فصل الشتاء وما فيه من الأحكام

التاريخ: الخميس 5 ديسمبر 2019 الساعة 05:45:39 مساءً

كلمات دلالية :

الشتاء
فصل الشتاء وما فيه من الأحكام

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾  [الأحزاب: 70، 71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار، أعاذني الله وإياكم وسائر المسلمين من النار، ومن كل عمل يقرب إلى النار، اللهم آمين.

امتنَّ الله سبحانه وتعالى على خلقه عمومًا، وعلى الناس خصوصٍا، وعلى المؤمنين بأخصِّ الخصوص، امتنَّ عليهم بهذا الزمن الذي يعيشون فيه، وهذا الوقت الذي يحيون فيه، وهذا العمر الذي يتمتعون فيه، فهل يؤدي خلقُ الله ما أمرهم به من العبادة في هذا الزمن، في هذا العمر؟

عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى خلق الأيام، وكوَّن منها الأسابيع والشهور والأعوام، وتلاها بالأزمنة والدهور التي لا يعلم مقدارها إلا علَّام الغيوب، وجعلها مختلفة، فمنها صيف وشتاء، وخريف وربيع، وكلٌّ فيه من نعم الله على الإنسان ما لا يُحصى ولا يُعد.

ونحن في فصل الشتاء نستغيث الله، ونستسقي الله الغيث، فاللهم أغِثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثًا مغيثًا سحقًا غَدقًا طبقًا هنيئًا مَرِيعًا مُربعًا، سُقْيَا رحمةٍ لا سقيا عذابٍ ولا هدمٍ، ولا غرق ولا بلاء ولا فتنةٍ.

ندعو الله؛ فيحرِّك الله الهواء، فتتحرك الرياح، ونحتاج عند تحريك الرياح إلى ذكر الله، ثبت عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: (هَاجَتْ الرِّيحُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَبَّهَا رَجُلٌ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا تَسُبَّهَا، فَإِنَّهَا مَأمُورَةٌ)؛ (أخرجه عبد بن حميد) (167)، انظر الصحيحة تحت حديث: (2756).

 (الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ)؛ أَيْ: بِمَعْنَى الرَّحْمَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ، إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ ﴾؛ أَيْ: يُرْسِلُهَا اللهُ تَعَالَى مِنْ رَحْمَتِه لِعِبَادِهِ؛ عون المعبود (11/ 133).

"فَرَوْحُ اللهِ تَأتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأتِي بِالْعَذَابِ)؛ (أبو داود) (5097)، (فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ، وَخَيْرِ مَا فِيهَا، وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ)؛ رواه الترمذي (2252).

رحمة: رحمة على عباده ومخلوقاته، رحمة على نباتاته وأرضه، يسقي الأرض الميتة، فتُصبح حيَّة، ذكر الله عند هبوب الرياح إذا هبَّت نذكُر الله سبحانه وتعالى بأذكار فيها الخير، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ)، قَالَ: "اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ"، قَالَتْ: (وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ، سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ)، قَالَتْ عَائِشَةُ: (فَسَأَلْتُهُ؟!)، فَقَالَ: (لَعَلَّهُ، يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ﴾ [الأحقاف: 24]، رواه مسلم، 15 (899).

ستُّ كلمات تدعوها عند الريح، ثلاثة في الخير، وثلاثة في دفع الشر.

"اللهُمَّ إِنَّا أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ"، وفي رواية عند الترمذي (2252): "وخير ما أُمرت به".

وأما الشر فـ"نعوذ بالله من شرها، هَذِهِ الرِّيحِ، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ"، أو "ما أُمرت به"، فالريح مأمورة من الله سبحانه وتعالى، لا تسبُّها، ولكن اسْأَلِ الله أن يأتيك بخيرها، ويصرف عنك شرَّها.

وبتحرُّك الرياح تتحرَّكُ السحبُ في السماء، بأمر الواحد الديان، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم له شأن عند تغيُّم الغيوم، وعند تخيُّل السماء، والناس يفرحون كثيرًا، إذا اسودَّت الدنيا؛ يعني عندهم يكون خيرًا بعدها، والنبي صلى الله عليه وسلم عنده أمرٌ آخر، إذا رأى الغيوم تغيَّر حاله، كما قالت عائشة رضي الله عنها، ودخل وخرج، أو خرج ودخل، ولم يسترح صلى الله عليه وسلم حتى تُنزِلَ ما فيها، فسئل صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ قال: بهذا عذب قوم، قال قوم عاد: (هذا عارض ممطرنا)، بهذا عذب قوم.

هذا الذي تراه أسودَ أنت لا تعلم ما فيه، وبعض الناس في هذا الزمان نسمع من أخبارهم أنهم يُدَمَّرون بالسيول الجارفة في المناطق الشرقية - منطقة الهند والسند - وفيضانات في الغرب شديدة جدًّا، فأنت لا تعلم، وبما أنك عبدٌ لله تؤمن برسول الله، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدك في مثل هذه الحالات أن تسأل الله الخير، فإذا نزلت حبيباتُ المطر، قال صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا»؛ رواه البخاري (1032)، صيِّبًا يصيب هدفه، بما فيه من البركات والخيرات، نافعًا ينفع المخلوقات بما فيهم الإنس والحيوانات.

"اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا"، بعض الناس مثلي ومثلكم، إذا بدأت زخَّات المطر، يجري الناس والنساء إلى أحبال الغسيل يجمع غسيلهم، والسلف الصالح كانوا يفعلون غير ذلك اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم عند نزول المطر، فقد ثبت عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: (أَصَابَنَا مَطَرٌ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَحَسَرَ)؛ أي: كشف (ثَوْبَهُ عَنْهُ حَتَّى أَصَابَهُ)، فَقُلْنَا: (يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟!) قَالَ: "لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ"؛ رواه مسلم 13- (898).

الآن خُلِق هذا المطر ما بين مسافة البخار الذي في السماء إلى أن نزل إلى الأرض، هذا جديد، فهو يتعرض له؛ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: (كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما إِذَا مَطَرَتِ السَّمَاءُ يَقُولُ: يَا جَارِيَةُ، أَخْرِجِي سَرْجِي، أَخْرِجِي ثِيَابِي)، وَيَقُولُ: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا ﴾ [ق: 9]؛ رواه البخاري في الأدب المفرد (1228)، ليس كحالنا نخبئ كلَّ شيء سريعًا، لا فهو يعرضها للبركات النازلة من السماء، لماذا؟ الماء النازل من السماء ماء مبارك، ماء طهور.

يرافق ذلك يا عباد الله الرعد، ويرافقه البرق، وترافقه الصواعق، فيصيب بها من يشاء من عباده سبحانه، فعند الرعد الذي يسبقه البرق اذكُر الله، هكذا علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر الله عند كلِّ حدث كوني، له ذكر معين، وإن لم تعلم الذكر المعيَّن، فاذكر الله الذكر المطلق، وهو أن تسبِّح الله؛ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ: (سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ)، ثُمَّ يَقُولُ: (إِنَّ هَذَا لَوَعِيدٌ لأَهْلِ الأَرْضِ شَدِيدٌ)؛ رواه مالك في موطئه (2839).

وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الرعد ملك من الملائكة، اسم ملك رعد، يسوق السحاب بمخراق من نار معه؛ حيث شاء الله، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فعندما سأله اليهود: (قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَا هَذَا الرَّعْدُ؟)، قَالَ: "مَلَكٌ مِنْ مَلائِكَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ بِيَدِهِ - أَوْ فِي يَدِهِ - مِخْرَاقٌ مِنْ نَارٍ، يَزْجُرُ بِهِ السَّحَابَ، يَسُوقُهُ حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ"، قَالُوا: (فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ؟)، قَالَ: "صَوْتُهُ"؛ رواه أحمد (2483).

قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ السَّحَابَ، فَيَنْطِقُ أَحْسَنَ الْمَنْطِقِ، وَيَضْحَكُ أَحْسَنَ الضَّحِكِ»؛ رواه أحمد (23686)، والحديث صحيح.

ومنطقه التسبيح بالرعد، الرعد هذا تسبيح لله سبحانه وتعالى، والبرق هو ضحك السحاب.

عباد الله، إذا ازدادت الأمور بعد أن دعونا الله دعاء الاستسقاء، فجاءت الأمطار، وكانت بغزارة خفَّف الله عن هذه الأمة أمورًا نذكُرها بإيجاز، ففي الشتاء يتلفَّف الناس بالعباءة والثيابِ الثقيلة خوفًا من البرد، فأباح لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أمورًا تخفيفًا عنهم، إما تخفيفا كلِّيًّا، أو تخفيفًا جزئيًّا.

أما التخفيف الجزئي، فبالمسح على الخفين بدلَ أن تغسل رجليك في كلّ وضوء، فاغسلها مرة كل أربعٍ وعشرين ساعة، توضأ وضوءًا كاملًا، والْبَس الجوربين أو الخفين، فإذا انتقض وضوءك بعد مدة، وأردت أن تتوضأ، فامسح على الخفين من أعلى لا أسفل، ويبقى إلى ميعاد هذا الوقت يمسح إلى اليوم التالي، ويبقى وضوؤك، وتبقى متوضئًا حتى لو انتهى الوقت، وانتهى وقت المسح، يبقى الوضوء كما هو على طهارة، حتى تنتقض طهارة الوضوء، وهذا تخفيف جزئي، أما التخفيف الكلي - وهو التيمم - فهذا ما نعانيه إذا انقطعت الكهرباء وانعدم الغاز ووسائل التسخين، واستيقظنا لنصلي صلاة الصبح، وأصبح إنسان على جنابة، يريد الاغتسال، ماذا نفعل؟ أباح لنا النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحالة أن نتيمَّم بمعنى: نقصد الصعيد الطيب وجه الأرض، فنضرب الأرض بالكفين، ثم ننفخ فيهما، ثم نمسح بهما الوجه والكفين، وتصبح بذلك طاهرًا، وكل ما كنت تفعله بالطهارة بالماء، تفعله الآن بالتيمم؛ من الصلاة وتلاوة القرآن ومسه، ونحو ذلك بالتيمم، فالتيمم رخصة، فإذا أضحى الضحى وطلعت الشمس، وتسخَّنت الحمامات، أو جاءت أدوات التسخين الأخرى من كهرباء أو غاز، وجب عليك أن تغتسل ولا إعادة عليك.

ومن رحمة الله سبحانه وتعالى بنا، التشديد في صلاة الجماعة في المساجد، لكن وقتَ نزول الأمطار الشديدة، والبرد الشديد، والرياح الشديدة، والظلمة الشديدة إذا وجدت، سُمِح للمؤذن أن يقول بعد حي على الصلاة، حي على الفلاح: "صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ"؛ رواه ابن ماجه (938)، وأحمد (2503)، أو «صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ»؛ متفق عليه، (البخاري) (901)، (مسلم) 26- (699)، أو «أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ»؛ متفق عليه، (البخاري) (632)، (مسلم) 22- (697)، أو «الصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ»؛ رواه البخاري (668)، كلها كلمات يأخذ ما شاء منها.

وثبت عن نعيم النحام فيما رواه أحمد (17934) قَالَ: (نُودِيَ بِالصُّبْحِ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ، وَأَنَا فِي مِرْطِ امْرَأَتِي، فَقُلْتُ: لَيْتَ الْمُنَادِيَ قَالَ: مَنْ قَعَدَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ أَذَانِهِ: «وَمَنْ قَعَدَ فََا حَرَجَ عَلَيْهِ»)، يعني لو بقي في بيته، وصلى في بيته لا حرج عليه، فقال: (ومن قعد فلا حرج)؛ تخفيفًا على هذه الأمة.

ومن التخفيف على الأمة: الجمع بين الصلوات عند نزول الخيرات من السماء، فعند نزول الأمطار يجوز أن تجمع تقديمًا أو تأخيرًا العشاء إلى المغرب، أو المغرب مع العشاء، أو الظهر مع العصر، أو العصر مع الظهر، كل ذلك جائز إن شاء الله، وأكثرنا يجمع جمع تقديم، لكن ليس للأسباب العادية، كأن تهبَّ بعض الرياح، أو ينزل بعض الرذاذ، فيسارع الناس إلى الجمع في الجماعة، لا يا عباد الله، بل لا بد من أن يكون هناك شيء تتأذى منه في الطريق ونحوها.

هذا هو التخفيف على هذه الأمة في هذا الفصل، فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا حضر الشتاء تعاهدهم، وكتب لهم بالوصية: (إن الشتاء قد حضر، وهو عدوٌّ، فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب، واتخذوا الصوف شعارًا ودثارًا، فإنَّ البردَ عدوٌّ سريعٌ دخولُه، بعيدٌ خروجُه)، وإنما كان يكتُب عمر إلى أهل الشام لما فتحت في زمنه، فكان يخشى على مَن بِها من الصحابة وغيرهم ممن لم يكن له عهد بالبرد أن يتأذى ببرد الشام، وذلك من تمام نصيحته، وحسن نظره، وشفقته وحياطته لرعيته رضي الله عنه؛ لطائف المعارف لابن رجب (ص: 330).

والشتاء نفسه ليس عدوًّا، لكن ما فيه من البرد، بين ذلك قول عمر بعد ذلك أن استعدوا له باللباس والثياب والجوارب؛ لأن البرد إذا دخل سهل، لكنه بعد ذلك يستصعب خروجه، فدخول البرد إلى الإنسان سهل جدًّا، لكن خروجه ليس بالسهولة، بل بصعوبة، ويتبع ذلك آلام وأمراض أنتم تعرفونها جميعًا.

ألا فلنحمد الله على هذه النعم، الشتاء فيه فواكه لا توجد في الصيف، وكذلك الصيف فيه فواكه لا توجد في الشتاء، الشتاء قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ"؛ رواه أحمد (18959).

فالمؤمن يغتنم الفرص التي في المواسم الطيبة والحسنة، فيكثِر إذا كان عنده نشاط، ولا يقطع العبادة إذا صار عنده كسل وفتور، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الآخرة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:

ففي الشتاء يشتد البرد، ويحتاج الناس إلى التدفئة بكثرة الملابس ونحوها، ويحتاجون إلى تدفئة الأجواء الداخلية في البيوت، فيستخدمون المدافئ والدفايات التي تشتغل على الكهرباء، أو على الغاز، أو على الفحم، أو على الكاز، أو على الكيروسين، مواقد ولكن من ورائها خطر شديد، فإما أن تحرق أو تخنق، فحذار يا عبد الله أن تخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا بإطفاء المصابيح إذا أردنا أن ننام، فقال: "وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً، وَلَا يَكْشِفُ غِطَاءً، وَإِنَّ الْفَأْرَةَ الْفُوَيْسِقَةَ تُحْرِقُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ..."؛ رواه ابن حبان (1273)، (الصحيحة) (2974)، لئلا يجرَّ ذلك إلى ما لا تحمد عقباه.

وأخبر صلى الله عليه وسلم بذلك؛ لأن مصابيحهم كانت قديمًا عبارة عن إناء يوضع فيه زيت وفتيل، وبعد ذلك يوقدونه، فإذا بقي هذا ليلًا والناس نيام، تأتي الفأرة الصغيرة التي تدخل البيوت، فتجر الفتيل، هي من جهة تجر الزيت، ومن الطرف الآخر تجر النار، فتوزع النار على البيت من فوق الألحفة والفراش والغطاء، فأحرقت على أهل بيت بيتهم، سواء كان هذا السبب أو غيره.

فأطفئ المصباح الذي فيه النار، وأنتم ربما عند كل واحد منكم قصة؛ كيف أشعل بعضهم دفايات الكيروسين والكاز، أو الفحم، فاختنقت عائلة بأكملها، وبعض الناس كان يشعل المدفأة التي تعمل على الكهرباء، وانطفأت الكهرباء، فالمرأة نسيتْ ووضعت ملابس أطفالها على هذه المدفأة، وخرجوا في زيارة لأهلهم فاحترق بيتهم؛ لأن الكهرباء بعدهم جاءت، فأشعلت الملابس واشتعل ما حولها، فاعتبروا يا عباد الله، لا تخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي حالة ما يحتاج الناس - كما قال العلماء - للإضاءة الخافتة ليلًا لامرأة تقوم على أطفالها الصغار بالإضاءة ونحوها، أو على إنسان يُمرِّض مريضًا، لا مانع إذا أمنت الحرائق، وإذا أمن الاختناق، كل هذا من باب الحرص على حياتك أيها المسلم، فالله سبحانه وتعالى عندما شرع لنا هذا الدين، لم يشرعه لنا للتعذيب، وإنما لأسباب منها التأديب، فنحن عباد الرحمن، عباد لله عز وجل، لا بد أن نطيع الله، ونطيع رسوله الذي صلى عليه الله، وصلت عليه الملائكة، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارِك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين.

اللهم لا تدَع لنا في مقامنا هذا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرَّجته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا مريضًا إلا شفيتَه، ولا مبتلًى إلا عافيته، ولا غائبًا إلا ردَدته إلى أهله سالِمًا غانِمًا يا رب العالمين.

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾. [العنكبوت: 45].

خطبة عيد الاضحى المبارك

اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبر. اللهُ أكبرُ، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ ما هبت نسمات فجر هذا اليوم الأنور، اللهُ أكبر ما تنفس الصبح بهذا العيد الأكبر، اللهُ أكبرُ ما أشرقت شمس اليوم على الحجيج فأضاءت أجواء حرم الله الأطهر. ال

حديث حجة النبي صلى الله عليه وسلم

الحمد لله الكريم المنان، العزيز الوهاب؛ شرع المناسك لمنافع العباد، وكتب لهم بها الأجور العظام «فَمَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» «وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا مزيدا

الاذكار منابع الخير في ايام العشر

الحمد لله رب العالمين، يحب عباده الذاكرين، ويدخلهم جنات النعيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها المسلمون: أعلموا أيها الم