ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق

التاريخ: الخميس 17 نوفمبر 2011 الساعة 12:00:00 صباحاً
ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق

 

بقلم الأستاذ الدكتور: زغلول النجار

هذا النص القرآني الكريم جاء في العشر الأخير من سورة الأنعام، وهي سورة مكية، وتعتبر خامس أطول سور القرآن الكريم، إذ يبلغ عدد آياتها خمساً وستين ومائة بعد البسملة، وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة إلى الأنعام في أكثر من موضع فيها، ومن خصائص هذه السورة المباركة أنها أنزلت كاملة دفعة واحدة.

وسوف يتم التركيز هنا على جانب من جوانب الإعجاز العلمي والتشريعي في كتاب الله جاء في هذه السورة الكريمة، وفى كلٍ من سور: البقرة، والنساء، والإسراء،

من الإعجاز العلمي التشريعي في النص

أولاً: الحكمة في النهي عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق:

يؤكد القرآن الكريم كما تؤكد أحاديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أن الله تعالى خلق أبانا آدم من طين، وخلق منه زوجه بمعجزة لا تستطيعها إلا القدرة الإلهية، ثم بث منهما بالتزاوج رجالاً كثيراً ونساءً، ولذلك قال في مطلع سورة النساء:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (النساء:1).

وتؤكد علوم الوراثة أن كل مولود لهذا الزوج الأول من البشر حمل في صلبه جزءاً من المخزون الوراثي للبشرية الذي ظل ينتقل من زمن أبوينا آدم وحواء- عليهما السلام- إلى اليوم وحتى قيام الساعة، ولذلك قال- تعالى-:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (الأعراف:172).

من هنا كان في قتل نفس واحدة بغير حق قضاء عليه وعلى ذريته من بعده إلى يوم الدين ولذلك قال تعالى :{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِى الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} (المائدة:32).

ثم إن الله تعالى قد حدد لكل مخلوق أجله الذي يغادر عنده هذه الحياة الدنيا في لحظة محددة، وذلك لحكمة يعلمها هو سبحانه وتعالى ولذلك قال في محكم كتابه: {هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} (الأنعام:2). {وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الأنعام:60).{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} (الأعراف:34). ومن هنا أيضاً كان قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق اعتداء على قرار الله تعالى بتحديد الأجل، والذي ذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه يحدد بعد نفخ الروح في الجنين مباشرة وهو لا يزال في بطن أمه في حدود الأربعين يوماً فى قوله الشريف: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد" (الإمام مسلم).

وقال صلى الله عليه وسلم : "النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك الأرحام بكفه فقال: يا رب مخلقة أم غير مخلقة؟،فإن قيل: غير مخلقة لم تكن نسمة، وقذفها الرحم دما، وإن قيل مخلقة، قال: يا رب! ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ وما الأجل؟ وما الأثر؟ وما الرزق؟ وبأي أرض تموت؟" (الإمام مسلم).

اعتداء على قرار الله

كذلك أيضاً يتضح أن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق فيه اعتداء على هذا القرار الإلهي بالأجل الذي حدده الله تعالى للجنين وهو لا يزال في بطن أمه، والقرار في علم الله سابق على ذلك؛ لأن الزمن الذي يحدنا به الخالق سبحانه وتعالى هو من خلق الله، والمخلوق لا يحد خالقه أبداً لا يحد أوامره أو أقواله أو أفعاله، وعلم الله محيط بكل مقتول بحق أو بغير حق، ولكن ذلك ليس مبرراً لقتله بغير حق. أما المقتول بحق وهو داخل في علم الله كذلك فقد حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله الشريف: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". (متفق عليه)

ومن هنا لا يجوز قتل المسلم الذي لم يقترف شيئا من هذه الجرائم المحرمة تحريماً قطعياً، والتي اعتبرها الرسول- صلى الله عليه وسلم- من الكبائر.

والأصل في الشريعة الإسلامية أن يعاقب الجاني بالقصاص على القتل العمد سواء كان القتل مقترناً بسبق الإصرار والترصد أو غير مقترن، ولا تجيز الشريعة للقاضي أن يخفف العقوبة بأن يستبدل بها غيرها، ولكنها تجيز لولي المجني عليه أن يعفو عن القصاص إما على الدية أو بدون مقابل، أما القتل الخطأ فعقوبته في الشريعة الإسلامية الدية والكفارة فقط دون تعزير.

ثانياً: الحكمة من القصاص مع تحريم قتل النفس بغير حق:

تنص الشريعة الإسلامية على ضرورة القصاص بالقتل على كلٍ من القاتل المتعمد، والثيب الزاني، والمرتد عن الإسلام المفارق للجماعة. والحكمة من ذلك هي حماية المجتمع المسلم من عوامل الهدم الثلاثة تلك، وهي من أخطر وسائل التدمير للمجتمعات الإنسانية، والله المُشرِّع أعلم بما يصلح عباده، وما تستقيم به مجتمعاتهم، ولكن الإنسان بفكره القاصر بدأ يجادل في هذه العقوبة الربانية، فانقسم فلاسفة علم الاجتماع والمشرعين إلى فريق يؤمن بحتمية بقاء عقوبة الإعدام؛ لأنها عقاب عادل لمجرم مثل القاتل عن عمد، ورادع لغيره ممن تُسوِّل لهم نفوسهم اقتراف هذه الكبيرة من الكبائر، وإلى فريق آخر لا يؤمن بعصمة العدالة الإنسانية، فإذا أخطأ القاضي في دراسة القضية وحكم بالإعدام على أحد المتهمين بجريمة القتل ونفذ فيه حكم الإعدام فعلاً ثم تبينت براءته فكيف يرد إليه حقه وقد أزهقت روحه؟، وهذه دعوى مرفوضة تماماً؛ وذلك لوصية الشريعة الإسلامية بدرء الحدود بالشبهات، وإتاحة الفرصة للمتهم بالطعن في الحكم على عدد من المستويات، والاعتماد على اعترافه الكامل بعد أداء القسم.

ادعاء بغير فهم

ويدعي أصحاب هذا الرأي كذلك بأن قتل الجاني سيضيف إلى المقتول مقتولاً آخر بدلاً من محاولة إصلاحه، وينسى أصحاب هذا الرأي إمكانية تشجيع هذا الشهوات للراغبين في القتل من تحقيق رغباتهم دون هيبة من الإقبال على اقتراف مثل هذه الجريمة المنكرة، ومن الغريب أن غالبية الدول الغربية التي ألغت عقوبة الإعدام بدواعي الشفقة قد عادت إلى تطبيقها ولو في حالات محددة نتيجة لانتشار الجريمة خاصة جرائم القتل مع الترصد.

والأصل في القضاء التوثق من اقتراف الجريمة قبل المجازاة على اقترافها وعدم الأخذ بالشبهة واتخاذها سبباً للإدانة؛ لأن ظلم البريء ليس بالأمر الهين في معيار الله.

ثالثاً: ضرورة اللجوء في الأحكام إلى شرع الله:

الشريعة هي ضوابط للسلوك فيما بين الناس، كما أن العبادة ضوابط لسلوك العبد تجاه ربه وخضوعه بالطاعة لأوامره واجتناب نواهيه، وربنا تبارك وتعالى قادر على العفو عن تقصير العبد في حق من حقوقه، أما حقوق العباد فهي مقدسة عند رب العباد، وإذا لم تُقضَ في هذه الحياة الدنيا فسوف تُقتَص في الآخرة من حسنات الجاني إلى المجني عليه؛ لأن العبد منا لا يملك في الآخرة إلا حسناته، ولذلك يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل في جمع من الصحابة قائلاً: "هَلْ تَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ؟" قَالُوا: "الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ". قَالَ: "إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ" (أخرجه الإمام أحمد في مسنده).

من هنا فإن محاولة بعض علماء النفس الالتفاف حول الأحكام الشرعية محاولة آثمة ولو كانت بدعوى عدم مسئولية المجرم عن جرائمه باعتباره في عرفهم مريضاً، وباعتبارهم الأعمال البشرية خاضعة للتأثر بعدد من الرغبات المحتبسة في النفس، والناشئة في كثير من الأحوال عن التربية الفاسدة.

فارق كبير

ومن هنا يدعون أن تكون العقوبة أقرب إلى العلاج النفسي منه إلى القصاص الجزائي، ونتيجة لهذا التهاون في العقاب يخرج القاتل من سجنه ليقتل ويعود إلى السجن من جديد، وهنا يتضح الفارق الكبير بين شرع الله وقوانين البشر، فشرع الله تعالى يُحرِّم قتل النفس إلا بالحق الذي حددته أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بزنا الثيب، والنفس بالنفس، والارتداد عن الدين، ويجعل القصاص وسيلة من وسائل المحافظة على سلامة وأمن المجتمع المسلم في ظل الدولة المسلمة، أما المغالاة في قتل الأبرياء من جانب بدعوى الضبط والربط كما يحدث في أغلب الديكتاتوريات الحاكمة، والتسيب المتمثل في المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام بدعوى الشفقة الإنسانية، ومحاولة التعامل مع المجرمين القتلة على أنهم مرضى نفسياً في حاجة إلى العلاج قبل العقاب، فكلها من المواقف المغايرة لشرع الله الخالق، والذي هو أدرى بما يصلح عباده من دراية عباده بأنفسهم، ولذلك قال- تعالى-:{وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} (الأنعام:151،الإسراء:33).{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا} (النساء:92).{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (النساء:93).هذا شرع الله الذي لا تبديل لكلماته {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف:29).

 

 

لذة الإحسان

يبحث الإنسان في أقطار هذه الحياة عما يسعده فيها، ويريحه من عنائها وشقائها، ويسليه في أحزانها وغمومها، ويداويه أو يخفف عنه أوجاعها وأسقامها؛ ليجد بعدئذ اللذة والسرور. لكن بعض الناس قد يخطئ الطريق إلى هذه الغاية؛ فيذهب يبحث عنها في إشباع الشهوات الجسدية دون حدود، وتلبية الرغبات ال

السير إلى الله

حلاوة الايمان أعظم زاد في هذه الرحلة ولا يتذوق حلاوة السير ولذة هذا العيش إلا من كان له نصيب بمعرفة الله وتوحيده وعاش حقائق الايمان وجرب هذه اللذة.. قال بعض الصالحين : لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا بالسيوف .. يقول ابن القيم – عليه رحمه الله - : " في الطريق

القوة الروحية

الإخلاص يمنح المخلص قوة روحية هائلة، مستمدة من سمو الغاية التي أخلص لها نفسه، وحرر لها إرادته، وهو رضا الله ومثوبته. فإن الطامع في مال أو منصب أو لقب أو زعامة: ضعيف كل الضعف، إذا لاح له بادرة أمل في تحقيق ما يطمع فيه من دنيا، ضعيف أمام الذين يملكون إعطاءه ما يطمح إليه، ضعيف إذا خ