انتبه يا ظالم

التاريخ: الثلاثاء 25 يناير 2011 الساعة 12:00:00 صباحاً
انتبه يا ظالم

عبد الرزاق السيد

خاص ينابيع تربوية

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه ومذل من خالف أمره وعصاه مجيب دعوة الداعي إذا دعاه وهادي من توجه إليه و استهداه ومحقق رجاء من صدقه في معاملته ورجاه من أقبل إليه صادقا تلقاه ومن ترك لأجله أعطاه فوق ما يتمناه ومن لاذ بحماه وقاه حماه ومن توكل عليه كفاه فسبحانه من إله تفرد بكماله وبقاه أحمده سبحانه حمدا يملأ أرضه وسماه وأشكره على سوابغ نعمه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا معبود بحق سواه وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله الذي اصطفاه واجتباه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن نصره وآواه واقتفى أثره واتبع هداه أما بعد: أيّها المسلمون، اتّقوا الله تعالى حقَّ التّقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعروَة الوثقى، (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَ ٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم) [الحديد:28].

واعلَموا أنّ أحسنَ الحديث كتاب الله, وخير الهدي هدي محمّد صلى الله عليه وسلم ، وشرّ الأمور محدثاتها, وكلّ محدثة بدعة, وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار، أعاذنا الله وإيّاكم منها.

ايها المسلمون  إن كل مجتمع أيّاً كانت شريعته يحب أن يعيش أفراده في أمن وطمأنينة تسودهم المحبة والتعاون، ويسلموا من أسباب الفوضى والعداوات..

وهذا ما سعى الإسلام إلى تقريره.. فقد شرع الله تعالى للعباد خير دين، فيه كل القواعد التي تنبني عليها السعادة من أوامر ونواهي..

ومن هذه القواعد التي دعا إليها الإسلام، وحضَّ عليها؛ قاعدة: (العدل) وإذا أخل الخلق بهذه القاعدة حلت محلها قاعدة أخرى اسمها: (الظلم)؛ الظلم! ذلك الاسم الذي جمع الرذائل! ودل على القبائح!اسم تبغض سماعه الآذان، وتتأفف من النطق به الألسنة!

ولا تجد عاقلاً يحب أن يوصف بهذا الخلق القبيح! بل حتى الظالم لا يرضى أن يقال له: يا ظالم!وتأمل في اسمه ما أقبحه! وما أقبح دلالاته ومعانيه! ولقبحه فإن الله تعالى لما خاطب عباده بتحريمه، أخبرهم أنه حرمه أولاً على نفسه تبارك وتعالى..قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى، أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا...». [رواه مسلم]. الظلم طريق مهلك.. ما سلكه أحد فنجا!  فإن ظلمة الظلم أقبح الظلمات! وهي ظلمة أشد من ظلمة سواد الليل! لأن ظلمته مربوطة بظلمة يوم الهول والنشور! وما أشد ظلمات ذلك اليوم!

ان الله عزوجل حذر في كتابه عن الظلم في ايات تكاد تنخلق القلوب عند سماعها فالظلم مَرْتَعُهُ وَخِيم وشؤمه جسيم وعاقبته أليمة، وقد توعّد الله أهله بالعذاب والنكال الشديد، فقال تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفرقان:37]، وقال تعالى: (وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـاٰلِمِينَ) [آل عمران:57]، ويقول سبحانه: (أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هود:18]، ولكل ظالم حظّ من هذه اللعنة بقدر مَظْلَمَته فليسْتَقِلّ أو ليسْتَكْثِر، ويقول تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ) [الزخرف:65] ويقول مُهدّدًا بسوء العاقبة وشؤم المُنْقَلَب: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء:227]. وبيَّن سبحانه وتعالى أن الظالم محروم من الفلاح في الدنيا والآخرة، ومصروف عن الهداية في أمور دينه ودنياه ما لم يتب، فقال: (إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) [القصص:37]، وقال: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ) [القصص:50]، ويقول سبحانه: (فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [المؤمنون:41]، ويقول تعالى: (وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) [سبأ:42].

الظلم هلاك.. وخراب للديار!

نار الظلم نار لا ترحم! وعقاب الظالم إذا حل عقاب لا يوصف! الظلم هلاك للأفراد.. وخراب للديار والدول! وإذا حلت نقمة الله تعالى على الظالم فيا ويله، ما أشدها!! قال علي بن أبي طالب عنه  : «يوم المظلوم على الظالم، أشد من يوم الظالم على المظلوم!». وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: «أول ما كتب في الزبور: ويل للظلمة». وقال شريح القاضي رحمه الله: «سيعلم الظالمون حق من انتقصوا، إن الظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصر والثواب». وقال بعض الحكماء: «اذكر عند الظلم عدل الله فيك، وعند القدرة قدرة الله عليك، لا يعجبك رحب الذارعين، سفاكي الدماء، فإن لهم قاتلاً لا يموت!». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله عز وجل يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] [رواه البخاري ومسلم]. إن الظلم  وسلب الحقوق وإهدار الكرامات مبعث الشقاء ومثار الفتن. إن قومًا يفشو فيهم الظلم والتظالم، وينحسر عنهم الحق والعدل إما أن ينقرضوا بفساد، وإما أن يتسلط عليهم جبروت الأمم يسومونهم خسفًا، ويستبدون بهم عسفًا، فيذوقون من مرارة العبودية والاستذلال ما هو أشد من مرارة الانقراض والزوال. إن الظلم خراب العمران، وخراب العمران خراب الأمم والدول.

عقوبة الظلم في الدنيا:ان ما ينتظر كل ظالم في دنياه قبل أخراه، عقوبات شتى، هي المصائب فمنها حرمان الفلاح { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } [الأنعام : 21]،  و حرمان النعم فإن من أعظم أسبابها وقوع الظلم والله جل وعلا قال: { فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } [النساء :60].

وبقدر ظلمك تحرم من النعم، وليس بالضرورة نعم المال والجاه، فقد تحرم نعمة الطمأنينة فتضل خائفاً، أو نعمة الصحة فتبقى مريضاً، أو نعمة الراحة فتبقى قلقاً، صوراً كثيرة نراها في أعين وسير الظلمة مما يدلنا على حرمانهم من نعم الله عز وجل العظيمة التي يحتاجون إليها.

وانظر كذلك إلى صورة أخرى فيها عبرة لكل معتبر وهي أن الظلم عاقبته منتهية وحبله قصير، ويده منكسرة، لأنه لا يبلغ شأوه إلا وعليه ما عليه من العقوبات، { فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الأنعام : 45] هل رأيتم أظلم من فرعون وأطغى منه؟ أين حاله وكيف انتهى مصيره؟ وهكذا غيره وغيره.

ومن ذلك استحقاق العقوبة العاجلة { أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } [الأعراف : 165] سيحيق بهم العذاب، سيحل بهم البلاء {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ } [الزمر : 51] وكذالك ما يحل بهم من كرب وهوان عند سكرات الموت: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } [الأنعام : 93] كل أحد يظلم سيلحقه وستلحقه عقوبة عاجلة غير آجلة في جملة الأحوال في صور مختلفة

عقوبة الظلم في الاخرة : وأما الأخروية وما أدراك ما الأخروية، ومن ذا الذي يستطيع أن يفكر مجرد التفكير في القدرة على تحمل أو تقبل العقوبة الأخروية بين يدي الله جل وعلا العذاب الأليم الشديد، استمع إلى التهديد والوعيد العظيم المهول الذي تنخلع له القلوب المؤمنة وترتعد منه الفرائص المسلمة { وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء) [إبراهيم : 42]

واستمع إلى قوله سبحانه وتعالى في مثل هذا الأمر { وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [الزمر : 47] ظالم يظلم ليأخذ حق هذا وهذا، ويملأ خزائنه من حقوق الناس، يوم القيامة لو أن له الدنيا وما فيها ومثلها معها لافتدى به من عذاب  يوم القيامة، فلما لا تفتدي نفسك اليوم قبل الغد؟ ولما لا تسمع ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم «اتقوا الظلم ما استطعتم؛ فإن العبد يجيء بالحسنات يوم القيامة، يرى أنها ستنجيه، فما زال عبد يقوم يقول: يا رب ظلمني عبدك مظلمة، فيقول: امحوا من حسناته، وما يزال كذلك، حتى ما يبقى له حسنة من الذنوب..». رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني .

مشاهد الظالمين : اننا  نجد الصور الكثيرة، والمعاني العظيمة الخطيرة التي ينبغي لنا أن نقرأها بقلوبنا، أن نتمعنها ونتدبر في معانيها بعقولنا، أن ننظر إلى مواضع العبرة في واقعنا، أما رأينا ظلمة كيف انتهت بهم حالهم إلى انقلاب السحر على الساحر فصاروا مسجونين أو مقتولين اومشردين أو غير ذلك، أما رأينا أصحاب سلطان وقهر وقوة وجبروت وقد صارت حالهم إلى ذلة وضعف وهوان، أما في هذا عبرة لمعتبر، أما في هذا ردع لمتذكر حتى نجنب أنفسنا ذلك، نداء لكل من وقع في الظلم أو مارسه، { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [آل عمران : 135]

اليوم قبل الغد، الحياة قبل الموت، القوة والقدرة قبل الضعف والعجز، احذر فإن الأمر جد خطير، وإن البلاء يوشك أن يحل وأن يحيط، والعقوبة لن تكون خاصة {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [الأنفال : 25] كثيرة هي البلايا التي حلت بنا بسبب الظلم الذي فشا فيما بيننا، والسكوت عن هذا الظلم وعدم نصرة المظلوم {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ } [هود : 116] عندما خرست الألسن، عندما لم يؤخذ بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرها البراء بن عازب في الصحيح (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع –وذكر منها- نصرة المظلوم) وعندما تحدثوا في الجلوس في الطرقات قال: (وإن من حقها إعانة المظلوم)

وعندما تحدث النبي صلى الله عليه وسلم إلينا قال: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قيل يا رسول الله عرفنا نصرته مظلوما فكيف ننصره ظالما قال تردعه عن ظلمه فتلك نصرته).

وهذه الصور نذكرها من باب التذكرة، إذ إن حقيقة الظلم لا تخفى على أحد: منها: أكل مال اليتيم: فكم من ظالم تجده راتعًا في أموال اليتامى مسرفًا في أكلها! وقد توعد الله تعالى هذا الصنف بالنار.. قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10].

ومنها: المماطلة في قضاء الدين: الكثيرون إذا لزمتهم الديون ماطلوا في قضائها، مع أنهم قادرون على قضائها.. بل إن البعض يستدين وفي نيته عدم القضاء! وهذا من الظلم  قال صلى الله عليه وسلم : «مطل الغنى ظلم». [رواه البخاري ومسلم].

ومنها: ظلم المرأة في حقها وصداقها ونفقتها وكسوتها: لقد أمرت الشريعة بالعشرة الحسنة، وبالتسريح الحسن إذا حدث خلاف بين الزوجين.. قال الله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ...} [البقرة: 231].

فيجب على الرجل أن لا يظلم امرأته في النفقة والكسوة، والصداق؛ بل يوفيها حقها في كل ذلك، وإن كان له أكثر من زوجة؛ فيجب عليه أن يعدل في حقوقهن، فقد جاء الوعيد الشديد في حق من لا يعدل بين نسائه.

ايها الاخوة اننا،  كل الذي نراه في دنيانا يظهر لنا آثار من ظلموا من قبلنا {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا } [النمل : 52] أي بسبب ظلمهم أفلا نراها فنعتبر؟ أفلا نقرأ عنها فندكر؟ أفلا يمنعنا ذلك مع ما جاء في آيات الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننتهي عن الظلم فلا يكون في البيوت ولا يكون في الأسواق ولا يكون بين الأصحاب فضلا عن أن يكون من الحكام أو غيرهم من أصحاب السلطة والقوة والقهر، وذلك صوره كثيرة وهو الظلم العام الأشد خطراً والأوسع ضرراً والأكثر فيما تترتب عليه العقوبة الدنيوية قبل الأخروية، { وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ } [هود : 113] وكم نركن إلى ظالمين وكم نجد الظالم وعنده أعوان يعينونه على ظلمه وينتفعون منه ويركنون إليه ويعتمدون عليه، فهل ترون ظالما واحدا يستطيع أن يصنع كل ذلك البغي والقهر والظلم؟ كلا، لولا أن له أعوان.

ومما يذكر في ذلك عن الإمام أحمد عندما كان في سجنه أو كان يسجن، وكان سجانه يخشى أن يكون من أولئك - أي من الذين ركنوا إلى الظلمة- قال: لا أنت من الظلمة، لست من الذين ركنوا إلى الظلمة أنت من الظلمة أنفسهم.وهذه دوائر كثيرة ينبغي أن ننتبه لها ونحذر منها { فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } [هود : 116]

اتق دعوة المظلوم

ايها المسلمون : أتدري ما هي دعوة المظلوم؟! دعوة المظلوم تلك الدعوة التي تفتح لها أبواب السماء.. وقد تكفل الله تعالى بنصرة صاحبها! ودعاء المظلوم دعاء يخرج من قلب صادق في دعائه مخلص في توجهه موقن بالنصر، وإن كان صاحبه فاجرًا! ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا بن جبل رضي الله عنه  إلى اليمن زوده بالوصايا الغالية في الدين والدنيا.. ومن هذه الوصايا قوله صلى الله عليه وسلم «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب!». [رواه البخاري ومسلم]. وفي ذلك إشارة واضحة إلى خطورة الظلم، وعواقبه الوخيمة.. وقدر كيف ستكون حال دعوة ليس بينها وبين الله حجاب؟! إن دعوة المظلوم دعوة خرجت من قلب اكتوى بنار الظلم.. فهي إذا خرجت؛ فكأنما تخرج من نار مستعرة! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرار!!». [رواه الحاكم والديلمي في المسند فيا غافلاً عن دعاء فتحت له أبواب السماء، احذر! واعلم أن نصر من ظلمته سينزل قريبًا! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تحمل على الغمام، يقول الله جل جلاله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين!». [رواه الطبراني وغيره فالمظلوم مستنصر بالله تعالى.. ولن يضيع مستعيذ بالله تعالى! كان يزيد بن حاتم يقول: «ما هبت شيئًا قط هيبتني من رجل ظلمته، وأنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله، فيقول: حسبك الله، الله بيني وبينك!». وقال بلال بن مسعود: «اتق الله فيمن لا ناصر له إلا الله!». فيا ظالمًا للضعيف! أتنام آمنًا؟! وها هي الأكف التي ظلمتها ترفع بالدعاء عليك.. وأنت غافل لا تشعر! قال أبو الدرداء رضي الله عنه : «إياك ودمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام!». فما أشد سواد الليل على الظالمين! فكم من دعاء فيه مستجاب.. وكم من ظالم أذن في هلاكه عند الصباح! فيا غافلاً احذر سهام الليل! فكم من ظالم أردته! وكم من باغ مع الأموات أسكنته! فراجع نفسك أيها الظالم.. وتب.. وأعط المظلوم حقه.. قبل أن يرفع كفه للقوي.. ناصر كل مظلوم! ولتعلم أيها الظالم أن الله تعالى يجيب دعاء المظلوم ولو كان كافرًا! فيهلك من أجله الظالم، ولو كان من أتقى خلقه!! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوة المظلوم وإن كان كافرًا، ليس دونها حجاب!». [رواه أحمد  احذر الظلم.. احذر الظلم.. فإنه بضاعة الهالكين.. ودمار الغافلين!

ـــــــــــــــــــــــــــ