايمان والكسب والعيش جميعا. وقد يعتاده التاجر حتى يصبح لازمة تسويغ و تسويق بضاعته ولو كان كاذبا. وفي ذلك نهي ووعيد ،لقوله تعالى :{ واحفَظوا أيْمانَكم } وقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ ) (مسلم ) وفي حديث أخر متفق عليه ( الحلف منَفِقة للسلعة ، مُمْحِقة للكسب ). فالمتاجر الذي هان الله على لسانه بكثرة الحلف، فلا ينفق سلعته الا بالأيمان ،قد عَده النبي الأمين من الثلاثة الذين لا ينظر الله اليهم يوم القيامة:(.. و رجل جعل اللهَ بضاعتَه؛ لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه)(صححه الألباني ).

فاتقوا الله ، عباد الله ، وتفقهوا في دينكم ، وفي فقه البيوع والتجارة ، فان الميدان شديد الابتلاء والاختبار ، كثير الاغراءات والفتن ، والعاقل من يدخله على علم وبصيرة ، منضبطا بقواعد دينه وأخلاقه وآدابه ، معتصما بالله تعالى، وملتزما ضوابط العدل والاحسان بائعا أو مبتاعا ، والله يحب المحسنين .                                    

  الخطبـــة الثانيـــة

يقول الله تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام : { وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ . بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }(هود 11).

       أيها المسلمون ، كلنا نعيش بالضرورة على نصيب قليل أو كثير من المعاملات التجارية ، وكلنا يعنينا أمر الموازين والمكاييل في دنيا البيع والشراء ، فأولى بنا وأجدر ان نحسب الحساب لموازين يوم القيامة، فان الدنيا فانية ، وليس بعدها الا الفوز بالرضا والرضوان ، أو الحسرة والخسران . فالقرآن الكريم يضعنا بين ماضي مصير قوم شعيب الذين نالهم عذاب الدنيا قبل الاخرة بسبب تحديهم واصرارهم على الجور والاستهتار في المعاملات التجارية:{ أصَلواتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيد }، وفي مصابهم عبرة وموعظة لأولي الالباب ،وبين ما ينتظرنا من موازين يوم القيامة :{ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ }. [الأنبياء:47) فلنتذكر هذا المشهد المهيب، ولنعمل بقواعد شرع الله في أسواقنا ومعاملاتنا جميعا ، فذلك طريق النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة ، والا فان الوعيد شديد على كل من تنكر او فجر كما أخبر الصادق الأمين :( ان التجارَ يُبعَثونَ يومَ القيامةِ فُجاراً ، إلا مَنِ اتقَى و بَر وصَدَقَ ) (رواه الترمذي وغيره). ولابد من التذكير بأمرين مهمين من في علاقتنا بالمال والاسواق التجارية هما :

ـ إخراج الزكوات الواجبة والصدقات المندوبة ، ومعلوم أن الزكاة فريضة ،واجبة في كل مال بلغ النصاب بقواعد معلومة. ومن مصلحة التاجر لدينه ودنياه وآخرته، أن يراعي في أموال تجارته أمر الله تعالى وحقوق الفقراء والمساكين ، وذلك له طاعة و عبادة ، ومباركة لماله وتزكية وحماية : { وَالَّذِينَ فِىۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ } ( المعارج 24..). ولآن الاسواق فتانة مغرية بالاثم ، فان الصدقة تطفئ الخطيئة ، والتاجر مدعو الى المسارعة في اعمال البر بالصدقات . فعن قيس بن أبر غرزة (رض) قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم- ونحن -في السُّوق- نسمي السَّماسرة فقال ( يا معشرَ التُّجار ! إنَّ الشَّيطانَ والإثمَ يحضُران البيعَ فشُوبوا بيعَكم بالصَّدقة ) ( أخرجه التِّرمذي 1208 ).

  ـ عدم الغفلة ذكر الله في أجواء الاسواق التجارية ومفاتنها ، فهي في اشد ميادين الحياة ابتلاء واختبارا ، وأكثر الناس تلهيهم شهوة المال والارباح عن ذكر الله . لذلك كان ثواب الذاكرين في الاسواق عظيما ومضاعفا. فعن عمر بن الخطاب (ض) أنَّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال:  ( من دخل السُّوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت بيده الخير وهو على كل شيءٍ قديرٍ كتب الله له ألف ألف حسنةٍ ومحا عنه ألف ألف سيِّئةٍ ورفع له ألف ألف درجةٍ) رواه التِّرمذي 3428 وحسَّنه الألباني.

  فمن التزم الحدود الشرعية، والضوابط والاخلاق، فهو على ميثاق العهد مع الله تعالى ومع الناس، بائعا كان او مشتريا. وفي ذلك عمل صالح وفعل عبادة بالتزام حدود الله تعالى . ومن تنكر وسلك مسالك الغش والخداع والتدليس، فهو على الخيانة لله ورسوله قبل ان تكون خيانة لمن يعامل من الناس:

 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (الانفال 27).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

(2) بناء العقل بالفهم

الحمدُ للهِ الذي أشمخَ الرواسي وبسطَ السهولَ ، ووهبَ لنا الألبابَ والعقولَ ، أحمدُهُ حمداً يليقُ بعظمتِهِ وجلالِهِ ، وينبغي لعزتِهِ وكمالِهِ ،و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ميَّزَنا بالعقل والفهم، وندب أصحاب العقول إلى إعمال عقولهم، وحثهم على التفكر في المخلوقات التي

احفظوا الله بطاعته يحفظكم في دنياكم وأخراكم

كان العبد الصالح أبو الطيب الطبري رحمه الله، قد جاوز المائة من السنين، وهو متمتع بعقله وقوته، وكافة حواسِّه، حتى أنه سافر ذات مرة مع رفقة له، فلما اقتربت السفينة من الشاطئ، وثب منها إلى الأرض وثبةً شديدة، عجز عنها بقية الذين كانوا معه على السفينة، فاستغرب بعضهم هذه القوة الجسدية

أسباب النجاة من الفتن

الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب ا