عن الرجل العظيم أتحدث

التاريخ: الإثنين 9 سبتمبر 2019 الساعة 06:47:35 مساءً

كلمات دلالية :

المعلم
عن الرجل العظيم أتحدث

إليه وعنه أتحدث، وله ألهج بالدعاء، اللهم بارك في عمره وماله وأهله، واجعله مباركًا أينما كان، وأسبغ عليه الصحة والعافية واجْزِه عنا خير الجزاء يا حي يا قيوم.

وقبل أن أُفصح لكم عن هُويَّتِه، دعونا نتلمس بعض آثاره:

نرى الطبيب الماهر يسهم في شفاء المرضى ويرسم على شِفاههم البسمات، يزيل عنهم - بعد الله - الألم والمعاناة؛ فنفرح به ونرفع أكفَّ الضَّراعة بالدعاء له، ويحتل من قلوبنا منزلة عليَّة؛ إجلالًا لمهنته.

ونرى المهندس المتمكن يسهم في إنشاء المباني، ويرسم المخططات، ويصمم أجمل المشاريع؛ فنفخر به ونبارك سعية، ونُهديه تحية التقدير.

ونرى القاضي يحل المشاكل بين الناس، ويفض النزاعات ويؤلف بين القلوب؛ فلا تزال بسمات الرضا والشكر لصنيعه لا تفارقنا.

ونرى رُبَّانَ الطائرة وقائدها يحلق بنا في جو السماء، يقرب المسافات، ويهون وَعْثاء السفر؛ فنقف له تقديرًا واحترامًا، ونودعه في كل رحلة بكلمات الشكر وبسمات الرضا.

ونرى رجل الأمن يَحُوطنا برعايته، يسهر على أمننا، ويدفع عنا غاراتِ العدو وتربصه بنا، ويَجْهد لحمايتنا وحراسة مقدساتنا؛ فنلْهج له بالشكر والدعاء.

ونرى الموظف في عمله، والرئيس في رئاسته، والمدير في دائرته، وهم يسهمون في بناء الأوطان وقضاء حوائج الناس؛ فنُسرُّ لعملهم ونبتهج به.

كل أولئك يستحقون منا الشكر والدعاء والثناء، ولكن هناك سؤال في غاية الأهمية: من وضع اللَّبِنة الأولى لكل أولئك؟ مَن أسهَم في بنائهم العلمي والخُلُقي حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه؟ إنه الرجل العظيم والمرأة العظيمة، إنه المعلم والمعلمة.

سؤل آخر: هل نحن نقدم له ما يستحق من تقدير وشكر ودعاء؟ أم إننا تناسيناه وأصبحنا نجمع سقطاته، ونلقي بكل اللوم عليه، بل المحزن أن البعض جعله مصدرًا للتندُّر عبر قروبات التواصل الاجتماعي.

مَن علَّم الطبيب والقاضيَ والمهندس والطيار ورجل الأمن كيف ينطق الحروف، وكيف يقرأ الكلمة، كيف يحسب، كيف يتوضأ ويصلي، كيف يبر والديه ويصل أرحامه، كيف يحل المسائل ويجري التجارِب، كيف يفكر، كيف يحدد هدفًا في الحياة، كيف وكيف وكيف ...؟ إنه الرجل العظيم والمرأة العظيمة، إنه المعلم والمعلمة.

شاهدت صورًا عبر برامج التواصل الاجتماعي لمهندس وطبيب، ودكتور في الجامعة وآخر رئيس لأحد الأقسام في إدارة التعليم، وبعض زملائهم - يتناوبون تقبيل رأس رجل قد غلب الشيب المخضوب على لحيته، وأخذوا يَحُفُّون به من كل جانب في فرحة غامرة كأبناءٍ يحفون بأبيهم، في جو من الأنس والوداد، فقلت في نفسي: من ذاك يا ترى؟ وإذ به الرجل العظيم، إنه معلمهم في المرحلة الابتدائية، وحُقَّ له كل تلك الحفاوة.

حيِّ المعلِّمَ وفِّهِ التَّبْجيلا

مِفتاحَ خَيْرٍ للعلومِ رسُولا

قُلْ لي بربِّكَ هل علِمْتَ مُكرَّمًا

يَرقَى لمن أهدى الرَّشادَ عقولا

مَنْ مِثْلُه وهَبَ الحياةَ جمالَها

وسَعى ليُنقِذَ غافِلًا وجَهُولا

كم علَّمَ الإنسانَ من آدابِه

وهَدَى إلى النُّور المبينِ سبيلا

كم قادَ في الظَّلماء قلبًا تائهًا

وتلا عليه الآيَ والتَّنْزِيلا

ملَك القلوبَ فلا تلُمْ نبضاتِها

إنْ بادَرَتْ لجَبِينه تَقْبيلا

أُهديه حبًّا خالصًا وتَحيَّةً

تَغشى المعلِّمَ بُكْرةً وأَصِيلا

هذا هو الحبيب صلى الله عليه وسلم يكشف للدنيا كلها عظيم مكانته فيقول: ((إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين، حتى النملة في حُجْرِها وحتى الحوت، ليصلُّون على معلم الناس الخير))؛ رواه الترمذي، وصححه الألباني.

لسائلٍ أن يسأل: لمَ كل هذه العناية والحفاوة من الملائكة وسائر المخلوقات بمعلم الخير؟ يجيب على ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله فيقول: "لما كان تعليمه للناس الخير سببًا لنجاتهم وسعادتهم وزكاة نفوسهم، جازاه الله من جنس عمله، بأن جعل عليه من صلاته وصلاة ملائكته وأهل الأرض ما يكون سببًا لنجاته وسعادته وفلاحه"[1].

وتأمل يا أخي، كم نوع من السمك في البحار، كم سمكة، كم نوع من البهائم، كم نوع من الحيوانات، كم نوع من الطيور، كلها تدعو لمن يُعلِّم الناس الخير، لماذا؟ لأن نفعه يصل إلى الآخرين نفعًا متعديًا.

أيها المعلمون، فكروا في هذا الأمر، والله العظيم إن هذا الحديث كافٍ جدًّا لتحميس ودفع الناس لتعليم الآخرين الخير ...[2].

ولكن من هو الرجل العظيم؟ من هو معلم الخير؟ إنه كل معلم حمل همَّ التعليم للجيل، والتربية على القيم والأخلاق الفاضلة، جعل التربية والتعليم هدفَه في الحياة، ورسالته التي يعيش من أجلها.

كل معلم يحمل همَّ إصلاح الجيل - مهما كان تخصُّصه - ويجهد في تعليم طلابه وإصلاحهم، ويذلل لهم الصعب، ويسهل لهم العسير، ويبين لهم الغامض.

كل معلم استشعَر أنه قُدوةٌ لطلابه فهو مَعِينُ خيرٍ يمشي على الأرض، منه يشربون ويعُبُّون؛ فهو يُربِّي بفعله قبلَ قوله.

كل معلِّم أدرك أن الأبناء أمانةٌ عظيمةٌ وحِمْلٌ ثقيلٌ؛ فهو يجهد في أداء هذه الأمانة، يستولي على تفكيره همُّها في ليله ونهاره.

كل معلم تحلَّى بالصَّبْر على طلابه، وكان رفيقًا رحيمًا بهم، ويدرك: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه))؛ كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم[3].

كل معلم يلهَج لطلابه بالدعاء، ففي كل ليلة يوتِر فيها يرفع يديه داعيًا لهم بالصلاح والهداية، والسداد والتوفيق.

كل معلم كان مِفتاحًا للخير مِغلاقًا للشر، يحث طلابه على الخير ويدلهم عليه، ويحذر طلابه من الشر وينفِّرهم منه؛ فطوبى له ثم طوبى له حين تذكر هُتافَ النبي صلى الله عليه وسلم: ((فطوبى لمن جعله الله مِفتاحًا للخير مِغلاقًا للشر))[4].

كل معلم أدرك أن الطريق إلى صلاح طلابه واستفادتهم من علمه - أن يتسلَّلَ إلى قلوبهم، ويملِك زِمامَها؛ فهو يجهد في التحبُّب هم والإحسان إليهم.

كل معلم يستكشف مشاكل طلابه ويُسهِم في حَلِّها، ويرسم لهم طريق الخلاص من تلك المشاكل، ويبين لهم أن التميز والنجاح سهل المنال على الجادين في الحياة.

تأمل هذه القصة: قال لي أحد الزملاء: كان أول تعيين لي في مدرسة تبعد عن بلدتي 130 كيلومترًا تقريبًا، وفي أول يوم تسلَّمت فيه جدولي الدراسي، جاء إلي الناصحون يحذرون من أحد طلابي بأنه سيئ الخلق عنيف التعامل، ضرب أحد المعلمين قبل أسبوعين، ولكثرة مشاكله؛ فالإدارة ترغب في طيِّ قيده وإخراجه من المدرسة، دخلت الفصل، وإذا بطالب منزوٍّ عن زملائه ممتنع عن المشاركة، يسر الله لي أن أُخرجه من مشكلة ألمَّت به، تقربت منه وفي الوقت ذاته أخذ يقترب مني ويكشف لي مكنونه، إنه طالب يسكن عند جَدِّه وربما طرده في بعض الأحيان فنام خارج البيت، يعيش حياة بائسة، أشبه ما يكون بالمشرد، طلبت منه أن يجتهد في دراسته، ووعدته بالمساهمة في حل كل عقبة تعترضه، شرحت وضعه للمعلمين فتفهموا ذلك ووعدوا بمراعاته والمراجعة له عند الحاجة، وكانت المفاجأة: تغيَّرَ سلوكه، أصبح جادًّا في دراسته، كلما عرضت له مشكلة هَرِع إليَّ، والنتيجة: يتخرج من الصف الأول الثانوي بتقدير جيد جدًّا، وتمر الأيام فيتخرج من الثانوية بتقدير ممتاز، ويلتحق بالجامعة قسم الرياضيات، ثم تمر الأيام وإذ به يصبح معلمًا متميزًا، وفيًّا لمعلمه يزوره في كل عيد ويحضر مناسباته، ذلكم نموذج مشرق للرجل العظيم.

أيها الرجل العظيم، مهمتك صعبة جدًّا، إنها التربية والتعليم في آنٍ واحد، والتربية كما يقول بكار: "أم الحيرة"، لكن مَن توكل على الله وصدق العزم، ونوى الإصلاح وجاهد في ذلك، فسيظفر بعون الله وتوفيقه ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69].

أيها الرجل العظيم، بُشراك بُشراك؛ فآثارك مسجلة محفوظة، كل ما علَّمتَه حسنات جارية وآثار باقية لك لا تنقطع، إنه الوقف الذي يزيد كل يوم؛ يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ [يس: 12]؛ "وهي آثار الخير التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمِل به أحد من الناس بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو عِلْمٍ أودعه عند المتعلمين، أو في كتب يُنتفع بها في حياته وبعد موته، ... فإنها من آثاره التي تكتب له"[5].

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثلُ أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا ...))[6].

وهذا الإمام ابن الجوزي رحمه الله يهتف بالراغب في القرب من الله ونيل ولايته قائلًا: "ألست تبغي القرب منه؟ فاشتغل بدلالة عباده عليه؛ فهي حالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما علِمت أنهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبد؛ لعلمِهم أن ذلك آثرُ عند حبيبهم"[7].

ختامًا، رسالتي لك أيها المعلم: لا تتنازل عن ميدانك، أقبل عليه بشَغَفٍ وحب، ابذُرْ واغرس وتعهد بَذْرَك وغرسَك بالسُّقيا والرعاية، وقريبًا تقر عينك بأطيب الثمار، فإن رحلت عن صفحة الحياة، فإن ثمار ذلك الغرس ستصل إليك أطيب ما يكون، فطوبى لك ثم طوبى لك ثم طوبى لك.

ورسالتي الأخرى لكل فرد في المجتمع: علينا أن نرفع من قدر المعلم ونُجِلَّه ونحفزه وندعمه، ونكون نعم العون له في أداء رسالته، ونقتنص الفرص لتكريمه والإشادة به، علينا أن نتعهده بالنصح الشفيق والمشورة الصادقة، علينا أن نلهج له بالدعاء الصادق أن يوفقه الله ويعينه على أداء رسالته والقيام بأمانته، علينا أن نربي الأبناء على حب المعلم وإجلاله، وتقديره واحترامه، والتأسي والاقتداء به.

_______________

 [1] مفتاح دار السعادة (1/ 63).

[2] كن نافعًا أينما كنت، موقع الصوتيات والمرئيات الإسلامي (بتصرف).

[3] صحيح مسلم (4/ 2004).

[4] رواه الطبراني وابن ماجة بسند حسن (الجامع الصغير وزيادته، ص: 756).

[5] تيسير الكريم الرحمن (693).

[6] رواه مسلم (4/ 2060).

[7] صيد الخاطر (1 / 25).

دور المعلم في عصر التكنولوجيا والثورة الرقمية

من المسلم به أن الإنسان مهما كانت ظروفه وميوله وقدراته ، بحاجة إلى تعلم وتعليم ، فعمليتا التعلم والتعليم ضروريتان للإنسان ، ملازمتان له ، يأخذ بهما منذ بداية عمره ، أي منذ مرحلة الرضاعة ؛ فيتعلم الصياح أو الضحك ، أو الإيماء أو البكاء ، كي يعبر عن حاجة ملحة ، أو ليبتعد عن خطر يلم

الاشراف التربوى

يعد الإشراف التربوي من أهم عناصر العملية التربوية والتعليمية ، حيث يقع عليه دور كبير في تحسين جميع عناصر العملية التربوية والتعليمية وتطويرها ، بل إن المهمة الأولى للإشراف التربوي هي تطوير قدرات المعلم وتنميتها ، وتحسين مستوى أدائه ، ومساعدته في حل المشكلات التي تواجهه ، وتزويده

الميمات العشر للمعلم الناجح

أ.فؤاد مرداد - (بتصرف) المخلص : وهذه تتعلق بعلاقة المعلم مع الله..المعلم المخلص عندما يخرج من بيته إلى المحضن لابد أن يستحضر ..لماذا خرج؟ ما الدافع؟ ماذا ينتظره؟ لمن يعمل؟ المخلص لا ينتظر مدير أو مشرف تربوي أو نظام يتابعه، إنما سيغلق بابه على فصله ليقدم أفضل ما لديه..! متفهم