أما منك ..فلا

التاريخ: الخميس 1 مارس 2012 الساعة 12:00:00 صباحاً
أما منك ..فلا

 

أميمة الجابر

إنها مدرسة النبوة التي غابت عنا نقشت بكلماتها وحروفها أعلى معان وأغلى مفاهيم , حولت الكلمة إلى فكرة سار على دربها جيل فريد لاقى ما لاقي وعانى ما عانى واشتدت عليه المحن و صارعه ذئاب الباطل من كل باب , لكنه لم يبال , فهو مؤمن بفكرته التي عاش فيها ولها.

تلك الكلمات التي مع قلة حروفها تركت بصماتها حينما نطق بها نبي الله إبراهيم عليه السلام فرفض عون الخلق مستعينا مستجيرا بمعية الخالق الذي آمن أنه رب ملكوت السماوات والأرض , فرفض تلك التماثيل التي كان قومه يعكفون عليها وما لبث أن حطمها إبراهيم عليه السلام , فتبين عجزهم وإضلالهم , واقام الحجة عليهم , وحينئذ أمروا بإحراقه فجاء الناس من القرى والجبال ليشهدوا عقاب الذي تجرأ على الإلهة وحطمها واعترف بذلك وسخر من الكهنة..

وقد بدأ الاستعداد بإحراق إبراهيم عليه السلام وحفروا حفرة عظيمة ملأوها بالحطب والخشب والأشجار وأشعلوا فيها النار وأحضروا المنجنيق ليقذفوا إبراهيم فيها فقيدوا يداه وقدماه واشتعلت النار وتصاعد اللهب إلى السماء , وصدر أمرهم بإلقائه في النار وفي تلك اللحظة جاء جبريل عليه السلام ووقف عند رأس إبراهيم عليه السلام وسأله : يا إبراهيم .. ألك حاجة ؟

قال إبراهيم عليه السلام : أما إليك فلا , لكنه فوض أمره من قلبه لخالقه الذي يراه فهو عالم به , صابرا ثابتا واثقا أن الله هو الحق وأن ما دونه هو الباطل فما أن نطق بتلك الكلمات وقال حسبي الله ونعم الوكيل إذ صعدت كالبرق قبل نزوله في تلك النار فكانت قدرة القادر الذي يقول كن فيكون ..

فأمر سبحانه النار أن تكون بردا وسلاما على إبراهيم فلم تمارس وظيفتها في الإحراق , بل أحرقت قيوده فقط , وجلس إبراهيم وسطها وكأنه يجلس وسط حديقة غناء , يسبح بحمد ربه .

ولما انطفأت فوجئوا بإبراهيم يخرج سليما كما دخل ووجهه يتلألأ بالنور وثيابه كما هي لم تحترق وليس عليه أي أثر للحريق ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله , فالخسارة للظالم المستبد والهلاك له , وهو قوله تعالى " وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين " الأنبياء 70

لقد أراد القوم بإبراهيم الهلاك فأضل الله سبحانه كيدهم وجعلهم الأسفلين فهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير فعن ابن عباس قال " حسبنا الله ونعم الوكيل " قالها إبراهيم عليه السلام حين القي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " رواه البخاري .

تدور الأيام ومازال الحق مضطهدا على مر الأيام وهذه رؤية واضحة أمامنا , وهاهو الشعب السوري النازف والشعوب المستضعفة التي ما زالت دماء أبنائها الزكية تروي بها الأراضي الجدباء , لكننا كلما زاد بطش الظالمين كلما زدنا متفائلين بذلك الصمود والإصرار على تحقيق الفكرة التي من أجلها ثاروا .

فالعون وحده من الله سبحانه و تعالى فإنه لا منجى و لا ملجأ منه إلا إليه , فإن أنقطت بهم السبل فليس لهم إلا إياه .

والإخلاص مع الله تعالى هو طريق النصر يقول ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم " أحفظ الله يحفظك ,أحفظ الله تجده تجاهك ,تعرف على الله في الرخاء تجده في الشدة ,إذا سألت فأسأل الله ,و إذا استعنت فأستعن بالله ,و أعلم أن الأمة لو اجتمعوا علي أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضرك ,و لو اجتمعوا علي أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك ,جفت الصحف و رفعت الأقلام ,و اعمل لله بالشكر في اليقين ,وأن الصبر علي ما تكره خير كثير وأن النصر مع الصبر ,و أن الفرج مع الكرب ,و أن مع العسر يسر " أخرجه الترمذي

نعم هذه هي مدرسة النبوة تصور لنا صورا فريدة لجيل فريد, فها هو نبي الله موسى عليه السلام الذي أرسله الله تعالى إلى فرعون الطاغية المتجبر أغنى ملوك الأرض في زمانه و أشدهم استعلاء في الأرض فحينما أمره الله تعالى أن يخرج من مصر و من أتبعه ليفر من بطش ذلك الطاغية طارده و حاصره بجيش عظيم فكان البحر من أمامه و فرعون و جيوشه من خلفه فظن أتباعه أنهم مدركون لا محالة ..

لكن موسى لم ييأس عليه السلام ووجه وجهه لله وحده القادر في تلك الشدة و طلب معيته , وحينذاك أمره الله تعالى أن يضرب بعصاه البحر فانفلق فكان كالطود العظيم , فما وجد أمامه غير طريق ممهد وسط كل تلك الأمواج ..

إنها العناية الإلهية , ان أنجاه الله تعالى وأهلك فرعون وجنوده و كان عبرة للآخرين , فذلك موسى الذي قال لقومه كما جاء في آيات القرآن:" قال موسى لقومه استعينوا بالله و اصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين " الأعراف

و ها هو الغلام في قصة الساحر و الراهب المذكورة في صحيح مسلم كان مثلا للفتى الشجاع فلم يبال بالموت ولم يخف إلا الله تعالى , فحين أمر الملك زبانيته أن يصعدوا به إلى أعالي الجبال و يقذفوه من فوقها اتجه إلى خالق الجبال القادر سبحانه فدعاه : (اللهم اكفينهم بما شئت و كيف شئت ) , فاهتز الجبل فقتلوا جميعا وعاد الغلام سالما إلى الملك فغضب و أصدر أمرا آخر بأن يحملوه وفي وسط البحر أن يقذفوه وبينما هم ينفذون الأمر عاد الغلام لربه ودعا بنفس الدعاء فاضطرب البحروهاج الموج و غرقوا جميعا إلا الغلام فرجع سالما للملك حتى طوع الغلام الملك لمبدئه و منهجه (بسم الله رب الغلام) فمضى الغلام حرا عزيزا شهيدا كريما.


فليس علينا إذن إلا أن نسطر تلك الكلمات في قلوبنا و عقولنا فلا نتسلق على أكتاف آخرين لنصل إلى أهدافنا إنما نلجأ للعزيز الذي ليس لنا سواه , يقول ابن القيم :( إذا استغن الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله ,و إذا أنسوا بأحبابهم فأجعل أنسك بالله )

فلنوجه قلوبنا بالرجاء له سبحانه يقول تعالي (أمن يجيب المضطر إذا دعاه و يكشف السوء )

فهو سبحانه الذي يكفى العباد (أليس الله بكاف عبده ) إنها لأيه تشعرنا بالدفء الإيماني والرعاية الربانية , إنه سبحانه العزيز القوى و إنه ليجازى كلا بما يستحق و إنه حتماَ سينتقم من كل ظالم فلماذا يخاف من يقوم بحق العبودية له سبحانه و هو كافله و كافيه ؟!

فليعيد كل منا حساباته و لا ينسى كلمة الخليل (أما إليك فلا)..هذه الكلمة التي تحول المحنة إلى منحة , و النقمة إلي نعمة أقولها لكل مظلوم - اشتدت عليه الدائرة , و تكاثرت أياد الشر من حوله - أنه متى استقرت تلك الحقيقة في قلبك فقد ينقطع عنك الخوف فلا أمل إلا في جناب الله .

قال ابن القيم رحمه الله (إذا أصبح العبد و أمسى و ليس همه إلا الله وحده تحمل الله حوائجه كلها و حمل عنه كل ما أهمه وفرغ قلبه لمحبته و لسانه لذكره و جوارحه لطاعته ,و إن أصبح و أمسي و الدنيا همه حمله الله همومها و غمومها و أنكادها ووكله إلي نفسه فشغل قلبه عن محبته بمحبه الخلق و لسانه عن ذكره بذكرهم و جوارحه عن طاعته بخدمتهم و أشغالهم ,فهو يكدح كدح الوحوش في خدمة غيره كالكير ينفخ بطنه و يعصر أضلاعه في نفع غيره ,فكل من أعرض عن عبودية الله و طاعته و محبته بلىّ بعبودية المخلوق و طاعته و محبته )

فلا ينبغي الاستعانة إلا بالله دون العباد, فلا نعلق قضاء حوائجنا نبحث عن واسطة نتسلق عليها .

إن عون المؤمن وسنده هو الرضا بالله سبحانه ربا ومهيمنا ومدبرا للخلق والرزق وشئون الحياة والموت , وتلك المشاعرمن الأعمال الباطنه التي مقرها القلب , وهي تطبيق عملي يترجم وقت الشدة , فهو سبحانه علي كل شيء قدير لا يعجزه شيء في السموات و الأرض وهذا منهج الأنبياء الذي أنتهجه الصحابة وورثه منهم شباب و فتيه ذاك الجيل الفريد الذي تعلم من تلك المدرسة النبوية ..

روى اصحاب السير ان أحد الصالحين دخل المسجد في غير وقت الصلاة فوجد غلاما لم يبلغ العاشرة من عمره قائما يصلي بخشوع ويطيل الصلاة , فانتظر حتى انتهي من صلاته فجاء إليه و سلم عليه و قال له ابن من أنت ؟ فطأطأ الغلام رأسه و انحدرت دمعته علي خده ثم رفع رأسه وقال يا عم إنا يتيم الأب و الأم , فرق له الرجل وقال له يا بني أترضى أن تكون ابنا لي أرعاك ؟ فقال الغلام هل إن جعت تطعمني ؟ فقال نعم ..فقال هل إذا مرضت تشفييني ؟ قال الرجل ليس إلى ذلك سبيل يا بني , قال الغلام هل إذا مت تحيني ؟ قال الرجل ليس إلي ذلك سبيل, فقال الغلام فدعني ياعم للذي خلقني فهو يهدي و الذي هو يطعمني و يسقيني و إذا مرضت فهو يشفيني و الذي يميتني ثم يحين و الذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين , سكت الصالح و مضى لحاله و هو يقول أمنت بالله ....من توكل علي الله كفاه .

 

لذة الإحسان

يبحث الإنسان في أقطار هذه الحياة عما يسعده فيها، ويريحه من عنائها وشقائها، ويسليه في أحزانها وغمومها، ويداويه أو يخفف عنه أوجاعها وأسقامها؛ ليجد بعدئذ اللذة والسرور. لكن بعض الناس قد يخطئ الطريق إلى هذه الغاية؛ فيذهب يبحث عنها في إشباع الشهوات الجسدية دون حدود، وتلبية الرغبات ال

السير إلى الله

حلاوة الايمان أعظم زاد في هذه الرحلة ولا يتذوق حلاوة السير ولذة هذا العيش إلا من كان له نصيب بمعرفة الله وتوحيده وعاش حقائق الايمان وجرب هذه اللذة.. قال بعض الصالحين : لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا بالسيوف .. يقول ابن القيم – عليه رحمه الله - : " في الطريق

القوة الروحية

الإخلاص يمنح المخلص قوة روحية هائلة، مستمدة من سمو الغاية التي أخلص لها نفسه، وحرر لها إرادته، وهو رضا الله ومثوبته. فإن الطامع في مال أو منصب أو لقب أو زعامة: ضعيف كل الضعف، إذا لاح له بادرة أمل في تحقيق ما يطمع فيه من دنيا، ضعيف أمام الذين يملكون إعطاءه ما يطمح إليه، ضعيف إذا خ