ليلة القدر

التاريخ: الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 الساعة 12:00:00 صباحاً
ليلة القدر

 

الدكتور محمد راتب النابلسي 

يقول الله عز وجل  :

"إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ {1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ {2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ {3} تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ {4} سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ"

نلمح من هذه السورة إشارة إلى وقتين  ( ليلة القدر ) ( ألف شهر )

ونلمح في قوله تعالى :

 "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ"

نلمح ومضة لمعنى ليلة القدر، أي أن نعرفه حق المعرفة، وأن نعبده حق العبادة، وأن نقدره حق قدره، عندئذ يمكن أن يصل الإنسان في وقت قصير إلى ما لا يصل إليه في عمر مديد، إنّ حقيقة ليلة القدر هي اتصالُ هذا الكائنِ الإنسانيّ الصغيرِ، الضعيف، الفاني، المحدود، بالأصل المطلقِ، الأزليّ، الباقي، الذي خلق هذا الوجودُ، وعندئذٍ ينطلقُ هذا الإنسانُ من حدود ذاته الصغيرة، إلى رحابةِ الكون الكبير، مِن حدودِ قوته الهزلية، إلى عظمة الطاقات الكونية المخبوءة، من حدود عمره القصير، إلى امتدادِ الآبادِ التي لا يعلمُها إلا اللهُ، هذا الاتصالُ فضلاً عن أنه يمنحُ الإنسانَ القوةَ، والامتدادَ، والانطلاقَ، فإنه يمنحُه السعادةَ الحقيقيةَ التي يَلْهَثُ وراءها الإنسانُ، وهي سعادةٌ رفيعةٌ، وفرحٌ نفيسٌ، وأُنْسٌ بالحياةِ وهو كَسْبٌ لا يعدِلُه كسبٌ، وفقدانُه خسرانٌ لا يعدِله خسرانٌ، وعبادةُ إلٍه واحدٍ ترفعُ الإنسانَ عن العبوديةِ لسواه، فلا يذلّ لأحد، ولا يحني رأسَه لغير الواحد القهار.

وحين يتجلى الله على قلب المؤمن في ليلة القدر بصفات العز والكبرياء، تنبعث في نفس المؤمن حالة انكسار لعزته، وخضوع لكبريائه، وعندها يخشع القلب والجوارح لله فتغشى المؤمن السكينة والوقار في القلب والجوارح واللسان.

وحين يتجلى الله على قلب المؤمن في ليلة القدر بصفات الجمال والكمال تنبعث في قلب المؤمن محبة لله دونها كل محبة.

وحين يتجلى الله على قلب المؤمن في ليلة القدر بصفات الرحمة والبر واللطف والإحسان فتنبعث في نفس المؤمن قوة الرجاء، وينبسط أمله، ويقوى طمعه بفضل الله.

وحين يتجلى الله على قلب المؤمن في ليلة القدر بصفات الأمر والنهي، والعهد والوصية تنبعث في قلب المؤمن  قوة الامتثال والتنفيذ لأوامره، والاجتناب لنواهيه، والتبليغ لها والتواصي بها.

وحين يتجلى الله على قلب المؤمن في ليلة القدر بصفة السمع والبصر والعلم تنبعث في نفس المؤمن قوة الحياء من ربه، أن يراه حيث نهاه، وأن يفتقده حيث أمره.

وحين يتجلى الله على قلب المؤمن في ليلة القدر بصفات الكفاية، والقيام بمصالح العباد، وسوق أرزاقهم إليهم، ودفع المصائب عنهم، ونصر أوليائه، وحمايته لهم، تنبعث في المؤمن قوة التوكل عليه، والتفويض إليه، والرضا بقضائه وقدره.

وحين يتجلى الله على قلب المؤمن في ليلة القدر بصفات العدل والانتقام، تنقمع في نفس المؤمن كل شهوة لا ترضي الله، وكل حركة تبعد عن الله.

وبعد هذا الاتصال بالله واجب الوجود، كامل الصفات، واحد أحد، فرد صمد، يغدو هذا الإنسان،  الصغيرِ، الضعيف، الفاني، المحدود ... نيّر الذهن والقلب معاً، حاد البصر والبصيرة جميعاً ويغدو هذا الإنسان منغمساً، في سعادة لا تقوى متع الأرض الحسية أن تصرفه عنها، ولا تستطيع سبائك الذهب اللامعة، ولا سياط الجلادين اللاذعة أن تقوضها .

   وعندئذ يرى مالا يراه الآخرون، ويشعر بما لا يشعرون، يتمتع بوعي عميق، وإدراك دقيق، له قلب كبير، وله عزم متين، وإرادة صُلبة، وهدفه أكبر من حاجاته، ورسالته أسمى من رغباته، يملك نفسه، ولا تملكه، ويقود هواه ولا ينقاد له وتحكمه القيم، ويحتكم إليها، من دون أن يسخِّرها، أو يسخَر منها، سما حتى اشرأبت إليه الأعناق، وصفا حتى مالت إليه النفوس لقد صلحت أوتار قلبه ففاض رحمةً، وشفقةً، وحباً، وحناناً، ومعانياً لطافاً، وشعوراً رقيقاً، حتى جاوز في سموه الملائكة المقربين، يكبر هذا القلب  ولا نرى كبره، فيتضاءل أمامه كل كبير.

 أما حينما يغفل الإنسان عن ربه، ويتفلت من منهجه، وينقاد إلى هوى نفسه،  فعندئذ تفسد علاقته بعقله، فيعطله، أو يرفض نموَّه وتطوره، أو يسيء إعماله، فيسخره لأغراض رخيصة دنيئة، عندها يكون الجهل والتجهيل، والكذب والتزوير؛ وتفسد علاقته بنفسه، فتَسفُل أهدافه، وتنحط ميوله، ويبيح لنفسه أكثر الوسائل قذارة، لأشد الأهداف انحطاطاً، عندها تكون أزمة الأخلاق المدمرة، التي تسبب الشقاء الإنساني وحينما ينحطّ الإنسان يتحول عن عبادته لربه إلى عبادته شهواته.  وتعتمد علاقتَه بالآخرين على القوةُ لا على الرحمة، وعلى العنف لا على التفاهم والحوار، وينصرف الإنسان عن العناية بالنفس إلى العناية بالجسد، وعن الاهتمام بالمبدأ إلى الاهتمام بالمصلحة، ويتحول المجتمع كله إلى غابة يحسّ كل واحد فيها أن من حقه افتراس الآخرين، كما أنه من الممكن أن يكون فريسة لأي واحد منهم !. هذا هو مجتمع الغاب، وعندها تعيش الأمة أزمة حضارية، تعيق تقدمها، وتقوِّض دعائمها، كما ترون وتسمعون في العراق وفلسطين، وفي بلاد إسلامية أخرى.

ولاشيء يسقط الإنسان عند الله وعند الناس  كالتناقض والكيل بمكيالين، طالبة في بلد غربي بعيد، ترتدي ثياب الشاذات الذي تنكره شرائع الأرض والسماء لأنه يخالف فطرة الإنسان، يمنعها مدير الثانوية من الدخول إلى المدرسة، فيقيم والدها دعوى على إدارة الثانوية ويحكم لها القاضي بمبلغ فلكي تعويضاً لها لأن المدير تدخل في حريتها، وفتاة مسلمة في بلد غربي قريب، تضع على رأسها قطعة قماش، تطبيقاً لتعاليم دينها الإسلامي الذي ينهى عن التبذل والذي يدين به ربع سكان الأرض تقوم الدنيا ولا تقعد من أجل حجابها، وانتخابات لا تصح في بلد عربي، لأن فيه قوات عربية صديقة، بينما تصح في بلد عربي آخر، وفيه قوات أجنبية معتدية محتلة، ودولة قام كيانها على العدوان تمتلك مائتي رأس نووي تهدد بها أمن المنطقة، لا تحاسب، بل يوصف رجلها الأول بأنه بطل سلام، ودولة مسلمة، تحاول أن تستخدم الطاقة الذرية لأغراض سلمية تقوم عليها الدنيا ولا تقعد، وقتل امرئ في بلدة جريمة لا تغتفر، وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر، وفدية ركاب طائرة غربيين أسقطت تقترب من ثلاثمائة مليار من الدولارات، بينما العالم الغربي يتدخل بكل وزنه لإطلاق سراح ممرضات حقن أربعمائة طفل مسلم بفيروس الإيدز من دون أي تعويض.

قال تعالى : "وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ، فَلا تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيز ٌذُو انْتِقَامٍ".

وقال تعالى : "يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَه"ُ

فأعداء الحق، وأعداء الخير، وأعداء الجمال، لا يستطيعون قهر المؤمنين الصادقين

بقوتهم، ولا يستطيعون إخفاء الحقيقة بإعلامهم.

ذلك بأن المعركة بين حقين لا تكون؛ لأن الحق لا يتعدد، قال تعالى :"وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ".

أي ينبغي أن يكون عدوكم عدو الله حصراً لأن الحق لا يتعدد.

والمعركة بين حق وباطل لا تطول لأن الله مع الحق، فإذا كان الله معك فمن عليك.

 قال تعالى:  "وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا".

 وقال تعالى: "كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ".

وأما المعركة بين باطلين لا تنتهي، عندئذ النصر للأقوى، لمن يملك السلاح المتطور، والموارد المتنوعة، والإعلام المتمكن، قال تعالى :"فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"

والآن إلى ورقة العمل:

يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً أن النصر من عند الله حصراً، ولمن يدفع ثمنه، ويحقق شروطه، فالتعامل مع الله لا يكون بالعواطف، ولا بالتمنيات، قال تعالى :"لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه ِوَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا"

بل يجب أن يكون التعامل مع الله وفق السنن التي سنها الله، قال تعالى :"فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا".

وقال تعالى:" إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ".

فالشرط الأول للنصر، وهو شرط لازم غير كاف، إنه الإيمان الذي يحملنا على طاعة الله، قال تعالى:  وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ وما لم يقترن الإيمان بالاستقامة والعمل الصالح، فلا قيمة له، وليس منجياً، الشرط الثاني للنصر، وهو أيضاً شرط لازم غير كاف، وهو الإعداد، قال تعالى : وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ

فالمؤمنون بمجموعهم، مأمورون بإعداد العدة، ليواجهوا بها قوى البغي والعدوان، فكلمة ما استطعتم تعني استنفاد الجهد، لا بذل بعض الجهد، والقوة التي ينبغي أن يعدها المؤمنون جاءت مُنكَّرة تنكير شمول، ليكون الإعداد شاملاً لكل القوى التي يحتاجها المؤمنون في مواجهة أعدائهم؛ من دقة في التخطيط، وقوة في العَدد، وقوة في العُدد، و قوة في الإعداد والتدريب، وقوة في الإمداد، وقوة في التموين، وقوة في الاتصالات، وقوة في جمع المعلومات، وقوة في تحديد الأهداف، ودقة في الرمي، وقوة في الإعلام.

وهذا ينقلنا إلى مراحل الجهاد الذي يسبق الجهاد القتالي، فلا بد من جهاد دعوي، يعرف الإنسان بسر وجوده وغاية وجوده، من أين، وإلى أين، ولماذا؟ وبرسالته في الحياة، من خلال القرآن، قال تعالى : وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا، ويليه جهاد نفسي، وهو حمل النفس على أن تأتمر بأمره، وأن تنتهي عما عنه نهى وزجر، قال تعالى : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، فالمهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة، ويليه الجهاد البنائي، وهو أن نستخرج الثروات، وأن نطور الصناعات، وأن نستصلح الأراضي، وأن نبني السدود، وأن نفجر الطاقات، وأن نهيئ فرص العمل للشباب، وأن نزوج الشابات، فإذا نجحنا في الجهاد الدعوي، والجهاد النفسي، والجهاد البنائي، ينتظر أن ننجح في الجهاد القتالي.

اللهم انصرنا على أنفسنا، حتى ننتصر لك، فنستحق أن تنصرنا على أعدائنا، اللهم  يا رب إن أعداءك، وأعداءنا يقولون كما قالت عاد من قبل: من أشد منا قوة، يا رب لقد غاب عنهم بغرورهم أنك أشد منهم قوة، اللهم إنا نسألك بدموع الأطفال وبكائهم، وبخشوع الشباب وتضحياتهم، وببطولة الشابات والتزامهن، وصلاح الأمهات ووعيهن، وبركوع لشيوخ ودعائهم أن تجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وأن تحفظ أهله من كل سوء، فهو يستظل بظل كتابك، ويهتدي بهدي نبيك، وأن تحفظ سائر بلاد المسلمين،

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

متابعات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نفسٌ مطمئنةٌ بنور ربِّها

عناصر المادة 1- نورٌ وكتابٌ مبينٌ 2- الشهوات والحكمة من خلقها؟ 3- أسباب انتشار الشهوات المحرّمة 4- علاج الشهوات مقدمة: يصارع الإنسان خلال مراحل حياته المختلفة بعض الشّهوات الإنسانيّة، ولا شكّ أنّ كبح جماح هذه الشّهوات يشكّل تحدياً للإنسان الّذي يطمح إلى المثاليّة والكمال في حي

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص

التغيير الاجتماعي وصراع القيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصح