عائشة رضي الله عنها القدوة لبناتنا

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 22 فبراير 2020 الساعة 05:22:40 مساءً

كلمات دلالية :

الابناء
عائشة رضي الله عنها القدوة لبناتنا

الحمد لله الهادي إلى صراطٍ مستقيم، أحمده سبحانه على إحسانه القديم وفضله العَمِيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الإله الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله إمام المتقين وخاتم النبيين، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه الغُرِّ الميامين، والتابعين ومن سلك سبيلهم إلى يوم الدين.

اهمية الحديث عن عائشة رضي الله عنها:

حديثنا اليوم عن شخصيةٍ فذةٍ، وعَلَم من أعلامِ المسلمين، وحدث كبيرٍ من حفاظِ العلمِ والحديث، عن مكتبة متنقلة، وجامعة متحركة، تكمن في صدر شخصٍ توفي معلمُه ومربيه، وعمره ثمان عشرة سنةَ، إذا اختلفَ الناسُ سمعوا رأيها، وإذا فقد العلم بحثوا عنها؛ إنها امرأة لكنها ملأتْ الدنيا، إنها امرأة لكنها أعلم النساءِ على الإطلاق، إنها امرأة لكنها محدثة فقيهة، أديبة، فصيحة، خطيبة، قال أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه-: "كنا أصحاب رسول الله إذا أشكل علينا أمرًا، سألنا عائشة".

وقال الأحنف: "سمعت خطب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والخلفاء إلى يومي هذا، فما سمعت كلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن فيه من فم عائشة".

وقال عروة: "ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا بطب، ولا بشعر، من عائشة، ولو لم يكن لعائشة من الفضائل إلا قصة الإفك لكفى بها فضلاً وعلوًا ومجدًا، نزل فيها من القرآن إلى يوم القيامة".

مانزل فيها من قرآن :

قال تعالى في تزكيةِ أمِّ المؤمنين ومكانتِها وغيرِها من زوجاتِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾[الأحزاب: 6

لقول الله- تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 28- 29.

إذْ يقول الله- تعالى-: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 11.

الامتثال لأمر الله- عزَّ وجلَّ- لها ولنساء النبي- صلَّى الله عليه وسلَّم- من أمهات المؤمنين؛ إذْ يَقول- تعالى-: ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ [الأحزاب: 34.

 وقال الله تعالى عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة منهن رضي الله عنها (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴿32﴾  وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴿33﴾  وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ) سورة الاحراب 32-33)

 

ثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها رضي الله عنها :

أخرج البخاريّ ومسلم في صحيحيهما عن عمرو بن العاصِ رضي الله عنه أنّه سأل النبيَّ  : أيُّ الناس أحبّ إليك يا رسولَ الله؟ قال: ((عائشة))، قال: فمن الرجال؟ قال: ((أبوها))، وكفَى بهذا فضلاً وشرفًا عظيمًا.

وهي التي اختارَها الله تعالى زَوجًا لنبيِّه  ، كما جاء في الحديثِ الذي أخرجَه الشّيخان في صحيحَيهما عنها رضي الله عنها أنها قالت: قالَ رسول الله  : ((أُريتُكِ في المنامِ ثلاثَ ليالٍ، جاء بكِ الملكُ في سَرَقةٍ من حرير، فيقول: هذه امرأتُك، فأكشِفُ عن وَجهكِ فإذا أنتِ فيه، فأقول: إن يكُ هذا من الله يُمضِه)). ورؤيا الأنبياء وحيٌ لا شكَّ فيه.

وهي زوجُه في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديثِ الذي أخرجه الترمذي في جامعه بإسنادٍ جيّدٍ عنها رضي الله عنها أنَّ جبريل جاء بصورتها في خِرقة حريرٍ خضراء إلى النبيِّ  فقال: هذه زوجتُك في الدنيا والآخرة. وفي مستدرك الحاكم بإسنادٍ صحيحٍ عنها رضي الله عنها أنها قالت: قلتُ: يا رسول الله، مَن مِن أزواجك في الجنّة؟ قال: ((أما إنّكِ منهنّ)).

وقد أخبرها النبيُّ  بسلام جبريلَ عليه السلام كما جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحَيهما عنها رضي الله عنها أنها قالت: قالَ رسولُ الله  : ((يا عائشَة، هذا جبريل، وهو يقرأ عليكِ السّلام))، قالت: وعليه السلام ورحمةُ الله، ترى ما لا نرى يا رسول الله.

وبيَّن  فضلها على النساء بقوله: ((كمُل من الرّجال كثير، ولم يكمُل من النّساء إلا آسية امرأتُ فرعون، ومريم ابنةُ عمران، وفضل عائشةَ على النساءِ كفضل الثريد على سائرِ الطعام)) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما

صفات تميزت بها عائشة رضي الله عنها:

 الحياء :ان عائشة رضي الله عنها  اشتهرت رضى اللَّه عنها بحيائها وورعها. قَالَتْ: كُنْتُ أَدْخُلُ بَيْتِي الَّذِي دُفِنَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي فَأَضَعُ ثَوْبِي فَأَقُولُ إِنَّمَا هُوَ زَوْجِي وَأَبِي فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ مَعَهُمْ فَوَاللَّهِ مَا دَخَلْتُ إِلَّا وَأَنَا مَشْدُودَةٌ عَلَيَّ ثِيَابِي حَيَاءً مِنْ عُمَر(مسند أحمد) فهي من فرط حيائها تحتجب من الأموات, بل وكانت تحتجب من الحسن والحسين، في حين أن دخولهما على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حل لهما.

الكَّـرَم: كانت رضى الله عنها كريمة؛ فيُروى أنّ "أم ذرة" كانت تزورها، فقالت: بُعث إلى السيدة عائشة بمال في وعاءين كبيرين من الخيش: ثمانين أو مائة ألف، فَدَعت بطبق وهى يومئذ صائمة، فجلست تقسم بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك المال درهم، فلما أمست قالت: يا جارية هلُمي إفطاري، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها أم ذرة: أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشترى لنا لحمًا بدرهم فنفطر به. فقالت: لا تُعنِّفيني، لو كنتِ ذكَّرتينى لفعلت والشواهد على جودها وكرمها كثيرة.

الصَّـبْر: ولها رضي الله عنها في الصبر باع طويل؛ ذلك أنّها شاركت النبي في حياته التي يملؤها الجد والاجتهاد, والزهد والتقشف, تقول رضي الله عنها لِعُرْوَةَ ابْنَ أُخْتِها: ( إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثُمَّ الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ, فَقال: يَا خَالَةُ, مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ, إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا) البخاري .

ومن شواهد هذا الصبر ما رواه البخاري عن عائشة قَالَتْ: دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا, ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ, فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَأَخْبَرْتُهُ؛ فَقَالَ: "مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ" , فكل ما عندها تمرة, ثمّ تجود بها لتلك المرأة, فترى فيها قول الله سبحانه: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } .

الزُّهْـد: روى البخاري عنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ عنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ(ثياب غليظة) ثَمَنُه خَمْسَةِ دَرَاهِمَ؛ فَقَالَتْ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي, وانْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهَا تُزْهَى (تتكبر) أَنْ تَلْبَسَهُ فِي الْبَيْتِ, وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ (تتزين) بِالْمَدِينَةِ إِلَّا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ" ,

وَفِي الحديث دليلٌ على تَوَاضُعِ عَائِشَة رضي الله عنها، فهي تلبس ما يأبى الخدمُ أن يلبسوه, وَأَمْرُهَا فِي التواضعِ مَشْهُور, وَفِيهِ حِلْمُ عَائِشَة عَنْ خَدَمِهَا وَرِفْقُهَا فِي اَلْمُعَاتَبَةِ, وَإِيثَارُهَا بِمَا عِنْدَهَا مَعَ اَلْحَاجَةِ إِلَيْه .

وقال عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَقْسِمُ سَبْعِينَ أَلْفًا وَهِيَ تُرَقِّعُ دِرْعَهَا , فأيّ زهد أبلغ من هذا, يجتمع المال بين يديها فتنفقه, ثمّ تكتفي بثوب مرقّع؛ وهي رضي الله عنها "لاَ تُمْسِكُ شَيْئًا مِمَّا جَاءَهَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ إِلَّا تَصَدَّقَتْ" , ويُروى "أَنَّهَا سَاقَتْ بَدَنَتَيْنِ فَضَلَّتَا؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ بَدَنَتَيْنِ مَكَانَهُمَا فَنَحَرَتْهُمَا, ثُمَّ وَجَدَتِ الأُولَتَيْنِ فَنَحَرَتْهُمَا أَيْضًا, ثُمَّ قَالَتْ: هَكَذَا السُّنَّةُ فِي الْبُدْنِ .

عبـادتها: وهي رضي الله عنها الصّوامة القوّامة, فعَنْ عُرْوَةَ : أَنَّ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَصُومُ الدَّهْرَ فِى السَّفَرِ وَالْحَضَرِ , وعنه قال: كنت إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة أسلم عليها؛ فغدوت يوما فإذا هي قائمة تسبح وتقرأ "فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم", وتدعو وتبكي وترددها؛ فقمت حتى مللت القيام, فذهبت إلى السوق لحاجتي, ثم رجعت فإذا هي قائمة كما هي تصلي وتبكي .

ودخل عليها عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهِيَ صَائِمَةٌ وَالْمَاءُ يُرَشُّ عَلَيْهَا؛ فَقَالَ لَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَفْطِرِي؛ فَقَالَتْ: أُفْطِرُ؟ وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ الْعَامَ الَّذِي قَبْلَهُ" .

وهذا قليل من كثير, أردتُ بذكره الإشارة إلى عظيم أخلاقها, وحسن طويّتها رضي الله عنها, وإلاّ فلها في كل أبواب الخير يدٌ طولى رضي الله عناه وأرضاها.

وفاة عائشة رض الله عنها :

مرضتْ أُمُّ المؤمنين عائشة في آخِرِ حياتها مرضًا ألْزمها الفراشَ، وأحاطها الصحابةُ بعنايتهم واهتمامهم بصحَّتِها، فكان يدخل عليها بعضُ الصحابة الذين هم مِن قرابتها، مثل عبدالله بن عباس، فيُثني عليها؛ لتخفيفِ وطأة المرض عنها، ولم تكن تحبُّ أن تسمع مَن يُثني عليها، قالت - رضي الله عنها -: "أثنَى عليَّ عبدالله بن عباس، ولم أكن أُحبُّ أن أسمع أحدًا اليوم يُثني علي، لوددتُ أنِّي كنت نسيًا منسيًّا".

توفيت رضي الله عنها في خلافة معاوية رضي الله عنه ليلة الثلاثاء، السابع عشر من رمضان، سنة ثمان وخمسين من الهجرة، وهي ابنة ست وستين سنة، بعد مرض ألم بها حتى أنها شعرت بأنه مرض الموت، ولهذا أوصت: "أن لا تتبعوا سريري بنار، ولا تجعلوا تحتي قطيفة حمراء، وأن لا يُصلِّي علي إلا أبو هريرة" (الطبقات؛ لابن سعد، ج: [8/76]).ودُفِنت عليها رحمة الله بالبقيع من ليلتها بعد صلاة الوتر (البداية والنهاية، ج: [8/94])، بحسب وصيتها لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه، حيث قالت له: "ادفني مع صواحبي بالبقيع لا أزكي به أبدًا" (رواه البخاري، في صحيحه، ج: [3/255]).

الدروس التي نستفيدها من سيرة عائشة رضي الله عنها :

أهمية القدوة لبناتنا : فحديثنا عن عائشة رضي الله عنها نريد منه غرس القدوة الصالحة لبناتنا .

وتأثير القدوة يقع على أكثر من وجه:

* التأثير العفوي غير المقصود:

وهذا النوع من التأثير يعتمد على مدى إتصاف شخصية القدوة بصفات تدفع الآخرين إلى تقليده، كالتفوق العلمي، والإنضباط الأخلاقي، والتدين الصادق الذي لا يتناقض فيه الظاهر مع الباطن، ولا قول مع العمل، وفي هذه الحالة يصل القدوة إلى درجة التأثير في الآخرين، ويمثل النموذج الذي يسعى مَن حوله لأن يحاكيه ويكون على مثاله، ويصدق فيه قول القائل: فعل رجل في ألف رجل، خير من قول ألف رجل في رجل.

* التأثير المقصود:

 وهذا النوع واجبٌ على الآباء والأمهات والمربين والدعاة وكل من أنزله الله تعالى منازل التربية، وجعله رأساً يقتدى به، بدءاً من محيط الأسرة إلى ما هو أوسع من ذلك، وقد مدح الله تعالى طائفة من عباده أدركوا تلك المسؤولية وسألوه عزّ وجلّ أن يؤهلهم لها، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان :74] ولقد صلي النبي محمد صلى الله عليه وسلم مرة على المنبر كما روى ذلك الإمام مسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه قال ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليه فكبر وكبّر الناس وراءه، وهو على المنبر ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: «يا أيها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي.

¤ لماذا القدوة المسلمة الآن؟

بالنظر إلى واقع فتياتنا المعاصر وما يجدنه من كثرة الفتن والأهواء، وتكالب التحديات داخلية وخارجية عليهن، يؤكد أن بناتنا بحاجة ماسة للقدوة الحسنة المسلمة، وهي وإن كانت حاجة ماسة لكل عصر وزمان، فإن الحاجة إليها في عصرنا الحاضر أصبحت أكثر إلحاحاً، لما تعانيه المجتمعات المسلمة من هجمة شرسة على المرأة المسلمة خارجياً وداخلياً، من مؤتمرات مشبوهة إلى دعاوى باطلة تحاول أن تطمس الحق وتزين الباطل لنسائنا وبناتنا، إضافة إلى تغييب متعمد لظهور القدوات الصالحات وإبرازهن إعلامياً، في حين لا يخفي بروز قدوات نسائية فاسدة خلقياً وفكرياً، مما يشكل خطراً على الفتاة إن لم يربطها الوالدان مبكراً بالقدوات الصالحات.

ويزيد من قوة تأثير هذه الدعاوى أمران خطيران:

ـ ضعف البناء العقدي لبعض فتياتنا، وعدم وعي بعض الأسر المسلمة بأهمية تكوين قاعدة ثقافية إسلامية لدى الفتاة المسلمة، تمكنها من الثقة في عقيدتها ومنهجها، والمدافعة والوقوف في وجه مثل هذه التيارات.

ـ غياب المرأة المسلمة القدوة عن ساحة الإعلام أو الظهور بصفة عامة، ويقابله تشويه متعمد لصورة المرأة المسلمة، كما يقابل ذلك كم هائل من الغثائية الأنثوية التي لا تمثل قيم ومبادئ ديننا الحنيف بصورة صحيحة.

ولذلك كله فنحن بحاجة للقدوة المسلمة في محيط فتياتنا في المنزل، والمدرسة، وحلقات تحفيظ القرآن، وأن تتصف هذه القدوة بأنها إسلامية المنهج عصرانية الحياة، قادرة على التأثير في سلوك وتوجه فتياتنا، وأهم من ذلك أن تتمكن من تحقيق الإشباع والإحتواء العاطفي للفتيات، من خلال فهم النفسيات وتقدير خصائص المراحل العمرية، والرفق واللين وأن يكون شعارها نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159].

كما أن هناك جوانب أخرى في مسألة القدوة تستدعي التركيز والإهتمام، حتى يتكامل ربط الفتاة بالقدوات الصالحات، وبناء القدوة في شخصيتها الواعدة، مثل:

= إبراز القدوات الصالحات:

عبر التاريخ في الماضي -والذي يزخر تاريخنا الإسلامي بهن- ومن النابغات في الحاضر أيضاً، ومن القريبات إن وجدن في محيط العائلة أو الوسط الإجتماعي الذي تعيش فيه الفتاة. وتأتي على قمة هذه النماذج أمهات المؤمنين، والقدوات النسائية التي عينها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ*وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم:11-12]، وقال صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع، مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» متفق عليه، كل ذلك يقدمه الوالدان للفتاة مع إبراز جوانب الإقتداء وإتخاذ الأسوة الحسنة في تلك الشخصيات.

¤ التدقيق والرقابة على ما تراه الفتاة وتسمعه:

فنحن الآن في زمن السماوات المفتوحة، فإذا أهملت الفتاة وتُركت لتتشرب كل ما تشاهده أو تسمعه أو تقرأه من غثٍ وتافه وفاسد، فقد تنشأ وقد تبنت نماذج سيئة تحتذيها في السلوك والمظهر خارج النطاق الذي ينبغي أن يُقتدى به -يوسف رشاد: الأسلوب الأمثل في تربية البنات في الإسلام،ص:71.

¤ تربية الفتاة على أن تكون قدوة:

 والإعتزاز بالدين والثقة التامة في منهجه وأن تكون هي لمن حولها قدوة صالحة ومنارة هدى لمن حولها من فتياتنا الصغيرات، فإن إيجاد قدوة للفتيات من بينهن أمر يستحق التخطيط له والحرص عليه، ليصبح لدينا قدوة صغيرة في السن في مجال الدعوة، والإلتزام بالزي الشرعي، وفي التفوق العلمي والأدبي، ويمكن لذلك أن يتحقق من خلال تشجيع وتكريم ذوات الموهبة والقدرة على الإنجاز، فالتعزيز الإيجابي والتكريم يجعل منهن قدوة تسعى الأخريات للإحتذاء بها والسير على نهجها.

 

الأسرة ومقومات البيت المسلم

اهتم الإسلام اهتمامًا عظيمًا بصلاح البيوت؛ لأن الأسرة هي الدِّعامة الأساسية في صرح الأمة، واللبنة الأولى في تكوين المجتمع، فعلى قدر ما تكون اللبنة قويةً يكون البناء راسخًا منيعًا، وكلما كانت ضعيفة كان البناء واهيًا، آيلاً للانهيار والتصدع. فالبيت المسلم.. هو المدرسة الأولى الت

العنف الأسري

الحمدُ لله الوليِّ الحميد، الغفورِ الودود، ذي البطشِ الشديد، الفعَّالِ لما يُريد، ما شاءَ كان وما لم يشَأ لم يكُن، يعلمُ ما في السماواتِ وما في الأرض وخائنةَ الأعيُن وما تُخفِي الصدور، وهو ذو العرشِ المجيد، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له.وأشهدُ أن محمدًا عبدُ الله ور

حقوق الآباء على الأبناء

الخطبة الأولى إخوة الإيمان، أتباعَ النبي العدنان صلى الله عليه وسلم، نعيش في هذا اليوم الطيب المبارك مع حقوق الآباء على الأبناء في الشريعة الغراء في زمان قلَّ فيه الوفاء للآباء والأمهات، وظهرت في بلاد الإسلام دُور المسنين والعجزة؛ حيث يتخلص الأبناء من آبائهم وأمهاتهم بإيداعهم في