عشر ذي الحجة .. واغتنام مواسم الخيرات

التاريخ: السبت 13 اكتوبر 2012 الساعة 12:00:00 صباحاً
عشر ذي الحجة .. واغتنام مواسم الخيرات

اتفقت كلمة العقلاء والعلماء على أن الليل والنهار يحملان العبد إلى أجله، وأن من كانت مطيته الليل والنهار سير به وإن لم يسر، فالأيام مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة، حتى يُنتهى بهم إلى آخر سفرهم، والسعيد من اغتنم خيرها، والبعيد من حرم استغلالها، وفرّط في حق نفسه وربه بتضييعها، ولم يقدِّم لنفسه زادًا.. وانقطاع السفر عن قريب، والأمر عاجل وكأنّي به قد بغتك.

لقد جعل الله الليل والنهار خلفةً يتبع بعضهما بعضًا ويخلف أحدهما الآخر؛ ليكون في كل واحدٍ من صاحبه وسابقه مستعتب، فمن عجز عن السابق عمل في اللاحق {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62].

على أن أيام الله ليست كلها عند الله سواسية، بل فضّل بحكمته بعضها على بعض، واختار بعضها من بعض، فلله خواص من الأزمنة والأمكنة والأشخاص؛ {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68].

وقد اختار الله من الأيام أيامًا جعلها مواسم خيرات، وأيام عبادات، وأوقات قربات، وهي بين أيام السنة كالنفحات، والرشيد السعيد من تعرّض لها، ونهل من خيرها، كما جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عند الطبراني بسند حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله؛ فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده» (حسنه الألباني في الصحيحة).

ومن هذه المواسم النيرات، والنفحات المباركات، أيام العشر الأول من ذي الحجة الحرام، فقد اختارها الله على ما سواها، ورفع شأنها واجتباها، وجعل ثواب العمل فيها غير ثوابه فيما دونها، إضافة إلى ما خصها الله به من أعمال فريضة الحج التي لا تكون في غيرها.

فضائل عشر ذي الحجة

فمن مظاهر هذه الاختيار وذلكم التكريم والتعظيم:

- إقسام الله تعالى بها في كتابه: والله لا يقسم في كتابه إلا بعظيم، قال تعالى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر:1، 2]. قال ابن كثير -رحمه الله-: المراد بها عشر ذي الحجة. كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغيرهم، ورواه الإمام البخاري.

- وهي الأيام المعلومات في قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28]. قال ابن عباس: أيام العشر. كما في تفسير ابن كثير.

- اشتمالها على أعمال الحج: الذي هو من أفضل الأعمال وأعظمها أجرًا؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله». قال: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قال: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» (متفق عليه).

- وجود يوم عرفة فيها: وهو اليوم الذي يباهي الله بأهل الموقف ملائكته؛ ففي الحديث: «إن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاءوني شعثًا غبرًا من كل فج عميق، يرجون رحمتي ويخافون عذابي» (رواه الطبراني عن ابن عمر وحسنه الألباني).. هذا مع ما فيه من مغفرة الذنوب للعباد، وبسط يد الرحمة والعفو والتوبة. وما جعل الله للصائم فيه من مغفرة ذنوب سنتين جميعًا.

- وفيها يوم الحج الأكبر: الذي هو خير أيام الدنيا على الإطلاق، وهو أعظم الأيام حرمة عند الله تعالى.. فقد روى الترمذي والنسائي والبيهقي عن عمرو بن الأحوص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم النحر: «أيها الناس، أي يوم أحرم؟ أي يوم أحرم؟ أي يوم أحرم؟» قالوا: يوم الحج الأكبر. قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا...» (الحديث).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "خير الأيام عند الله يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر". كما في سنن أبي داود عنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القرّ». ويوم القر هو يوم الاستقرار في منى، وهو اليوم الحادي عشر. وأكثر الناس يغفل عن فضيلة هذا اليوم.

- وفيها أيام منى: التي هي أيام رمي الجمار، وهي عيد أهل الإسلام، وأيام أكل وشرب وذكر لله تعالى.

ثم ما فيها من الأضاحي والتزام أمر الله وإحياء سنن المرسلين محمد وإبراهيم عليهما أزكى الصلوات والتسليم.

ولما كانت أيام العشر تحوي كل هذه الفضائل قدمها بعض أهل العلم في الفضل على أيام العشر الأواخر من رمضان، وقد فصّل شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا تفصيلاً صافيًا وأورد كلامًا شافيًا كافيًا فقال: "الأيام العشر الأول من ذي الحجة خير من أيام العشر الأواخر من رمضان، وليالي العشر الأواخر من رمضان خير من ليالي العشر الأوائل من ذي الحجة".

وقال ابن حجر في الفتح: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره".

فضل العمل في عشر ذي الحجة

أما عن فضل العمل في أيام العشر، فقد روى البخاري وغيره عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام» يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء».

وعند الإمام البيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى...» (قال الألباني: سنده جيد).

وروى الطبراني في معجمه الكبير بإسناد جيد: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير».

ما يستحب من العبادات في أيام العشر

1- الحج:

إن من أفضل ما يعمل في هذه العشر حج بيت الله الحرم، فمن وفقه الله تعالى لحج بيته وقام بأداء نسكه على الوجه المطلوب، فله نصيب -إن شاء الله- من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (متفق عليه).

2- الصيام:

فيسنّ للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حثّ على العمل الصالح في أيام العشر، والصيام من أفضل الأعمال. وقد اصطفاه الله تعالى لنفسه كما في الحديث القدسي: «كل عمل بني آدم له إلا الصيام فإنّه لي وأنا أجزي به» (البخاري).

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة. فعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر؛ أول اثنين من الشهر وخميسين» (النسائي وأبو داود وصححه الألباني).

3- صوم يوم عرفة لغير الحاج:

وهو وإن كان من أيام التسع إلا أننا خصصناه بالذكر تنبيهًا على فضله؛ ففيه زيادة أجر ورجحان مثوبة.. فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ -رضي الله عنه- أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ" (أخرجه مسلم). فلا يفوتنك أخي المؤمن هذا الأجر العظيم.

4- الأضحية يوم العيد:

فعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» (متفق عليه). والصفحة هي جانب العنق.. والسّنّة أن يشهد المضحي أضحيته، وأن يباشرها بنفسه، وأن يأكل منها شيئًا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وإن وكَّل غيره كالجمعيات والهيئات الخيرية جاز، ولو كانت خارج البلاد.. وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة أو البقرة عن سبعة.

5- الإكثار من التحميد والتهليل والتكبير:

فيسن التكبير والتحميد والتهليل والتسبيح أيام العشر وسائر أنواع الذكر. والجهر بذلك في المساجد والمنازل والطرقات وكل موضع يجوز فيه ذكر الله إظهارًا للعبادة، وإعلانًا بتعظيم الله تعالى. ويجهر به الرجال وتخفيه المرأة؛ قال الله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28]. والجمهور على أنها أيام العشر، كما ذكرنا عن ابن عباس وغيره.

وفي المسند عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» (وصحّح إسناده العلامة أحمد شاكر).

والتكبير في هذا الزمان صار من السنن المهجورة ولا سيما في أول العشر، فلا تكاد تسمعه إلا من القليل، فينبغي الجهر به إحياءً للسنة وتذكيرًا للغافلين، وقد ثبت أن ابن عمر وأبا هريرة -رضي الله عنهما- كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.

6- التكبير دبر الصلوات:

وهذا أيضًا مما يسن في هذه الأيام ومن صالح العمل فيها، ويبدأ من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وهو الثالث عشر من ذي الحجة. فعن شقيق بن سلمة -رحمه الله- قال: "كان علي رضي الله عنه يكبر بعد صلاة الفجر غداة عرفة ثم لا يقطع حتى يصلي الإمام من آخر أيام التشريق ثم يكبر بعد العصر" (أخرجه ابن المنذر والبيهقي، وصححه النووي وابن حجر). وثبت مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما.

قال ابن تيمية: "أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة: أن يكبر من فجر عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة.. " (مجموع الفتاوى 24/20). وقال ابن حجر: "وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود: إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى. أخرجه ابن المنذر وغيره والله أعلم" (الفتح 2/536).

أما صيغة التكبير:

أ- الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر كبيرًا.

ب- الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. والله أكبر. الله أكبر ولله الحمد.

جـ- الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. والله أكبر. الله أكبر. الله أكبر ولله الحمد.

وهذه الصيغ ذكرها كلها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.. وقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح أثر ابن مسعود رضي الله عنه: "أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد".

7- سائر أعمال البر:

كالصدقات ونوافل الصلوات، وصلة الأرحام، ومراعاة الأيتام، وكل عمل صالح سواها، فهي كلها داخلة في العمل الصالح الذي هو في هذا الشهر أفضل من غيره.

فلنبادر باغتنام تلك الأيام العشر الفاضلة، قبل أن يندم المفرّط على ما فعل، وقبل أن يسأل الرّجعة فلا يُجاب إلى ما سأل.

نسأل الله أن يديم علينا أيام النعم، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موقع إسلام ويب.

الإيمان والتفاؤل

يُخطئ من يظن أن الإيمان فقط داخل دور العبادة ، أو أنه مجرد شعائر تؤدي ، وصلوات تُقام ، إن الإيمان مع الإنسان في كل شيء في حياته، وهو القوة الحقيقية التي تزيد من عطائه في كل نواحي الحياة ، في بيته ، في عمله ، في مذاكرته. بل إن الإيمان يأتي كقوة خارقة تكمن في داخل الإنسان ، وتظهر

طمأنينة الإيمان: قوة دافعة للعمل

طمأنينة الإيمان: قوة دافعة للعمل بروح مفعمة باليقين والمحبة طمأنينة الإيمان ليست طمأنينة رهبنة واعتزال للحياة و عزوف عن مكابدة مشقاتها، ولكنها طمأنينة الثقة بالله والتوكل عليه والإحساس يمعيته والإقبال على الحياة بقلب باسم وعزيمة تستمد قوتها من واهب القوة وخالق الكون، وتستند على

إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسراً

لا نجاح حقيقي يأتي على طبق من ذهب وبدون مكابدة الصعاب واحتمال المكاره والمثابرة مع المصابرة والمجاهدة مع الاجتهاد في إعمال الذهن للحصول على الفهم العميق للواقع والتخطيط السليم لتحقيق الأهداف. فالعسر الذي الذي نتحمله في بذل الجهد مقرون باليسر الناتج عن تحقيق الهدف" فإن مع العسر