العناية بذوي الاحتياجات الخاصة

التاريخ: الإثنين 9 سبتمبر 2019 الساعة 06:57:31 مساءً
العناية بذوي الاحتياجات الخاصة

الحمدُ للهِ خلَقَ الإنسَانَ ولَم يَكنْ شيئًا مَذكُورًا، صوَّرَهُ فَجَعَلَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، أرسَلَ إليهِ رُسُلَهُ وَهَدَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِرًا وإمَّا كَفُورًا، نَشهدُ أنْ لا إِلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ إنَّهُ كانَ حِليمًا غَفُورًا، ونَشهدُ أنَّ سيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحمَّدًا عَبدُ اللهِ ورَسُولُهُ، كانَ لِرَبِّهِ عَبدًا شَكُورًا، صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليهِ وعلَى آلِهِ وأصحَابِهِ، والتَّابعينَ ومَن تَبعَهُم بإحسانٍ وإيمانٍ إِلى يَومِ نَلقَى فيهِ كتابَنَا مَنشُورًا، أمَّا بعدُ:

فيَا مُسلِمونَ، اتقوا اللهَ حَقَّ التَّقوَى، ورَاقِبوا اللهَ في السِّرِّ والنَّجَوى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، فعن أنس رضي الله عنه أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلاَنٍ! انظري أَي السكَكِ شِئْتِ، حَتىَ أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ[1]"، فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها، وهذا من حلمه وتواضعه وصبره على قضاء حوائج ذوي الاحتياجات الخاصة.

وفي هذا دلالة شرعية على وجوب التكفل برعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، صحيًّا واجتماعيًّا، واقتصاديًّا، ونفسيًّا، والعمل على قضاء حوائجهم، وسد احتياجاتهم، وعندما نتتبع أحوال هؤلاء المعاقين عبر العصور نجد في التاريخ القديم أنه في الدولة الرومانية التي تميزت بالصبغة الحربية عملت على التخلص من المعوقين؛ حيث وصف القانون الروماني الأصم بالعته والبلاهة، وقديمًا كان الفراعنة يتخلصون من الأطفال المعاقين، ولكنهم مع مرور الزمن اصطبغت قوانينهم بالروح الإنسانية، فنجحوا في استخدام بعض العقاقير الطبية التي تستخدم في علاج بعض حالات ضعف السمع، وكان الفيلسوف أرسطو يرى أن أصحاب الإعاقة السمعية لا يمكن تعليمهم، وكان أفلاطون يرى إخراج المعاقين من مدينته الفاضلة؛ لأنهم لا يؤدون المطلوب منهم لنجاح هذه المدينة، وكان القانون الإنجليزي القديم يحرم بعض فئات المعاقين من الحقوق والواجبات التي لهم.

أما في العهد الإسلامي، فقد اهتم الإسلام اهتمامًا كبيرًا بكل فئات المجتمع، وحرص المسلمون على الرعاية الكاملة للضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة، فلو افترضنا أن في المجتمع فئة قليلة من ذوي الاحتياجات الخاصة تكاد لا تذكر، فإن هذه القلة تحت نظام الإسلام وحمايته ستجد من يقف بجانبها ويساعدها، وعليه جاءت الآيات الكريمة في كتاب الله تعالى تؤكد للجميع أن الله تعالى يحث على نصرة الضعيف وإعانته قدر الاستطاعة.

والمتأمل في آيات الله تعالى يجد نفسه أمام آيات كثيرة توحي بهذا المعنى؛ قال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 91]، تدل الآية دلالة واضحة على أن الضعفاء والمرضى ليس عليهم أية مشقة إذا لم يقاتلوا مع إخوانهم الأصحاء.

وقد تكرر في القرآن لفظ: ﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [النور: 61]، ففي الموضع الأول يعني عدم الحرج في مسألة الأكل والشرب في بيوت الأقارب، والموضع الثاني عن القتال، ففي زمن صدر الإسلام نجد أنفسنا أمام منزلة كبيرة وضعها الله سبحانه لهؤلاء الضعفاء، ولعله من المناسب أن نذكر مكانة هؤلاء عند الله بعد أن آمنوا به وبرسوله ونصروا الدعوة الإسلامية منذ بدايتها، وتحمَّلوا في سبيلها الكثير.

إن المتأمل في القرآن الكريم يجد أمامه مثلًا إيجابيًّا من أمثلة الاهتمام والرعاية، وهذا المثل القائم والخالد بخلود كتاب الله تعالى، وهو عتاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في قصة عبدالله بن أم مكتوم ذلك الأعمى الذي حضر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجلس معه كما تعود، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدم فراغه وانشغاله بدعوة كفار مكة وسادتها، ومحاولة جذبهم إلى توحيد الله، وأدار وجهه عنه والتفت إليهم، وبالطبع لم ير ابن أم مكتوم ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه أعمى، فجاء عتاب الله لنبيه: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ﴾ [عبس: 1 - 10].

وبهذه الآيات البينات أوضح الله تعالى لنبيه ولأمَّته أن المؤمن الضرير الكفيف هو أطيب عند الله من هؤلاء الصناديد الكفرة، فكان صلى الله عليه وسلم كلما رآه هشَّ له ورحَّب، ومع فقر ابن أم مكتوم وثراء هؤلاء القوم، فإنه عند الله أثقل ميزانًا وأحسن حالًا وأفضل مقامًا، وربما يكون ابن أم مكتوم نبراسًا لهؤلاء الضعفاء وكذلك الأغنياء.

واهتمَّ الخلفاء المسلمون بالمعاقين بعد ذلك؛ فمنهم من أعطى لهم راتبًا ثابتًا من بيت المال كعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومنهم من أحصى عددهم، وقدَّم لهم الخدمات التي تناسب كل واحد منهم كعمر بن عبدالعزيز، كما أقام بعض الخلفاء مستشفيات للمجذومين كالوليد بن عبدالملك، وفي الفقه الحنفي أجاز أبو حنيفةَ الإنفاقَ على المعاقين من بيت مال المسلمين، وفي العصر الحالي وسَّعت الدول والحكومات دائرة الاهتمام بالمعاقين، فخصَّصَت نسبة ثابتة من الوظائف العامة لهم، ولم تمنَعِ المعاق من تقلُّد المناصب، ما دام كفئًا في عمله، كما خصصت لهم الأندية والمتنزهات التي تناسب أحوالهم، وهناك مقترحات لابتكار الطرق والوسائل التي تعين المعاق على إبداء رأيه، وإشراكه في الحياة في كثير من دول العالم.

وفي بلادنا نجد عناية فائقة ولا نبالغ إذا قلنا أن الخليفة عمر بن عبدالعزيز قد حث على إحصاء عدد المعوقين في الدولة الإسلامية، ووضع الإمام أبو حنيفة تشريعًا يقضي بأن بيت مال المسلمين مسؤول عن النفقة على المعوقين، أما الخليفة الوليد بن عبدالملك فقد بنى أول مستشفى للمجذومين عام 88 هـ، وأعطى كل مقعد خادمًا وكل أعمى قائدًا، ولما ولى الوليد إسحاق بن قبيصة الخزاعي ديوان الزَّمنى بدمشق، قال: لأدعنَّ الزَّمِن أحب إلى أهله من الصحيح، وكان يؤتى بالزمِن حتى يوضع في يده الصدقة، والأمويون عامة أنشؤوا مستشفيات للمجانين والبلهاء، فأنشأ الخليفة المأمون مأوًى للعميان والنساء العاجزات في بغداد والمدن الكبيرة، وقام السلطان قلاوون ببناء مستشفى لرعاية المعوقين، وكتب كثير من علماء المسلمين عن المعاقين مما يدل على اهتمامهم بهم؛ مثل: الرازي الذي صنف (درجات فقدان السمع)، وشرح ابن سينا أسباب حدوث الصمم.

بل إن من العلماء المسلمين من كان يعاني من إعاقة، ومع هذا لم يؤثر ذلك عليهم، بل أصبحوا أعلامًا ينصرون هذا الدين بالقول والفعل، فمنهم:

1- أبان بن عثمان، كان لديه ضعف في السمع، ومع هذا كان عالِمًا فقيهًا.

2- محمد بن سيرين، كان ذا صعوبة سمع شديدة، ومع هذا كان راويًا للحديث ومعبرًا للرؤى.

وفي هذا الزمان نجد أمثلة كثيرة، ومنهم: سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله مع أنه كان فاقدًا للبصر، فإنه كان إمامًا زاهدًا ورعًا ناصرًا للدين.

 

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ حَقَّ حَمدِهِ، ومَا كُلُّ نِعمَةٍ إلَّا مِن عِندِه، والصلاةُ والسلامُ على خَاتَمِ أَنبيَائِهِ ورُسُلِهِ، وعلَى آلِهِ وصَحبِهِ ومَنِ اهتَدَى بِهَدْيِهِ، أما بَعدُ:

فكيف قرر القرآن الكريم والسنة النبوية دمج المعاق في المجتمع؟

أعطى الإسلام لهؤلاء المعاقين حقوقهم، فحرص على دمج المعاق في مجتمعه، فقد ولى الرسول صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم على المدينة عندما خرج لإحدى غزواته، كما يتجه الإسلام إلى المجتمع والمحيط الذي يعيش فيه المعاق، فيعلمهم ويربيهم على السلوك الذي يجب عليهم أن يسلكوه في معاملتهم لإخوانهم وأهليهم من ذوي العاهات، فهو يعلن بصريح العبارة أن ما حل بإخوانهم من بلاء لا ينقص قدرهم ولا ينال من قيمتهم في المجتمع، فهم جميعًا سواء لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى، فقد يكون صاحب العاهة أفضل وأكرم عند الله من ألف صحيح معافى؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]، فالميزان الحقيقي هو التقوى وليس المال أو الجاه أو الصحة، أو الصورة الخارجية، أو غير ذلك؛ لأنه لا يمكن أن تتحقق الغاية السامية من هذه الحياة إلا إذا تحقَّق ميزان التقوى، هذا الميزان الذي له وقع أخَّاذ في ضمير المسلم بما يحويه من الخير والاستقامة والصلاح، والإصلاح للفرد والمجتمع وللإنسانية جمعاء، فالتقوى جماع لكل فضيلة.

♦ تولَّى إمارة المدينة عبدُالله بن أم مكتوم أكثر من عشر مرات.

♦ بُعث معاذ بن جبل عاملًا على اليمن وأميرًا لها، وكان شديدَ العَرَج.

♦ اشترك عمرو بن الجموح في القتال في غزوة أُحُد، وكان من أوائل الشهداء فيها، وتسابق الناس إلى التعلم من عبدالله بن عباس رضي الله عنهما وكان قد كُفَّ بصرُه في آخر حياته، وكان ينشد قائلًا:

إنْ يأخُذِ اللهُ مِن عَيْنَيَّ نورَهما

ففي لساني وسَمْعي منهما نورُ

قَلْبي ذكيٌّ وعَقْلي غيرُ ذي عِوَج

وفي فمي صارمٌ كالسيفِ مأثورُ

وكان عطاءُ بن أبي رباح من كبار المفتين في زمنه، ورغم ذلك كان أعور العين، أفطس الأنف، أعرج الرجل، أشلَّ اليد، أقطع الأذن، وغيره ممن كانت إعاقته عَلَمًا عليه في علمه؛ كالأصم حاتم بن عنوان (توفي 237هـ)، وكان مشهورًا بالزهد والتقشف، ووصاياه معروفة ومشهورة، والأعمش سليمان بن مهران الأسدي بالولاء (توفي 148هـ)، وهو تابعي حافظ للحديث وعالم فيه، والأخفش عبدالحميد بن عبدالمجيد (توفي 177هـ)، وكان عالِمًا في اللغة العربية والنحو، والأحول عاصم بن سليمان البصري (توفي 142هـ)، وهو مِن حفَّاظ الحديث، والأعرج عبدالرحمن بن هرمز (توفي 117هـ)، وكان عالِمًا في القرآن والسنة، وخبيرًا بأنساب العرب، وغير هؤلاء الكثير.

ومن حقوقهم عدم السخرية منهم؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11]، فالمجتمع الذي يزدري الأصحاء فيه أهل البلاء يكون مصدرَ شقاء وألَم لهؤلاء قد يفوق ألم المصيبة، وربما فاقها فعلًا، فكم من ذوي البلاء من حمَل عاهته ورضي بواقعه إلا أنه لا يمكن أن ينسى نظرة احتقار من أحد الناس، بل إننا جميعًا قد ننسى كل متاعب الحياة ومصاعبها، ولا ننسى بسمة سخرية أو كلمة استخفاف تلقيناها من الآخرين، ألم يقل أبو الطيب:

جراحاتُ السنان لها التئام *** ولا يلتام ما جرَح اللسان

وليعلم هؤلاء الأصحاء أن ما يرفلون به من صحة ومن ضروب النعم والخير، ليس إلا من فضل الله وجوده وكرمه؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ [النحل: 53].

ومع هذا فإن الإسلام لم يهمل العاهة والإعاقة، ولم ينكر وجودها ولم يتجاهل أثرها على صاحبها، لذلك وجه الإنسان إلى الصبر على ما يواجهه من نكبات وكوارث تحل في جسمه أو ماله أو أهله، وليرجع كل منا إلى نفسه، فإنه لا شك يجد في سيرته أو في سيرة من يعرف شدائد صنعت نعمًا، ومصائبَ صنعت رجالًا؛ قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [الحديد: 22، 23].

قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوَّضته منهما الجنة)[2]. ويوجد قرابة 1.5 مليون معاق في السعودية، فمن هو المعاق الحقيقي؟ يتبادر إلى الأذهان لأول وهلة حينما يأتي ذكر كلمة المعاق أنه المبتلى والمصاب بعاهة في بدنه، إلا أن الله تعالى أعطانا في القرآن الكريم معنًى للمعاق قد يغيبُ عن الأذهان؛ قال الله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]، قال ابنُ كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: "أي: ليس العَمَى عَمَى البصَر، وإنما العَمَى عَمَى البصيرة، وإن كانت القوةُ الباصرة سليمةً، فإنها لا تنفُذُ إلى العِبَر، ولا تدري ما الخَبَر"، ثم ذكر شعرًا لأبن حيان الأندلسي، منه:

إن كنتَ لا تسمَعُ الذِّكرى ففِيمَ ترَى

في رأسِك الواعيانِ السَّمعُ والبصَرُ

ليس الأصمُّ ولا الأعمَى سوى رجُلٍ

لم يَهْدِه الهاديانِ العينُ والأثَرُ

كذلك بيَّن الله تعالى أن مِن أصناف أهل النار هؤلاء الذين يعطِّلون جوارحَهم مِن سمع وبصَر وعقلٍ عمدًا؛ بابتعادهم عن طريق الهدى، وسلوكِهم طريقَ الضلالِ والرَّدى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179]، فهؤلاء خُلِق لهم جوارحُ، لكنهم لا ينتفعون بها، وعطَّلوها عمدًا بعدم قبول الحق، وعدم سماع الهدى، تمامًا كما للأنعام جوارحُ لا فائدة منها، إلا أن تسمعَ صوت صاحبها يصرخ فيها، لكنها لا تعقِل.

ثم اعلَمُوا أنَّ الله سبحانه وتعالى أمرَكُم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال جلَّ من قائل عليمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، البشير النذير، والسراج المنير، وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن بقيَّة الصحابة، وعن التابعين، وتابعي التابعين، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، وانصُر عبادك الموحِّدين.

اللهم ادفَع عنَّا الغَلاء والرِّياء، والربا والزنا والزلازل والمِحَن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصَّة، وعن سائر بلاد المسلمين عامَّة يا رب العالمين، اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلِح واحفظ ولاة أمورنا، اللهم وفِّقهم لما فيه عزُّ دِينك ونصْر أمَّة الإسلام.

اللهم وفِّق ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده لما تحب وترضى، واجمع كلمتهم على الحق والتقوى، اللهم اجعَلْهم هُداةً مُهتَدِين صالحين مُصلِحين، وارزُقهم البطانةَ الصالحة الناصحة، وأبعدْ عنهم بطانةَ السوء يا حي يا قيوم.

عباد الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90].

_____________

[1] صحيح مسلم: 2326.

[2] صحيح البخاري 5653.

عودا حميدا للمدارس

الحمد لله الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم أحمده سبحانه وأشكره ، رفع منارَ العلم وأشاد بالعلماء والمتعلّمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحقّ المبين ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، إمام المربّين وقدوة العلماء والسالكين صلى الله وسلّم عليه ، وعلى آله

الحث على اغتنام الإجازة الصيفية في أعمال البر

إن الحمد لله نحمده نستعينه نستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله، وأمينه على وحيه، ومبلغ الناس شرعه، فصلوات الله وسلامه عليه، و

ابنائنا بين التوجيه والتفحيط

الحمد لله الذي منّ علينا بنعمة الأولاد، وفتح لنا من أسباب الهداية كل باب، ورغب في طريق الصلاح وحذّر من طرق الفساد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق بلا ارتياب، صلى الله عليه وعلى آله وأًصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليم