من أين يستمد المسلم قوته؟؟

خاص عيون نت

التاريخ: الأربعاء 2 فبراير 2011 الساعة 12:00:00 صباحاً
من أين يستمد المسلم قوته؟؟

من أين يستمد المسلم قوته؟؟

حسن العماري

 

خاص ينابيع تربوية

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه ومذل من خالف أمره وعصاه مجيب دعوة الداعي إذا دعاه وهادي من توجه إليه واستهداه ومحقق رجاء من صدقه في معاملته ورجاه  .. من أقبل إليه صادقا تلقاه ومن ترك لأجله أعطاه فوق ما يتمناه ومن توكل عليه كفاه .. فسبحانه من إله  تفرد بكماله وبقاه ..  أحمده سبحانه حمدا يملأن أرضه وسماه .. من اعتمد على الناس .. مل .. ومن اعتمد على ماله ... قل ..  ومن اعتمد على علمه .. ضل .. ومن اعتمد على سلطانه .. زل ..  ومن اعتمد على عقله اختل .. ومن اعتمد على الله فلا مل ولا زل ولا قل ولا ضل ولا اختل   ... 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا معبود بحق سواه وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله  الذي اصطفاه واجتباه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن نصره وآواه واقتفى أثره واتبع هداه أما بعــد:

عبـــــــــاد الله : - ما أكثر مشاكل الحياة وفتنها ومغرياتها وشهواتها وشبهاتها والتي تذهب بالعقول وتفسد القيم والأخلاق عند كثير من الناس قال صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمــــال فتنًا كقطع الليل المظلم: يُصبح الرجل مؤمنًا ويُمسي كافرًا ويُمسي مؤمنًا ويُصبح كافرًا، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا»(مسلم/ 169) أما المسلم الحق فإنك تجده يعيش في ظل هذه الفتن والمغريات والشهوات والشبهات ثابتاً على دينه وقيمه ومبادئه وأخلاقه ؟ فمن أين يستمد قوته؟ وما هي القوة التي يلجأ إليها؟ و من أين يأتيه المدد فيثبت على الحق ويدع الحرام ويقارع الباطل ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويصبر على البلاء؟  إن هـــذه القوة يستمدها المسلم من الله بإيمانه وتوكله عليه وعزته به .. قال تعالى: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) (فاطر:10).

ولهــذا لما تقـرر عند قوم شعيب عليه السلام  أن العزة إنما تكون بما لدى المرء أو قومه من قوة وأسباب دنيوية فقط، صحح لهم نبيهم عليه السلام هذا المفهوم وأرشدهم إلى مصدر العزة الحقيقي .. ( قَالُـــوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) (هود:91)  فهم يرون أنه في نفسه غير عزيز، ويرون أنه يستمد عزته من قومه، فقال لهم: " ( يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (هود:92).

فماذا كانت نتيجة الركــــون إلى الله وطلب المدد منه قال تعالى ( وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (هود:94).

عبـــــــــاد الله : - يقول طاووس بن كيسان ـ وهو من تلاميذ ابن عباس رضي الله عنه, و من رواة البخاري ومسلم  يقول:  دخلت الحرم لأعتمر، قال: فلما أديت العمرة جلست عند المقام بعد أن صليت ركعتين، فالتفت إلى الناس وإلى البيت، فإذا بجلبة الناس والسلاح .. والسيوف .. والدرق .. والحراب .. والتفتت فإذا هو الحجاج بن يوسف، !!  يقول طاووس: فرأيت الحراب فجلست مكاني، وبينما أنا جالس إذا برجل من أهل اليمن، فقير زاهد عابد، أقبل فطاف بالبيت ثم جاء ليصلي ركعتين، فتعلق ثوبه بحربة من حراب جنود الحجاج، فوقعت الحربة على الحجاج، فاستوقفه الحجاج، وقال له: من أنت؟  قال: مسلم. قال: من أين أنت؟ قال: من اليمن. قال: كيف أخي عندكم؟ وكان أخوه والياً على اليمن  ... قال الرجل: تركته سمينًا بدينًا بطينًا! قال الحجاج: ما سألتك عن صحته، لكن عن عدله؟ قال: تركته غشومًا ظلومًا!   قال: أما تدري أنه أخي! قال الرجل: فمن أنت؟ قال: أنا الحجاج بن يوسف. قال: أتظن أنه يعتز بك أكثر من اعتزازي بالله ؟! قال طاووس: فما بقيت في رأسي شعرة إلا قامت! قال: فأفلته الحجاج وتركه ..  أي عـــزة هذه وأي عظمة هذه وأي قوة ينفثها الإيمان في روع المسلم وقلبه فتصغر في عينية الدنيا وفتنها ومغرياتها وقواها وابتلاءاتها ...  إن المسلم لا يدرك هذه القوة إلا عندما يستشعر عظمة الله  وقدرته وسعة ملكه وسلطانه فيترفع ويبتعد عن مواطن الذل والمهانة فلا يخاف من أجله  ولا يخشى على رزقه يردد قوله تعالى ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) (آل عمران:145) وقال تعالى ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود:6)  لمــــا استدعى المندوب السامي الفرنسي ـ في سوريا ـ الشيخ عبدالحميد الجزائري وقال له: إما أن تقلع عن تلقين تلاميذك هذه الأفكار وإلا أرسلت جنوداً لإغلاق المسجد الذي تنفث فيه هذه السموم ضدنا وإخماد أصواتك المنكرة. فأجاب الشيخ عبدالحميد: أيها الحاكــم إنك لا تستطيع ذلك. واستشاط الحاكم غضباً, كيف لا أستطيع ؟ قــال الشيخ: إذا كنت في عُرسٍ هنأت وعلمت المحتفلين, وإذا كنت في مأتمٍ وعظت المعزين, وإن جلست في قطارٍ علَّمتُ المسافرين, وإن دخلت السجن أرشدت المسجونين, وإن قتلتموني ألهبت مشاعر المواطنين, وخيرٌ لك أيها الحاكم ألا تتعرض للأمة في دينها ولغتها.

عبـــــــــاد الله : -  ما أحوجنا اليوم إلى تربية أنفسنا رجالاً ونساءاً صغاراً وكباراً  للوصول إلى هذه القوة بالإيمان والتقوى والعمل الصالح وتحكيم شرع الله وإتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وتربية النفوس على القرآن قولاً وعملاً  وعلى السنة اقتداءاً واتباعاً وذكر الله في السر والعلن قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ َتَوَكَّلُونَ﴾(الأنفال/2) .

ما أحوجنا إلى قوة الإيمان بالله والصلة به والتوكل عليه لنحفظ ديننا وكرامتنا وأخلاقنا وقيمنا ومجتمعنا وأمتنا ..  ما أحوجنا إلى الموظف القوي في عمله فلا يغش ولا يرتشي لأنها مذلة في حقه وما أحوجنا إلى رب الأسرة القوي في أخلاقه القدوة لأبنائه فلا يعرض نفسه لمواطن الذل والمهانة من أجل دينار أو درهم وما أحوجنا إلى المدير الذي يربي موظفيه على قول كلمة الحق وعدم السكوت على الأخطاء والتجاوزات مهما كانت الإغراءات وما أحوجنا إلى ذلك العالم الذي يعتز بما يحمله من ميراث النبوة  فيصدع بالحق لا يخشى في الله لومة لائم   .. هذا الإمام الشافعي رحمه الله يقول : 

أنا إن عشت لست أعدم قوتا    ****   و إن أنا مت لست أعدم قبرا

همتي همة الملوك و نفسي   ****   نفس حر ترى المذلة كفرا

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو في أشد محنته يقول :  (ما يصنع أعدائي بي ؟أنا جنتي وبستاني في صدري أينما اتجهت لا تفارقني ،أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة ،وإخراجي من بلدي سياحة ) .. يا للروعة .. إنها كلمات تضيء النفوس ،وتنبهر بها العقول، وتهتز لها القلوب ،وتغمر الكون بالصفاء والروحانية والثقة واليقين والعزة ... وما أحوجنا إلى تلك المرأة التي تعتز بدينها وأخلاقها وحجابها وسترها وعفافها مهما كانت الظروف ومهما كثر الضجيج وأنتشر الفساد وكثرت الملهيات والمغريات لكنها تبقى صامدة وثابتة بقوة إيمانها وعزتها بالله ...  هذه  آسية بنت مزاحم زوجة فرعون كانت ملكة  عرشها ..على أسرةٍ ممهدة ، وفرشٍ منضدة ..بين خدم يخدمون .. وأهلٍ يكرمون  لكنها كانت مؤمنة تكتم إيمانها..إنها آسية .. امرأة فرعون .. كانت في نعيم مقيم ..فلما رأت الذل والعبودية لغير الله  ورأت قوافل الشهداء .. تتسابق إلى السماء .. اشتاقت لمجاورة ربّها .. وكرهت مجاورة فرعون ..دخل عليها زوجها فرعونَ يستعرض أمامها قواه .. فصاحت  : الويل لك ! ما أجرأك على الله .. ثم أعلنت إيمانها بالله .. فغضب فرعون .. وأقسم لتذوقَن الموت .. أو لتكفرَن بالله ..ثم أمر فرعون بها فمدت بين يديه على لوحٍ .. وربطت يداها وقدماها في أوتاد من حديد.. وأمر بضربها فضربت ..حتى بدأت الدماء تسيل من جسدها .. واللحم ينسلخ عن عظامها ..فلما اشتدّ عليها العذاب  وعاينت الموت رفعت بصرها إلى السماء وقالت : ( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(التحريم: من الآية11) } ..وارتفعت دعوتها إلى السماء ..قال ابن كثير : فكشف الله لها عن بيتها في الجنة  فتبسمت ثم ماتت) .. ما أحوج أمة الإسلام إلى تربية أفرادها على هذه القوة لرفع الظلم والذل والتبعية وتحرير الأرض وتطهير المقدسات والله تعالى يقول: " وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران:139)  بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم  قلت قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخطــــبة الثانـية  : -  عبــــــــاد الله :-    ما تزال الأمم والشعوب وحتى الأفراد في عزةٍ ومنعة وقوة ما داموا يسيرون على منهج الله ويتبعون رسله فإذا ظهر الإنحراف عن هذا الطريق أذلهم الله ولو كانوا يملكون كل المقومات المادية للحياة وأسباب القوة فقوة أعظم يعز بها أوليائه ويذل أعدائه قال تعالى ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ).. (النمل:69) وقال تعالى: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ  وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ).. (الدخان 25/27 ) وقال تعالى :( فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) (الحج:45). 

فلنتب إلى الله ولنحسن العمل ولنثق بالله ونتوكل عليه في كل أمورنا  ولندرك أنه من اعتمد على الناس .. مل  ومن اعتمد على ماله ... قل   ومن اعتمد على علمه .. ضل  ومن اعتمد على سلطانه .. زل   ومن اعتمد على عقله اختل  ومن اعتمد على الله فلا مل ولا زل ولا قل ولا ضل ولا اختل .. اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك .. وصلوا وسلموا رحمكم الله على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة؛ نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً" [الأحزاب:56] .

ــــــــــــــــــــــــــــ

محن المسلمين وابتلاؤهم من أنفسهم ومن أعدائهم

عباد الله؛ نعيش في هذه الآونة وقد امتلأت الأخبار وملئت الأسماع وملئت الأبصار بما يحدث من استضعاف للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في فلسطين وفي غيرها من بورما وما شابه ذلك، هذا يا عباد الله قدر كوني للمسلمين في حال الضعف وفي حال أن المسلمون لم يعرفوا قدرهم، ولم يتوجهوا لربهم سبحا

العالم فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ

عبـاد الله : إن في تقلب الدهر عجائب، وفي تغير الأحوال مواعظ، توالت العقبات، وتكاثرت النكبات، وطغت الماديات على كثير من الخلق فتنكروا لربهم ووهنت صلتهم به .. حتى تعلقَ الناسُ بالناسِ، واعتمد الناس على الناس وذل بعضهم لبعض وأرضى يعضهم بعضا ولو سخط الله وذهبت القيم الأخلاق فكان الط

الفضائل والأسرار في عبوديـة الإفتقـار

بقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } (فاطر: 15ـ 17)، حين تضعف علاقة العباد بربهم، وتتلاشى وشائج الايمان