وذكرهم بأيام الله

التاريخ: الثلاثاء 15 فبراير 2011 الساعة 12:00:00 صباحاً
وذكرهم بأيام الله

عبدالرزاق السيد

خاص ينابيع تربوية

الحمدلله المتفرِّدِ بالعظمة والبقاء والدوام، يكوِّر الليل على النهار، ويكوِّر النهار على الليل، ويصرّف الشهور والأعوام، لا إله إلا هو، الخلقُ خلقه، الأمر أمرُه، فتبارك ذو الجلال والإكرام، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه أستغفره، والى علينا نعَمَه، وتابع علينا آلاءه، وبالشكر يزيد الإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قدّر الأمور بإحكام، وأجراها على أحسن نظام، وأشهد أن سيّدنا ونبيَّنا محمّدًا عبد الله ورسوله، أفضل الرسل وسيّد الأنام، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الأطهار وأصحابه الكرام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما كثيرا على الدوام.

أيها المسلمون، الدهرُ طعمان حلو ومرّ، والأيام طرفان عسرٌ ويُسر، وكلّ شدّة إلى رخاء، وكل غمرة فإلى انجلاء، وإنَّ بعد الكدر صفوًا، وبعد المطر صحوًا، والشمس تغيب ثم تشرق، والروض يذبل ثم يورق، ولله أيام تنتصر من الباغي وتنتقم من العاتي، ومن عرف الله في الرخاء عرفه في الشدائد، وصرف عنه المكائد، وحفظه وهو نائم وقائم وصاحٍ وراقد فسبحان مقلب الأمور على الدوم.

أيها المسلمون: تلك هي الدنيا، تضحك وتبكي، وتجمع وتشتت شدةٌ ورخاءٌ، وسراءٌ وضراءٌ دار غرور لمن اغترَّ بها، وهي عبرةٌ لمن اعتبر بها إنها دار صدقٍ لمن صدقها، وميدان عملٍ لمن عمل فيها: )لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ([الحديد:23].

تتنوع فيها الابتلاءات وألوان الفتن، ويبتلى أهلها بالمتضادات والمتباينات: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون )

أيها المسلمون: إن سنن الله التي تجري عليها الوقائع والحوادث هي المسماة في القرآن بأيام الله، وكما أن السنن تحتاج إلى من يستخرجها ويعرِّف بها فإن أيام الله تحتاج إلى من يلحظها ويذكِّر الناس بها، وهي تجري على البر والفاجر والمؤمن والكافر، قال تعالى عن نبيه موسى عليه السلام: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)

إن أيام الله هي تفسير لسنن الله، فتلك السنن ليست معاني مجردة أو افتراضات محضة، بل هي حُكم وتطبيق، ودرس وشرح، وعظة وعبرة، ولكن ها هنا أيضا معنى أعظم يحتاج إلى تأمل وتدبر، وهو أن أيام الله التي تُفسر سنن الله ليست ماضية فقط، بل هي حاضرة أيضا ومستقبلة، فكما جرت بشأن السنن أيام ووقائع في الماضي الغائب عنا فهي تجري في الحاضر المحيط بنا والمستقبل البعيد منا، وكل هذا يؤكد الفائدة العظمى والأهمية القصوى للنظر في تلك السنن واستحضار الحقائق المتحفّة بها؛ لأنها حكم الله الذي لا يُخالَف ولا يستطيع أحد عصيانه، فلئن كان بإمكان العصاة أن يخالفوا حكم الله الشرعي فإن أحدًا من الخلق لا يستطيع الخروج قيد أنملة عن حكمه القدري  وتجيء أيام الله بما فيها من محن أو منح لتثبت ذلك.

ما أحوجنا في أزمنة الأحداث الجسام إلى أن نذكِّر أنفسنا ونذكِّر الناس بأيام الله، وأن نبصِّر أنفسنا ونبصِّر الناس بسنن الله الكونية القدرية، مع إرشادهم إلى سننه الدينية الشرعية، فالأحداث الكبرى قد تطيش فيها عقول وتذهل فيها أفئدة، وقد تزل فيها أقدام أقوام وتضِل أفهام آخرين، ولا يَثْبُت إلا من ثبَّته الله، (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) [إبراهيم:27].

إن الزمان كلما تقارب كان فعل الفتن في الناس عجيبًا؛ لأنها تتوارد وتتكاثر حتى يرقّق بعضها بعضًا، ولا يزال الأمر في تصاعد وتزايد حتى تتغير الأحوال من تنقُّل بين فتنة وفتنة إلى تقلُّب بين كفر وإيمان، حيث يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعَرَض من الدنيا. فالناس مواقف في أزمنة الشدائد، ومواقفهم بحسب معادنهم، فالمعادن الأصيلة تجلِّيها نار الاختبار، أما الرخيصة فتُنفى مع الخبث.

أيها الإخوة : إن من سنن أيام الله سنة العزة والذلة، فالعزة لله وإلى الله كلها، وقد كتب العزة قَدَرًا للمستقيمين على دينه شرعًا، فبقدر استقامتهم تكون عزتهم، فقال سبحانه: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) [المنافقون:8]، ولهذا فإن من أراد العزة فليستمدها منه وحده، (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر:10]، أما الذين يريدون أن يستمدوا العزة من عند غير الله فأولئك لهم شأن آخر مع الله، (بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [النساء:138، 139].

ايها المسلمون :ومن سنن أيام الله سنته جلّ علاء في موجبات النجاة. يتطلع بعض الناس إلى النجاة إذا جاء أمر الله بالكوارث والمحن أو الحروب والفتن، يتطلعون للنجاة منها عند بشر مثلهم ضعاف، وكيف غفَل هؤلاء عن أن النجاة من المحن والفتن تكون بالتوكل على الله والإيمان والتقوى؟! كيف لا وفيها أعظم النجاة؟! قال تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) [يونس:103]، وقد نجّى الله أصنافًا وأصنافًا من المؤمنين من الرسل وأتباع الرسل من أنواع شتى من المحن والفتن، فنجّى نوحًا ومن آمن معه، (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) [الأنبياء:76]، ونجّى هودًا ومن آمن معه، (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) [هود:58]، ونجّى صالحًا ومن آمن معه، (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) [هود:66]، ونجّى إبراهيم، (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ) [العنكبوت:24]، ونجى لوطًا ومن آمن معه، (وَإِنَّ لُوطًا لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ) [الصافات:133، 134]، ونجّى يونس، (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء:88] نجّى الله هؤلاء الرسل، ونجّى أتباعهم من نوائب وشدائد ومصائب حلّت بأقوامهم، وقد كان الدعاء بالنجاة بعد تحقيق الإيمان هو أقربَ سبل النجاة، ولا يشابهه في الأثر إلا القوة في القيام بالحق وقت الفتن.

ومن سنن أيام الله في موجبات الهلاك :أن الله تعالى لا يُهلك أمة ظلمًا، ولا يُهلك أمة بغير نذير وتحذير، قال الله تعالى: (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) [الأنعام:131]، فلا بد من انحرافٍ ما يستوجب الهلاك، وقد نص القرآن على عدد من الانحرافات المستوجبة للهلاك الذي قد يكون هلاك استئصال أو هلاك تعذيب واختبار، وقد يسلّط الله العذاب على الكافرين، وقد يُبتلى به بعض المسلمين؛ إذ إنهم لا يخرجون عن السنن الإلهية إذا فرّطوا في الشرائع الدينية.

ان من موجبات الهلاك التي تجري بها سنن الله الظلم والطغيان، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) [يونس:13]، وقال تعالى: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) [الحج:45].

ومن موجبات الهلاك البَطَر والأَشَر وعدم الشكر، قال تعالى عن قارون: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ *فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [القصص:78، 79].

ومن موجبات الهلاك الجبروت والبطش، قال الله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ) [ق:36]، وقال تعالى: (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ)

ومن موجبات الهلاك التجاوز في السفاهة والتعالي بالترف والفسوق، قال تعالى عن قومٍ: (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْوَاعِظِينَ *إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ *وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ *فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ)

ومن موجبات الهلاك السكوت عن قول الحق وترك الإصلاح، قال الله تعالى: (فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ *وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)

ومن موجبات الهلاك موالاة الظالمين، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ) [المائدة:51، 52].

ومن موجبات الهلاك معاداة المؤمنين، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال:73].

أيها المسلمون، قد يُنعم الله على الكافر نِعمَ نَفْع أو نعمَ دَفْعٍ أو نعَم رفْع، ولكنه إنعامٌ وإعطاء ما هو إلا استدراج وإملاء، (وَلاَ يَحْسَبَننَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [آل عمران:178]، (وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ) [الأعراف:183]، (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ *نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرٰتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ) [المؤمنون:55، 56]. إنه إغناءٌ مشوبٌ بالمصائب والأرزاء، منغَّص بالأمراض والأدواء، مكدَّر بالخوف والرعب وعدم الهناء، (وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يأتي وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ) [الرعد:31]،

(لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ) [آل عمران:196]، لا يغرّنَك ما هم فيه من الاستعداد والإمداد، لا يغرنَّك ما هم فيه من التعالي والاستبداد، لا يغرنَّك ما يملكون من القوة والعدّة والعتاد، (مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ) [آل عمران:197]، (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال:36].

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وآمنوا برسوله واتبعوه؛ ففي ما جاء به الرشاد والهداية والكفاية (قُلْ يَا أَيُّهَا الْنَّاسُ إِنِّي رَسُوْلُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيْعَاً الَّذِيْ لَهُ مُلْكُ الْسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيْتُ فَآَمِنُوا بِالله وَرَسُوْلِهِ الْنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِيْ يُؤْمِنُ بِالله وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوْهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُوْنَ)

أيها الناس: إن من أيام الله  ومن سننه أن يؤتي الملك ويهيئ أسبابه لمن يريد هو الذي يمنعه عمن شاء ولو طلبه، وينزعه ممن يشاء ولو تشبث به؛ فالملك لله تعالى وبيده (قُلِّ الْلَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) [آل عمران:26]. وكما أن لإيتاء الملك وثباته أسبابا فإن لنزعه وزلزلته أسبابا أيضا، وأعظم أسباب نزعه الظلم بأنواعه كلها، فسنة الله تعالى ماضية في أنه لا بقاء للملك مع الظلم (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الْظَّالِمِيْنَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) فصلاح الدنيا يكون بالعدل، كما أن صلاح الآخرة يكون بالإيمان والعمل الصالح؛ ولذا قيل: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: أما بعد؛ فإن مدينتنا قد خربت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالا نرمها به. فرد عليه: أما بعد؛ فحصنها بالعدل، ونق طرقها من الظلم؛ فإنه مَرَمَّتُها.

إن للملك غنما وغرما في الدنيا وفي الآخرة؛ فغنمه في الدنيا الرفعة والشهرة والرياسة وخضوع الناس، وغرمه في الدنيا لمن قام به السهر على مصالح الرعية، والتعب في إدارة شئون الدولة، وإحاطتها بأسباب القوة والهيبة والمنعة.

وأما غنمه في الآخرة فأجر عظيم لمن قام بحقه، وأول السبعة الذين يستظلون في ظل الرحمن يوم القيامة: إمام عادل، والمقسطون من الحكام على منابر من نور عن يمين الرحمن، وهم الذين يعدلون في حكمهم. وأما غرمه في الآخرة فطول الحبس بكثرة المظالم، وغش الرعية يوجب الحرمان من الجنة.

ومن أراد غنم الملك في الدنيا لكنه لم يتحمل غرمه صار إلى الظلم، وسلط أعوانه الظلمة على الناس، فينزع الله تعالى منه الملك، وقد عبر الله تعالى عن ذهاب الملك بنزعه (وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) لأن من اتخذوا الملك غنما لا يتخلون عنه بسهولة، ويتشبثون به تشبثا شديدا؛ لأجل غنمه، فينزعون منه نزعا، والنزع هو شدة القلع وهي مقابلة لشدة تمسكهم به.

ومن قرأ التاريخ القديم والمعاصر وجد فيه أعاجيب من أنواع تقدير الرب سبحانه في نزع الملك؛ فمن الملوك من ينزع الملك منه أبوه أو أخوه أو ابنه أو قريبه أو صديقه الحميم، وما درى وهو يقربه أنه ينزع ملكه منه.. ومنهم من ينزع ملكه منه عدوه بقوة قاهرة.. ومنهم من يفقد حياته وحياة المقربين منه أثناء نزع ملكه منه، ومنهم من يسلم جسده لكن يعتل قلبه بنزع ملكه، ولله تعالى شؤون كثيرة في خلقه (يَسْأَلُهُ مَنْ فِيْ الْسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِيْ شَأْنٍ) [الرحمن:29].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ