وأحسنوا إن الله يحب المحسنين

التاريخ: الأحد 13 اكتوبر 2019 الساعة 07:51:55 مساءً
وأحسنوا إن الله يحب المحسنين

قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:125].

 

وقال الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)} [فصلت:34-35].

 

الإحسان هو فعل الشيء الحسن، سواء كان المأمور به إحسانًا إلى الناس، أو إحسانًا إلى النفس، وقد رغب الله عباده في هذا وهذا بقوله: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:195].

 

وقال بعضهم في معنى العدل والإحسان: العدل أن تستوي السريرة مع العلانية، والإحسان أن تعلو السريرة وتكون أفضل من العلانية.

 

وكلما كان العبد أكثر إحسانًا إلى نفسه وإلى غيره كان أقرب إلى رحمة الله، وكان ربه قريبًا منه برحمته، كما قال سبحانه: {إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56].

 

وأعظم الإحسان الإيمان بالله، وتوحيده، وطاعته، والإنابة إليه، وأن تعبد الله كأنك تراه.

 

قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: «ما الإحسان؟»، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»(1).

 

ومرتبة الإحسان لا يصلها إلا الصالحون، الذين يستشعرون معية الله تعالى لهم على كل حال، فتراهم إذا كانوا بين الناس لم يدخل النفاق والرياء إلى قلوبهم، فمحبة الله تعالى وطلب رضوانه وحده قد استولت على قلوبهم، وهم إلى جانب ذلك إذا خلوا بأنفسهم مع الله تعالى وجدتهم أكثر الناس خشوعًا، وأغزرهم دمعة، فهم يعشقون الخلوة مع الله تعالى، ويستشعرون لذة مناجاته في قلوبهم؛ فتغنيهم عن العالمين.

 

وقد ذكر الله تعالى في محكم التنزيل حال عددٍ من المحسنين، فالذي ينفق أمواله في سبيل الله تعالى على الفقراء والمحتاجين هو من المحسنين، وكذلك من يعف عن الناس ويكظم غيظه إذا أغضبه أحدهم يعد من المحسنين، كما عد الله تعالى معاملة الوالدين في كبرهما بالمعروف والقول الحسن، وتعاهدهما بالرعاية والاهتمام نوعًا من أنواع الإحسان، ومن بين وجوه الإحسان كذلك أن يحسن الإنسان معاملته لجاره، فلا يجد منه ما يكره، وإنّ لفظ الإحسان يشتمل على كل عمل يحبه الناس، وكل خلقٍ كريمٍ يبتغي فيه الإنسان الله والدار الآخرة.

 

والإحسان في لغة القرآن الكريم يطلق بإطلاقين:

 

أحدهما: الإتقان والإجادة في العمل، والقيام بالطاعات على وجهها، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف:30]، وقوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه} [السجدة:7].

 

والثاني: التفضل على غيره بالعطاء والزيادة فيه.

 

وعلى ذلك نرى أن الإحسان هنا هو الإجادة والإتقان، وقد أمر الله سبحانه المؤمنين، بعد الأمر بالقتال، أن يجيدوا أعمالهم كل الإجادة، وأن يحتاطوا في كل ما هو متصل بحياتهم الشخصية وأحوالهم الاجتماعية، وشئون دولتهم وما يقيم أودها ويصلح أمرها؛ ففي الحرب جلاد وجهاد وفداء، وفي السلم إعداد واستعداد ومحبة وولاء، ومودة بينهم وإخاء؛ ليكونوا، كما وصف الله الأسلاف، {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهمْ} [الفتح:29]، {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة:54]، فإن لم يكونوا كذلك فقدوا عون الله ونصرته، بعد أن فقدوا عزة الإسلام وهدايته؛ لأن الله مع من يحسن، ولا يحب سواه؛ إذ قال: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:13](2).

 

ويدخل فيه الإحسان بالجاه، بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك الإحسان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس، من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم، وإعانة من يعمل عملًا، والعمل لمن لا يحسن العمل، ونحو ذلك مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضًا الإحسان في عبادة الله تعالى، وهو كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»(3)(4).

 

وحين تصل النفس إلى هذه المرتبة فإنها تفعل الطاعات كلها، وتنتهي عن المعاصي كلها، وتراقب الله في الصغيرة والكبيرة، وفي السر والعلن على السواء.

 

مقامات الإحسان:

 

وللإحسان مقامان، أوردهما الإمام ابن رجب في كتبه، وهما على النحو الآتي:

 

مَقام الإخلاص: وهو اجتهاد المؤمن في استحضار رؤية الله تبارك وتعالى له، واطِّلاعه عليه، وقُربه منه؛ فالمؤمن إذا استحضر رؤية الله تبارك وتعالى له في جميع عمله، وعَمِل بناءً عليها، فهو مُخلص لله سبحانه وتعالى؛ لأن استحضار المؤمن رؤية الله له في عمله سيمنعه من الالتفات إلى أي أمرٍ أو أي شيءٍ غير مرضاة الله، وهذا هو مقام الإخلاص في الإحسان.

 

مقام الشهادة: وهو عمل المؤمن على مقتضى رؤيته ومشاهدته لله بقلبه، وتتحقق مشاهدة المؤمن لله بالمشاهدة القلبية؛ بأن يتنور قلبه بالإيمان، وتتنور بصيرته بالعرفان، فإذا تحققت هذه الرؤية القلبية فقد أدرك المؤمن بهذا المقام مقام الإحسان وحقيقته(5).

 

صور الإحسان:

 

الإحسان مطلوب في العبادات والمعاملات، فأي عبادة افترضها الله على العبد فإن عليه أن يأتي بها على الوجه الذي رضيه سبحانه؛ من إخلاصها له، وموافقتها لشريعة نبيه صلى الله عليه وسلم, وكما أن الإنسان يحب لنفسه أن يعامله غيره معاملة حسنة فإن عليه أن يحسن إلى غيره, ويعامله بمثل ما يحب أن يعامَل به هو.

 

- أعلى الإحسان مع الله يتمثل في توحيده تبارك وتعالى، وإخلاص العبادة له، واجتناب الشرك، كما يتمثل في قضاء الإنسان حياته العملية كلها ممتثلًا أوامره ومجتنبًا نواهيه.

 

- وأن يشكر الله على نعمه بلسانه، وذلك بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله، وبجوارحه بتسخيرها في طاعته عز وجل، وكذلك ينظر إلى علم الله تعالى واطلاعه على السرائر والخفايا، وليمتلئ قلبه مهابةً وتوقيرًا وتعظيمًا وتبجيلًا لربه جل جلاله، وليخجل من معصيته، وليستحي من مخالفته، وليخش عقابه وبطشه، وكذلك فلينظر العبد إلى ألطاف الله ونعمه عليه.

 

- ومن صور الإحسان مع الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان به وطاعته، ومحبته واتباعه، ونشر سنته، والدفاع عنها، ومحبة أهلها، وموالاة أصحابها؛ محبة فيه صلى الله عليه وسلم، وكثرة الصلاة والسلام عليه، وعدم الغلو أو الإطراء في جانبه، وتعلّم وتعليم سيرته وسنته، والترضي عن صحابته الكرام وتوليهم والدفاع عنهم؛ إذ هم حَمَلة شريعته وحُفاظ سُنته، والمبلغون عنه شريعته، ومصابيح الدجى ونجوم الأمة في لياليها المظلمة.

 

- والإحسان إلى الخلق بأنواع الإحسان والنفع لهم يعود على فاعله بالخير العميم، فالكريم المحسن أشرح الناس صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا.

 

- ومن أنواع الإحسان إلى الخلق إعانتُهم بالمال والعلم والجاه والبدن، والنصح لعباد الله، فكل هذه الأعمال تقرب إلى الله، ولا يزال العبد يتقرب بها إلى الله حتى يحبه الله، فإذا أحبه الله كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ويستجيب الله له الدعاء.

 

- وإن من أجل صور الإحسان إلى الخلق أن تكف عنهم أذاك من كل وجه، وتعفو عن مساوئهم وأذيتهم لك، ثم تعاملهم بالإحسان القولي، والإحسان الفعلي.

 

- وإن من صور الإحسان إلى الخلق مقابلة إساءة الخلق بالإحسان؛ لاستلال مشاعر العداوة، وتقليم أظافر الحقد، وإحلال المحبة والمودة بدلًا عنها.

 

- كما أن في الإحسان إلى الخلق تكفيرًا للسيئات، وتفريجًا للكربات، وتيسيرًا على المعسرين، قال الله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114].

 

- وإن من أجلّ الإحسان وأعظمه الإحسان إلى النفس، وذلك بتزكيتها والحرص على نجاتها في الآخرة، مع سلامة في الدين، وصحة في البدن، وحسن الخُلق، وبهذا يصل العبد لأفضل منازل الدين، وهي أن يعبد الله كأنه يراه، فهذه مرتبة الإحسان نسأل الله أن يجعلنا من أهلها ولا يحرمنا أجرها.

 

- وإن من أعظم الإحسان إلى الخلق تعليمهم ما ينفعهم في دينهم، وما يكون سببًا لنجاتهم في الدنيا والآخرة، من العلم بالله وأسمائه وصفاته، ودينه وشرعه، وتحذيرهم مسالك الشر والهلكات، وهذه هي وظيفة الأنبياء والرسل وأتباع الرسل، وبهذا كانوا أعظم الناس إحسانًا إلى الخلق؛ لما يحملونه من الخير للبشرية، ولهم عليهم من المنة والفضل ما لا يؤدي شكره أحد، كما قال سبحانه: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران:164].

 

وإن من صور الإحسان التبسم في وجوه الناس، وحسن السلام عليهم، والفرح لفرحهم، وجبر مصابهم، والتألم لألمهم، وإدخال السرور عليهم، وبالجملة فوجوه الإحسان غير محصورة، ولا مقيدة ولا معدودة؛ لأن المسلم أينما وجَّه وجهه وجد بابًا يحسن فيه إلى الخلق؛ بل والحيوان، والطير، وكل المخلوقات.

 

وفي إغاثة الملهوف لا يتركه يتضرع ويتذلل؛ بل يغيثه سريعًا في الخفاء، بحيث لا تدري شماله ما تفعل يمينه.

 

والإحسان في الحرب يتناول معاملة الأسرى، وعدم المثلة وتجنب قتل النساء والشيوخ والأطفال.

 

والإحسان في العبادة أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك(6).

 

والإحسان في كل صوره واجب على كل مسلم، ولكلٍّ من الحالات إحسان يناسبها، فإذا قتل فليحسن القتل، بألا يعذب فيه، وإذا ذبح فكذلك، بأن يحد الشفرة، ويريح الذبيحة، ويسرع في الذبح.

 

درجات الإحسان:

 

ويقول ابن قيم الجوزية ما خلاصته: الإحسان على ثلاث درجات:

 

الدرجة الأولى: الإحسان في القصد بتهذيبه علمًا، وإبرامه عزمًا، وتصفيته حالًا.

 

الدرجة الثانية: الإحسان في الأحوال، وهو أن تراعيها غيرة، وتسترها تظرّفا، وتصححها تحقيقًا، والمراد بمراعاتها: حفظها وصونها غيرة عليها أن تحول، فإنها تمر مر السحاب، وتكون المراعاة أيضًا بدوام الوفاء وتجنب الجفاء.

 

الدرجة الثالثة: الإحسان في الوقت، وهو ألا تزايل المشاهدة أبدًا، ولا تخلط بهمتك أحدًا، والمعنى في ذلك أن تتعلق همتك بالحق وحده، ولا تعلق همتك بأحد غيره(7).

 

الوصول لدرجة الإحسان:

 

والإحسان أعلى المراتب في العبادة، وأما في شئون الحياة فهو فوق العدل؛ جاء في تاج العروس للزبيدي: «والإحسان ضد الإساءة، وإن الإحسان فوق العدل؛ وذلك أن العدل بأن يعطي ما عليه ويأخذ ما له، والإحسان أن يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقل مما له»(8)، فالإحسان زائد على العدل، فتحري العدل واجب، وتحري الإحسان ندب وتطوع، والإحسان مع الآخرين هو بذل وإيصال المنفعة للغير، وأما الإحسان في العبادة، فأن يعبد العبد إلهه جل جلاله كأنه يراه، فإن لم يكن العبد يرى الله جل جلاله فإن الله جل جلاله يرى العبد.

 

فمن أراد بلوغ درجة الإحسان التي توصل إلى حب الله جل جلاله فعليه المبادرة بأعمال بعينها، ذكرها القرآن الكريم بأنها توصل إلى درجة الإحسان، وإن المبالغة في هذه الأعمال يكون الأفضل، وهذه الأعمال هي:

 

1- الإنفاق؛ قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:195] والله جل جلاله يرفق بعباده، فلا يُشدِّد عليهم، فيُريد منهم إنفاقًا معتدلًا ووسطًا؛ قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء:29]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67].

 

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم يَعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: «يرحم الله ابن عفراء»، قلت: «يا رسول الله، أُوصي بمالي كله؟»، قال: «لا»، قلت: «فالشطر؟»، قال: «لا»، قلت: «الثلث؟»، قال: «فالثلث والثلُث كثير؛ إنك أن تدَع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكفَّفون الناس في أيديهم، وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى فيِّ امرأتك، وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس، وَيُضَرَّ بك آخرون»(9).

 

والآية التي تحث على الإنفاق تُؤَوَّلُ عند البعض تأويلًا خاطئًا؛ وذلك في جانب قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، ففيها تحفيز على الإنفاق في أوجه الخير في سبيل الله جل جلاله، وفيها تحذير بأن عدم الإنفاق في سبيل الله جل جلاله كمن يُلقي بنفسه إلى التهلكة؛ فعن أسلم أبي عمران قال: «غزَونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم مُلصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمَلَ رجل على العدو، فقال الناس: مه مه! لا إله إلا الله، يُلقي بيدَيه إلى التهلكة.

 

قال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصَر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا: هلمَّ نقيم في أموالنا ونُصلحها، فأنزل الله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:195]، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونُصلحها وندع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دُفن بالقسطنطينية»(10).

 

ومع كل هذا الحث على الإنفاق؛ لما فيه من طاعة الله جل جلاله وترويض وتزكية للنفس، ومواساة للناس، فإن الله جل جلاله يحب أن يُنفق الناس من طيب مالهم، لا من الخبيث ولا الرديء؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة:267].

 

2- التقوى: قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:93]، فاستمرار العبد على تقوى الله جل جلاله يؤدِّي إلى بلوغه مرتبة الإحسان.

 

والتقوى المقصودة هنا هي اتِّقاء عقوبة الله جل جلاله، واتقاء غضبه جل جلاله، واتقاء ناره جل جلاله، وذلك بالعمل الصالح، فيكون العمل الصالح حاجزًا بين العبد وبين النار، فعن عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النار، فتعوذ منها وأشاح بوجهه، ثم ذكر النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه، [قال شُعبة: أما مرتين فلا أشكُّ]، ثم قال: «اتقوا النار ولو بشقِّ تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة»(11).

 

والتقوى هي تجنب الإصابة بالشر المحدق؛ بأن يتخذ العبد حائلًا بينه وبين ما يكره، كما يتخذ الإنسان الثياب يتقي بها البرد والحر، ويتخذ الدروع ليتقي بها سهام الأعداء، فمن فعل ذلك فقد اتقى هذه المحاذير من أن تناله، وأما تقوى الله جل جلاله فإنها تكون بطاعته وامتثال أوامره، واجتناب كل ما نهى عنه سبحانه وتعالى(12).

 

وجاءت التقوى كطريق للوصول للإحسان في القرآن الكريم؛ قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج:37].

 

3- كظم الغيظ والعفو؛ قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134]، ولأن كظم الغيظ والعفو يتطلب مجاهدة النفس، والسيطرة على أهوائها، ومدافعة ملذاتها، وأن هذا الأمر ليس باليسير، فإن من يوفقه الله جل جلاله لذلك يكرمه بحبه جل جلاله.

 

فأما في كظم الغيظ، فقد جاء في أيسر التفاسير: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}: كظم الغيظ: حبسه، والغيظ: ألم نفسي يحدث إذا أوذي المرء في بدنه أو عرضه أو ماله، وحبس الغيظ: عدم إظهاره على الجوارح بسبٍ أو ضرب ونحوهما للتشفي والانتقام(13)، وعن سهل بن معاذ عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله تبارك وتعالى على رءوس الخلائق حتى يُخيِّره من أي الحور شاء»(14).

 

والعفو خلق جميل محمود، ومثلما يؤدي إلى حب الله جل جلاله فإن أجره عظيم عند الله جل جلاله كذلك؛ قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى:40].

 

4- الصَّفح؛ قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:13]، قال القرطبي: الصفح: إزالة أثر الذنب من النفس، صفحت عن فلان: إذا أعرضت عن ذنبه، وقد ضربت عنه صفحًا، إذا أعرضت عنه وتركته(15)، فمِن هنا كان الصفح إحسانًا، فالفرد من الناس قد يَغفر لمن يسيء له، ويبقى أثر الإساءة، ولكن حين يستطيع أن يتجاوز الإساءة إلى درجة إزالة الأثر، فهو يستحق أن يكون محسنًا؛ لأنه يكون قد قدَّم المطلوب وزيادة عليه.

 

وأما الإحسان في عامة شئون الحياة، فهو أن يقيم المرء الأمر من أمورها على أتمِّ وجهٍ وأَحْسَنه؛ فعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: اثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحْسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحدَّ أحدكم شفرته، فليرح ذبيحتَه»(16).

 

ويتسع خُلُق الإحسان ليشمل القول والعمل من إحكامه وإتقانه في كل حال ومع كل أحد، ففي مخاطبة الناس بعضهم مع بعض يجعل الكلمة الطيبة من الإحسان، قال تعالى: {وقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء:53].

 

وأحسن الكلام ما كان دعوة خالصة لوجهه الكريم، وتوصية أو موعظة سديدة لعباده المؤمنين، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33].

 

ومن صفات المحسنين، كما جاءت في القرآن الكريم، حرصهم على الطاعات، وتقربهم إلى الله بالعبادات، قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)} [الذاريات:15-19].

 

والإحسان صفة توجب الحب، وتأسر القلوب، كما يقول الشاعر:

 

أَحْسِن إلى الناس تستعبد قلوبهم       فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ

 

وأعظمُ الإحسانِ إحسانك مع الله في توحيده وعبادته، وأن تخلص له عملك، فتبتغي بعملك وجهَ الله والدارَ الآخرة، ثم تحسن العمل فيكون عملك على وفق ما شرع الله ورسوله، فإن الله لا يقبل عملَ عامل إلا إذا كان عمله خالصًا لوجه الله، وكان عمله على وفق ما شرع الله، {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110].

 

والإحسان في عبادة الله له ركن واحد، بَيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، فتشعر بعظمة الله وقدرته ووحدانيته وألوهيته في هذا الكون، ثم تؤدي ما افترض عليك بجودة وإتقان.

 

فإحسانك في الصلاة يحتاج إلى المحافظة عليها وأدائها بخشوع، وأن تشعر بأن الله مطلع عليك، فكثير من الناس يهتمون بحركاتها، ويخرجون منها لم ينتفعوا بشيء.

 

والزكاة؛ إحسانك في هذه العبادة أن تخرجها في وقتها ومن أحب المال لديك، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة::267].

 

وكذلك الصوم والحج وسائر العبادات تحتاج منا إلى إحسان وتجويد وإخلاص.

 

ومن أنواع الإحسانِ الإحسانُ إلى الوالدين، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)} [الإسراء:23-24].

 

وكذلك الإحسان إلى الجار، فعن أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت»(17).

 

اليتامى والمساكين لهم من الإحسان الحظ الأوفر، ويكون بالمحافظة على حقوقهم، والقيام بتربيتهم، والعطف عليهم، ومدُّ يد العون لهم، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [البقرة:83].

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إنَّ رجلًا شكا إلى رسول الله قسوة قلبه، فقال: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين»(18).

 

وفي رواية أن رجلًا جاءه يشكو قسوة قلبه، فقال له: «أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك، يلن قلبك، وتدرك حاجتك»(19).

 

وذلك أن القلب يتبلَّد في المجتمعات المترفة واللاهثة وراء رغباتها وأطماعها، والتي تصبح وتمسي وهي لا ترى من الحياة غير آفاقها الزاهرة، ونعمها الباهرة، والمترفون إنما يتنكرون لآلام الجماهير؛ لأن الملذات التي تُيَسَّر لهم تُغلِّف أفئدتهم، وتطمس بصائرهم، فلا تجعلهم يشعرون بحاجة المحتاج وألم المتألم وحزن المحزون، والناس إنما يُرْزَقون الأفئدة النبيلة والمشاعر المرهفة عندما ينقلبون في أحوال الحياة المختلفة، ويُبْلَون مس السراء والضراء، عندئذ يحسُّون بالوحشة مع اليتيم، وبالفقدان مع الثكلى، وبالتعب مع البائس الفقير.

 

ومن ذلك الإحسان إلى الزوجة والأولاد والبنات والأخوات، بحسن الرعاية والتربية والمعاملة الحسنة، وهو باب كبير وفيه أجر عظيم؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلَتْ امرأة معها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة، فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا، فأخبرته فقال: «من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترًا من النار»(20).

 

وقال عز وجل: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النَّحل:90].

 

قرأ الحسن البصري هذه الآية: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}، ثم وقف فقال: «إن الله جمع لكم الخير كله والشر كلَّه في آية واحدة، فالله ما ترك العدل والإحسان شيئًا مِن طاعة الله عز وجل إلَّا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي مِن معصية الله شيئًا إلَّا جَمَعه»(21).

 

وقال جل جلاله: {وَقُلْ لّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَـانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَـانَ كَانَ لِلإِنْسَـانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء:53].

 

معاملة حسنة في السلم والحرب، في السراء والضراء، معاملةُ النَّاس بمقتضى الشرع الحنيف، بالوفاء والصدق والعدل والرحمة والتواضع والصبر والاحتمال والقول الحسن، وأن تعاملَهم بما تحب أن يعاملوك به، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [المائدة:1].

 

كتب عمر بن عبد العزيز إلى سليمان بن أبي السري: «أن اعمل خانات، فمن مر بك من المسلمين فاقروه يومًا وليلة، وتعهدوا دوابهم، ومن كانت به علة فاقروه يومين وليلتين، وإن كان منقطعًا به فأبلغه بلده».

 

فلما أتاه كتاب عمر قال له أهل سمرقند: «قتيبة ظلمنا وغدر بنا فأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف، فَأْذَنْ لنا فليقدم منا وفد على أمير المؤمنين»، فأذن لهم، فوجهوا وفدًا إلى عمر، فكتب لهم إلى سليمان: «إن أهل سمرقند شكوا ظلمًا وتحاملًا من قتيبة عليهم، حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم، فأخرج العرب إلى معسكرهم كما كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة»، فأجلس لهم سليمانُ جُمَيْعَ بن حاضر القاضي، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم، وينابذوهم على سواء، فيكون صلحًا جديدًا، أو ظفرًا عنوة، فقال أهل الصغد: «بلى، نرضى بما كان ولا نحدث حربًا»، وتراضوا بذلك(22)، فهل رأيتم معاملة أحسن وأرقى من معاملة الإسلام؟

 

وإن من أجل أنواع الإحسان الإحسان إلى من أساء إليك بقول أو فعل، قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)} [فصلت:34-35].

 

ومن كانت طريقته الإحسان أحسن الله جزاءه: {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ} [الرحمن:60].

 

بل حتى في القتل والذبح ومع الحيوان أَمَرَ الإسلام بالإحسان والتعامل الرحيم معه، فعن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته»(23).

________________

(1) أخرجه البخاري (50).(2) زهرة التفاسير (2/ 597).(3) أخرجه البخاري (50)، ومسلم (8).(4) تفسير السعدي، ص90.(5) جامع العلوم والحكم (11/ 129).(6) التفسير الوسيط (1/ 306).(7) مدارج السالكين (2/ 480).(8) تاج العروس (34/ 421).(9) أخرجه البخاري (2591).(10) أخرجه أبو داود (2512).(11) أخرجه البخاري (5677).(12) الأمالي في لغة العرب (2/ 204).(13) أيسر التفاسير (1/ 378).(14) أخرجه أحمد (15675).(15) الجامع لأحكام القرآن (2/ 71).(16) أخرجه مسلم (1955).(17) أخرجه مسلم (48).(18) صحيح الترغيب والترهيب (2545).(19) صحيح الجامع (80).(20) أخرجه البخاري (1418).(21) فتح القدير (3/ 226).(22) الكامل في التاريخ (4/ 114-115).(23) أخرجه الترمذي (1409).

إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسراً

لا نجاح حقيقي يأتي على طبق من ذهب وبدون مكابدة الصعاب واحتمال المكاره والمثابرة مع المصابرة والمجاهدة مع الاجتهاد في إعمال الذهن للحصول على الفهم العميق للواقع والتخطيط السليم لتحقيق الأهداف. فالعسر الذي الذي نتحمله في بذل الجهد مقرون باليسر الناتج عن تحقيق الهدف" فإن مع العسر

قبل أن يُطبع على قلوبنا بختم الغفلة

جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:”لينتهِيَنّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمَنّ الله على قلوبهم ثمّ ليكونَنّ من الغافلين” وفي الحديث تأكيد أن تطبيع الوعي على المعصية والانهماك في قضايا الدنيا مع غياب الإحساس بتأنيب الضمير

معرفة الله

أيها الإخوة الشباب: أصل الدين معرفة الله، لأنك إن عرفت الله ثم عرفت أمره فإنك تتفانى في طاعته، لكنك إن عرفت الأمر ولم تعرف الآمر فإنك تتحايل لتجد طريقة تتهرب فيها من أمره. لذلك قيل: (لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر إلى عظمة من عصيت) وأما الطريق إلى معرفة الله تعالى ففي ثلاثة بن