فاة الشيخ عبده مصطفى

التاريخ: الثلاثاء 27 سبتمبر 2011 الساعة 12:00:00 صباحاً
فاة الشيخ عبده مصطفى

 

السنوسى محمد السنوسى

خالص التعازي في وفاة الشيخ عبده مصطفى الأمين العام للجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية، سائلاً المولى- عزَّ وجلَّ- أن يتغمده برحمته ويجعل أعماله في ميزان حسناته، وأن يلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

ولد الفقيد عام 1928م، ونشأ في بيئة متدينة في قرية من قرى مركز زفتى بالغربية، والتحق بالكتاب في سن صغيرة، ثم بمدرسة داخلية لتعليم صناعة السجاد بطنطا.

وكان للراحل عدة مشروعات شاهدة على جهده في مجالات البر وكفالة اليتيم ومساعدة فقراء المسلمين.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

السيرة الذاتية لفضيلة الشيخ عبدة مصطفى

حين تجلس إلى فضيلة الحاج عبده مصطفى، تشعر بنسمات الإيمان تملأ جنبات المكان.. وترى فى وجهه السمح سيماء المؤمنين ووقارهم..

قبل أن تصافحه، تقابلك ابتسامته الهادئة.. فتشعرك بمودته، والإيناس منه.. كأنك تعرفه من زمن بعيد.. حتى ولو كان ذلك هو اللقاء الأول!

يقف فضيلته بأعوامه الاثنين والثمانين شاهدًا على تاريخ الجمعية الشرعية.. بدعاتها ورجالها ومواقفها ومشروعاتها..

إذا تكلم، تدفق كأنما يقرأ من كتاب.. يرفض الحديث عن شخصه ومواقفه مع أئمة الجمعية ودعاتها.. مفضِلاً أن يترك ذلك للتاريخ ولمن كان شاهدًا عليه..

يؤكد أن الجمعية الشرعية تعمل فى صمت، وتدع مشروعاتها تتحدث عن نفسها، ولا تبتغى بعملها سوى رضا الله عز وجل..

هو رجل امتزج تاريخه بتاريخ تلك المؤسسة الدعوية- الجمعية الشرعية- التى نذر لها نفسه.. فصار كل منهما يدل على الآخر.

فهو- بتعبير موجز- الفرد "المؤسسة".. والفرد "الرمز"..

"التبيان" فى "مئوية" الجمعية الشرعية، اغتنمت تلك المناسبة الثمينة لتنهل من معين الحاج عبده مصطفى- الوكيل العام للجمعية الشرعية- الفياض، وتاريخه الثرى.. فرحب باللقاء رغم ضيق وقته.. وفتح لنا قلبه وذاكرته..

** نود أن نعرّف القراء بظروف نشأتكم.

* اسمى عبده محمد مصطفى، ولدت سنة 1928م، ونشأت فى بيئة متدينة فى قرية من قرى مركز زفتى بالغربية، والتحقت بالكتاب- كعادة أبناء الريف- فى سن صغيرة، ثم التحقت بمدرسة داخلية لتعليم صناعة السجاد بطنطا، وأعمل الآن تاجر سجاد.

وقد نشأت فى وقت كانت الدعوة الإسلامية مزدهرة، فى الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، وكان الإنسان من السهل عليه أن يجد جهة دعوية يلتزم من خلالها وينفع الإسلام.

** كيف تعرفتم على الجمعية الشرعية؟

* تعرفت على الجمعية الشرعية سنة 1946م من خلال أحد أصدقائى فى العمل، وذهبت معه إلى مقر الجمعية واستمعت إلى دروس ومحاضرات أفدت منها كثيراً، ووجدت أناساً معتدلين يطالبون بعودة الأمة إلى ماضيها الذى يضمن لها العزة والكرامة، وعرفت أن طريقهم هو طريق التدين الصحيح.

وللأسف لم ألتقِ بالإمام السبكى؛ فقد مات وأنا صغير سنة 1933م، ولكنى عاصرت الإمام الثانى ابنه فضيلة الإمام أمين خطاب السبكى الذى كان يتصف بكل الأخلاق الإسلامية الفاضلة، وكان عالماً ذا سمت طيب، يتحرى اتباع السنة فى سلوكه.

ثم عاصرت باقى الأئمة، خاصة الإمام الثالث يوسف خطاب السبكى الذى كان ذا نظر ثاقب، وكان يتخيّر الدعاة الذين يساعدونه فى العمل الدعوى، واحتضننى وقربنى منه حين كنت عضواً فى مجلس إدارة الجمعية الشرعية بالتوفيقية ونقلنى إلى الجمعية الرئيسية فى الدرب الأحمر، مقرها آنذاك.

** من أبرز الدعاة الذين تأثرت بهم؟

* تأثرت بكل دعاة الجمعية الشرعية وعلمائها، ومنهم على سبيل المثال: الشيخ عبد اللطيف مشتهرى، الشيخ عبد الله العفيفى، الشيخ عليان على عمار، الشيخ خالد محمد خالد الذى انتظم لفترة مع الجمعية الشرعية فى بداية حياته.

** ما أهم مبادئ الجمعية الشرعية؟

* الجمعية الشرعية قامت على الكتاب والسنة، وإعادة الأمة إلى العمل بهما، ومحاربة البدع والخرافات التى أساءت كثيرًا للإسلام، والالتزام بالوسطية والاعتدال.

كما أن الجمعية تهتم بتربية الفرد المسلم على القيم الإسلامية الصحيحة، وهى لا تقتصر على الدعوة بالقول بل تجمع- فى إيجابية- بين القول والعمل.

الداعية والقرآن

** ما أهم الصفات التى يجب أن يتحلى بها الداعية من واقع تجربتكم الدعوية؟

* أن يكون أول من يلتزم بالإسلام وقيمه، ويعمل بذلك فى الظاهر والباطن، وأن يخلص لله فى أقواله وأعماله؛ وبقدر ما يلتزم الداعية بالصدق فى دعوته، فإن الله يبوئه مكانة طيبة.

وعلى الداعية أن يحرص على الالتزام بسنة النبى صلى الله عليه وسلم فى العبادات والأخلاق والسلوك دون أن يفصل بين العبادات والأخلاق؛ لأن الإسلام نظام شامل، ولأن النبى صلى الله عليه وسلم جعل الأفضلية بين الناس لصاحب السلوك الحسن، فقال صلى الله عليه وسلم: "أقربكم منى مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً".

** كيف يعيش الداعية متأثر بالقرآن، ويؤثر به فى الناس؟

* حياة الداعية تقوم فى الأساس على القرآن؛ فهو يحرص على تلاوته والتخلق بأخلاقه، ويلتزم بأوامره ونواهيه، ويكون أول من يطبقه على نفسه؛ ليكون قدوة لغيره بسلوكه لا بأقواله فحسب.

ولا يجوز أن يتحول الداعية فى تعامله مع القرآن إلى مجرد "ذاكرة" تختزل وتقرأ، فقد قال الله تعالى عن القرآن الكريم: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) (ص:29) فالقرآن ليس للتلاوة فحسب، بل هو للعبرة والفهم والعمل فى المقام الأول.

لذلك أنصح أبناءنا الدعاة- وخاصة الشباب- أن يخلصوا النية لله، ويحسنوا العمل لله، وأن يدلوا على أنهم مسلمون بأعمالهم الصالحة.

ونحن نعلم أنه لما سُئلت أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها عن خلق النبى صلى الله عليه وسلم قالت: "كان خلقه القرآن" فكان قرآنا يسير بين الناس.

** الكاتب الإسلامى خالد محمد خالد قال فى مذكراته عن الإمام السبكى: "كلما اشتقت إلى وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وشغفنى الشوقُ إلى رؤيته؛ أتذكر وجه الإمام محمود خطاب السبكى، وأتملاّه، وأطيل النظر إليه فى تألقه وإشراقه وهيبته ووقاره؛ فما أظن أن وجهه فى هذا كله كان بعيدًا من وجه الرسول".. بم تعلقون على ذلك؟

* هذا صحيح، فالشيخ محمود خطاب السبكى كان مُلهَمًا، ألهمه الله سبحانه الفهم الصحيح للإسلام، وضرورة عودة الأمة إليه، وربَّى رجالاً ودعاة من حوله توارثوا السير على هذه المبادئ السامية، حتى صارت الجمعية الشرعية كيانًا يشهد له الجميع بالإخلاص والتفانى فى خدمة الإسلام والمسلمين.

** حدثنا عن ذكرياتك مع الإمام يوسف خطاب السبكى.

* حقيقة، هذه الذكريات والمواقف فيها نوع من المدح الشخصى لى، وأنا أحب أن أترك ذلك للتاريخ، وللذين كانوا شهوداً على علاقتى بالشيخ يوسف، وعلى ما قدمته للجمعية من جهد، وأفضِّل العملَ فى صمت.

** الجمعية كانت سباقة فى الدمج بين المنهج الدعوى والعملى من خلال إعداد الدعاة وإنشاء مصانع النسيج مثلاً فى الأربعينيات.. كيف يؤثر ذلك على نجاح الدعوة فى المجتمع؟

* كان الشيخ محمود خطاب السبكى- عليه رحمة الله- أول من نادى بالعمل والجمع بين الدين والدنيا؛ لأن الدين يعمر الدنيا، وإن تُركت أمور الدنيا للهوى يكون الضلال والبعد عن منهج الله.

فاستقامة الدنيا فى أن تقوم على منهج الإسلام الذى يتأسس على الإيمان والعمل الصالح، وهذا ما تدعو إليه آيات القرآن، مثل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً) (الكهف:107)، فالإيمان تصديق، وعمل للصالحات، الإيمان فى القلب والعمل يعود نفعه على الفرد والمجتمع.

وهذا المزج بين الإيمان والعمل يؤدى إلى ترسيخ الإسلام فى قلوب الناس، ويجعل الداعية قدوة للناس فى أقواله وأفعاله، ويثبت أن الإسلام ليس مجرد خطب ومواعظ تقدم للناس بل منهج متكامل يقدم لهم ما ينفعهم فى دينهم ودنياهم.

** شهدت الجمعية الشرعية طفرة كبيرة فى مشروعاتها.. ما أبرز تلك المشروعات؟

* أبرز تلك المشروعات: مشروع كفالة الطفل اليتيم، وهو يكفل الآن ما يزيد على 560 ألف طفل يتيم، ويقدم لكل طفل مبلغاً مالياً شهرياً إضافة إلى بعض المساعدات العينية خاصة فى المناسبات والأعياد كما يقدم لهم التوجيه الدينى والتربوى، وكذلك مشروع تيسير زواج الفتيات اليتيمات، وإنشاء مستشفيات الحروق وغسيل الكلى.

وأحدث تلك المشروعات: مشروع تنقة مياه الشرب، الذى يغطى القرى النائية بدرجة أكبر.

لا تمويل من الخارج

** ماذا عن مصادر الدعم المالى للجمعية الشرعية؟

* المسلمون فيهم خير كثير، وأبناء مصر يثقون فى الجمعية الشرعية وشفافيتها ونظامها المالى والإدارى، ونحن نقوم بدور "الوسيط" بين المتبرعين وأصحاب الحاجات من الفقراء والأيتام، ولذا قد ننشئ بعض المشروعات أو نقدم بعض الخدمات بناء على توجيهات أحد المتبرعين.

** وماذا عما يثار عن تلقى الجمعية لأموال من الخارج؟

* هذا غير صحيح إطلاقاً، فالجمعية الشرعية تلتزم بمنهج الإسلام الذى بينه الرسول صلى الله عليه وسلم من أن الزكاة والصدقات تؤخذ من أغنياء البلد لتردَّ على فقرائه، ولذلك فقانون الجمعية الشرعية لا يسمح بتلقى أموال من الخارج، كما أن الجمعية تلتزم بنظام مراقبة ومحاسبة شفاف يخضع لقانون الدولة.

** لماذا تهتم الجمعية الشرعية بتقديم المساعدات إلى الدول الإسلامية الفقيرة مثل النيجر والسودان وغيرهما؟

* كانت الجمعية الشرعية لفترة قريبة مهتمة بالإغاثة الداخلية، أى تقديم المساعدات لأبناء مصر الأيتام والفقراء، وحريصة على أن تكون حاضرة فى الأزمات والنكبات التى تقع من آن لآخر، مثل حوادث القطارات وحادثة الدويقة إلى غير ذلك.

ثم تم توجيه الدعوة لنا لنكون أعضاء فى المجلس الإسلامى العالمى للدعوة والإغاثة، وعندما التحقنا به وجدوا تميزاً فى جهودنا ونشاطاتنا.

ونحن ننطلق فى المشاركة فى هذه الجهود الإغاثية من قول الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10). ومن أن المسلمين جميعاً جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء، كما جاء فى الحديث الشريف.

** كشاهد على نكبة فلسطين منذ عام 1948م.. هل ترون أن فلسطين أخذت الاهتمام اللازم على المستوى الرسمى والشعبى؟

* على المستوى الرسمى.. لا؛ فحرب 48 التى خاضتها جيوش سبع دول عربية ضد الصهيونية، كانت شكلية وليست حقيقة؛ لأنه لا يعقل أن تنتصر حفنة من العصابات على سبعة جيوش نظامية!! وعلى العكس من ذلك فقد استطاع الشباب المسلم أن ينتصر ويحرز تقدما كبيراً على تلك العصابات، لكن تدخل غير المخلصين أوقفت الحرب لصالح الكيان الصهيونى!!

أما على المستوى الشعبى؛ فقد قدمت الشعوب العربية والإسلامية الكثير للدفاع عن فلسطين، وكانت الجمعية الشرعية سباقة فى تقديم الدعم منذ عام 1948م.

وما زالت الجمعية الشرعية تدعم فلسطين إلى الآن بالأغذية والمساعدات العينية والطبية، ووقفت بجانب (غزة) ضد المحرقة الصهيونية.

نظرة إلى المستقبل

** مستقبل الجمعية الشرعية.. كيف تتصورونه؟

* الجمعية الشرعية حقيقةً فى نمو وازدهار باستمرار؛ لأنها ملتزمة ومترابطة، وتجد أعضاءها من الرأس (فضيلة الإمام) ومجلس الإدارة إلى جميع أبنائها على قلب رجل واحد.

إضافة إلى أنها قامت- وما زالت- على الالتزام بالشرع واتباع السنة، وقرارات مجلس الإدارة تكون بعد تروٍ ودراسة تصب فيما ينفع المسلمين. والجمعية لا تبتغى من وراء عملها سوى رضا الله عز وجل.

** كيف ترون مسيرة مجلة "التبيان" فى عامها السادس؟

* كانت الجمعية الشرعية لها بعض الإصدارات التى تعبر عن فكرها ومنهجها، وتعرِّف الناس بها، ثم جاءت مجلة "الاعتصام" لصاحبها فضيلة الشيخ أحمد عيسى عاشور- أحد العُمُد الأساسية للجمعية الشرعية- لتقوم بدور كبير فى هذا الصدد.

ثم فكرت الجمعية الشرعية فى إصدار مجلة تكون لسان حالها، والمعبر عن نشاطاتها؛ فكانت مجلة "التبيان" التى استطاعت أن تنافس المجلات الإسلامية الأخرى، وأن تكون لها بصمات واضحة فى نشر الإسلام بمنهج معتدل.. وأرجو لها مزيدًا من النجاح.

_________________________

مجلة التبيان

 

 

الاجتهادات العمرية: في الفرق بين الفتوى والحكم والقانون

يمثل فهم اجتهادات عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أثناء خلافته الراشدة، التي تصرف فيها على خلاف صريح النص القرآني، إحدى الإشكاليات الفقهية والأصولية التي أثارت الكثير من الجدل، فالقراءات الحداثية للتراث في أعمال عدد من المفكرين العرب مثل نصر حامد أبوزيد ومحمد عابد الجابري والطيب تزي

ما أعظمك يا رئيس

من مثلك أيها الرئيس الشامخ العزيز اهتز له العالم في مشاهد جنائزية مهيبة؟ بكاك الأحرار في جميع القارات لأنهم يحبونك وصبوا جام غضبهم على شانئيك من الطغاة الدمويين ومؤيديهم الحقيرين الأنذال الذين لم يخالفوا أحكام الإسلام فحسب ولم ينزلوا عن أخلاق المروءة والأنفة وإنما أثبتوا بأقوالهم

يرحل مرسي شهيدا شامخا

حين يصدق الأصفياء، وحين يوفي الأنقياء، يرحلون عن عالمنا في قمة الطهر، يرحلون ورؤوسهم مرفوعة، يرحلون ورؤوسهم لا تعرف الأنحاء سوى لخالقها، يرحلون وهم يقولون، لقد أدينا ما علينا و ٱن لنا أن نرحل، وقد أقمنا الحجة على الجبناء أن الجلاد لا يملك الأرواح، نرحل و نحن على يقين أن الروح م