أضواء على مفهوم النصر

التاريخ: الأربعاء 27 يونيو 2012 الساعة 12:00:00 صباحاً
أضواء على مفهوم النصر

د. وصفي عاشور أبو زيد

  أنى اتجهت إلى مكان في مصر، أو ركبت أي وسيلة مواصلات تسمع أدعية مؤثرة من عموم الناس، فالكل يسأل الله تعالى ألا يخذلنا في مصر، وألا يخذل مصر فينا، وألا يضيع دماء الشهداء، ولا آلام الجرحى، وأن يرحم دموع أمهات الشهداء، ويشفي صدورهم وصدور قوم مؤمنين، وأن ينصر ثورة مصر، ويحفظ ثوارها الحقيقيين من سراق الثورات.

نعم سراق الثورات الذين يسرقونها في غيبة أهلها أو غفلتهم على ما قال داعيتنا الكبير الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله تعالى (الحق المر: 1/ 57-58): "سمعت قائلاً يردد في ألم : نحن متفرقون على حقنا، وهم مجتمعون على باطلهم! فقلت له: ما أحسب المتفرقين على حقهم أصحاب حق، فطبيعة الحق أن يجمع أهله! إن أعداداً كبيرة من السائرين تحت لواء الحق تكمن في بواطنهم أباطيل كثيرة، فهم يحتشدون بأجسامهم فقط تحت رايته، ويبدو أن المآرب الكثيرة، والأغراض المختلفة، تجعل لكل منهم وجهة هو موليها، وذاك في نظري ما جعل ثورات عديدة تسرق من أصحابها، ويسير بها الشطار إلى غاية أخرى! حتى قيل: الثورات يرسمها المثاليون وينفذها الفدائيون ويرثها المرتزقة!! ترى لو كان المثاليون والفدائيون على قلب رجل واحد في الإيثار والتجدد أكان يبقى للمرتزقة موضع قدم؟. إن أخطاء خفية، نستخف بها عادة، هي التي تنتهي بذلك المصير!".

    لكنني سألت نفسي: إذا كنتَ تدعو الله أن ينصر مصر وينصر ثورتها فما معنى النصر؟ هل النصر هو حصد مقاعد في مجلس الشعب أو مجلس الشورى، أم يكمن في تولي مناصب تنفيذية بما فيها الفوز بمنصب الرئاسة؟.

    وعدتُ إلى القرآن الكريم في حديثه عن الهجرة النبوية الشريفة من سورة التوبة في قوله تعالى: "إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" التوبة:40. وتأملت قوله تعالى: "فقد نصره الله إذ أخرجه...إذ هما في الغار...إذ يقول لصاحبه". و"إذ" هنا ظرفية، يعني نصره الله حين كان في الغار، وحين كان ثاني اثنين، وحين قال لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، وفي هذه الحالات لا يبدو لنا نصر ولا ظهور ولا سيادة، وهذا ما يدعو لإعادة النظر في مفهوم النصر الذي يظنه الكثيرون حصد المناصب أو الفوز بالمقاعد ونحو ذلك.

    إن النصر الحقيقي هو الثبات على العقيدة، والتمسك بالأخلاق والقيم والمثل، والثبات على الفكرة والتضحية من أجلها بكل غال ورخيص، ورفض المساومة عليها، وإصلاح النفس وتهذيبها، وعدم التخلي عن العقيدة أو الفكرة، وهذا ما كان عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حال مطاردة الكافرين له في الهجرة "إذ هما في الغار" فرغم أنه مطارد وداخل الغار، لكنه ثابت على العقيدة، لم يتخل عنها، متمسك بالقيم والأخلاق والمثل، "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا" فهو مؤمن حق الإيمان، ويذكّر صاحبه بهذه الحقيقة الكبيرة؛ حقيقة المعية الإلهية والعناية الربانية، التي ما تذكرها عبد بحق وآمن بها بصدق إلا أنزل الله عليه الفرج ونفس عنه الكرب، ولهذا كانت النتيجة الطبيعية: "فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".

    إن سمية رضي الله عنها، وآل ياسر جميعا كانوا منتصرين بثباتهم، وبلالا في بطحاء مكة كان منتصراً، والصحابة المطاردين في الحبشة والمعذبين في مكة كانوا منتصرين، ومَن عُذِّبوا في الأخدود كانوا منتصرين ... وأحمد بن حنبل كان منتصراً، وسعيد بن جبير كان منتصراً، وابن تيمية في سجن القلعة كان منتصراً، وسيد قطب وغيره كانوا منتصرين ... لا لأنهم تولوا أمر الأمة حكماً وسياسة، وولكن لأنهم ظلوا ثابتين على عقيدتهم، مؤمنين بقدرة الله وقوته ومعيته، غير مبدلين ولا مغيرين للأخلاق والقيم والمبادئ، حتى لقوا الله تعالى وهم على ذلك، وصدق فيهم قوله جل ذكره: "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا. تَبْدِيلاً". الأحزاب: 23.

    إنه ينبغي أن نراجع مفهوم النصر حتى لا نخطئ في تصوراتنا ويترتب على هذا الخطأ سلوكياتٌ خطأ، فالعلم إمام العمل، وضابطه وهاديه.

    وحين يكون النصر ظاهرياً، بالظهور والغلبة دون تمسك بالقيم والأخلاق والمبادئ، ودون ثبات على العقيدة يكون الظهور حينئذ عملية تضليل وبداية للهزيمة الحقيقية، على ما قاله المفكر والمؤرخ د. عبد الحليم عويس يرحمه الله، في كتابه "دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية"، قال عن سقوط الدولة الطولونية في مصر، وما أعظم ما قال: "الانتصار في معركة.‏‏.‏ والحصول على مكسب وقتي‏‏.‏‏.‏ والوصول إلى السلطة‏.‏‏.‏ هذه كلها ليست هي قضية التاريخ.‏‏.‏ ولا معركة التقدم البشري‏.‏‏.‏ بل هي عمومًا ليست من عوامل تحريك التاريخ إلى الأمام أو الخلف على نحو واضح وضخم‏.‏‏.‏ إن الانتصار في معركة‏.‏‏.‏ قد لا يعني الهزيمة الحقيقية للأعداء، فحين لا تتوافر العوامل الحقيقية للنصر‏.‏‏.‏ يصبح أي نصر مرحلي عملية تضليل، واستمرارًا للسير الخطأ، وتماديًا في طريق الوصول إلى الهزيمة الحقيقية‏.‏‏.‏ هكذا سار التاريخ في مراحل كثيرة من تطوراته.‏‏.‏ كان النصر بداية الهزيمة، وكانت الهزيمة بداية النصر‏!‏ وحين يصل إنسان ما إلى الحكم.‏‏.‏ دون أن يكون معدًّا إعدادًا حقيقيًّا للقيادة، ودون أن يكون في مستوى أمته‏.‏‏.‏ يكون وصوله على هذا النحو هو المسمار الأخير الذي يدق في نعش حياته وحياة الممثل لهم‏.‏‏.‏ ‏!‏" ا.ه.

ـــــــــــــــــــــــــ

منارات

لذة الإحسان

يبحث الإنسان في أقطار هذه الحياة عما يسعده فيها، ويريحه من عنائها وشقائها، ويسليه في أحزانها وغمومها، ويداويه أو يخفف عنه أوجاعها وأسقامها؛ ليجد بعدئذ اللذة والسرور. لكن بعض الناس قد يخطئ الطريق إلى هذه الغاية؛ فيذهب يبحث عنها في إشباع الشهوات الجسدية دون حدود، وتلبية الرغبات ال

السير إلى الله

حلاوة الايمان أعظم زاد في هذه الرحلة ولا يتذوق حلاوة السير ولذة هذا العيش إلا من كان له نصيب بمعرفة الله وتوحيده وعاش حقائق الايمان وجرب هذه اللذة.. قال بعض الصالحين : لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا بالسيوف .. يقول ابن القيم – عليه رحمه الله - : " في الطريق

القوة الروحية

الإخلاص يمنح المخلص قوة روحية هائلة، مستمدة من سمو الغاية التي أخلص لها نفسه، وحرر لها إرادته، وهو رضا الله ومثوبته. فإن الطامع في مال أو منصب أو لقب أو زعامة: ضعيف كل الضعف، إذا لاح له بادرة أمل في تحقيق ما يطمع فيه من دنيا، ضعيف أمام الذين يملكون إعطاءه ما يطمح إليه، ضعيف إذا خ