الاستقرار الأسري..فن وصناعة

التاريخ: الإثنين 6 مايو 2019 الساعة 10:40:45 مساءً

كلمات دلالية :

الاسرة
الاستقرار الأسري..فن وصناعة

في سفرنا هذا التأملي حول عالم الأسرة واستقرارها، ننطلق من كتاب الله تعالى ومن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن سيرته، ثم إليهما نعود. نستخرج ما ينير رحلتنا علنا نصل بأسرنا إلى بر الأمان.

يقول تعالى في سورة الروم 21: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون

دعوة هي إذن للتفكر والتدبر والتبصر في عجيب صنع الله، فخلقه سبحانه للزوج المرأة هو آية من آياته جل جلاله.( نفتح قوسا لنشير إلى التأكيد على لفظ الزوج وليس الزوجة كما هو متداول، فالزوج وردت بمعنى الرجل والمرأة أيضا بدليل قول الله تعالى في سورة الأنبياء وزكرياء إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين, فاستجبنا له ووهبنا له يحيى و أصلحنا له زوجه, إنهم كانوا يسارعون في الخيرات إذن نقول الزوج المرأة والزوج الرجل، ونغلق القوس)

كان بإمكان ربنا تقدست أسماؤه أن يكتفي بخلق آدم، لولا حكمته وسابق معرفته والقصد والعلة والضرورة في خلق الزوج المرأة وهو تحقيق السعادة والسكن، والعلة واضحة في قوله تعالى لتسكنوا إليها، وما السكن إلا استقرار وهدوء وراحة بال واطمئنان الشطر الأول إلى الشطر الثاني، حاجة بشرية لا تستقيم إلا بوجود الزوج المرأة. فالاستقرار الأسري إذن مطلوب حتى يتفرغ بنو البشر إلى البناء والاستخلاف وعبادة الله وهي غاية الغايات وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.

فكيف يأتي الاستقرار اذن؟ وما أدواته؟ وما السبيل اليه؟ وهل ننتظر حتى يحصل الزواج كي نبحث في ماهية الاستقرار؟.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: “العمل بلا علم تخبط عشواء” فكل فعل يقدم عليه الفرد ويتوسم نجاحه لا بد له من وعي به ومعرفة بكيفية إتقانه. وإلا انهار أمام أول عقبة تعترضه. والزواج، ذاك الميثاق الغليظ، مؤسسة عظيمة، ثقيلة الوزن عند الله عز وجل, وينبغي لكل من أراد الولوج اليها أن يتسلح ببعض المهارات، وأن يكتسب بعض التقنيات كي يتقن هذه الصناعة. فهو إذن صناعة ودربة وفن أيضا، فمتى ما اكتسب الفرد أساسيات بناء مشروعه وأعد له عدته، وارتقت معارفه في المجال إلا وبرزت مواهبه في التفنن في إتقانه وصار فنانا في صناعته.

إن كل بيت نرغب في بنائه لا بد له من أرضية صلبة وأساس متين يتحمل ثقل البناء، ثم إلى أعمدة تشكل أركان البيت، وإلى جدران تحصنه وتؤطره وتحميه ثم إلى سقف يحميه الحر والقر. وهكذا هو بيت الزوجية وسنحدد لكل جزء مواد بناءه حسب درجة أهميتها و خصوصيتها في البناء.

نرى وبالله التوفيق، أن أساس بناء أرضية بيت الزوجية يدخل فيه عناصر ثلاث أساسية:

 

أولا: تقوى الله أو الحافز الديني ،قال تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لايحتسب فأية علاقة إنسانية لا تنبني على الوازع الديني فهي محاطة بخطر الانهيار، وهذا لا يعني أن الوازع الديني عاصم من المشاكل وانما هو اطار يحتكم إليه, بدليل أن أرقى علاقة زوجية في التاريخ الإنساني وهي علاقة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو خير الأزواج على الإطلاق بزوجاته، وقد حصل فيها بعض الشنآن وسنرجع إلى بعض المحطات لنستقي منها قواعد ومهارات تدبير الخلافات الزوجية.

 

ثانيا: العنصر الثاني الأساسي هو عدم النظر الى الطرف الآخر بنظرة مغرقة في المثالية فهو يرى فيها سيدتنا أسماء وهي ترى فيه الزبير. أو ما يسميه بعض الأخصائيين بالمراهقة الدينية. حتى إذا التقيا في سكن واحد واشتركا المأكل والملبس والفراش فتظهر الأنانيات والطباع المختلفة والذهنيات المتباينة مع كل ما يحملانه من تقليد تربوي انتقل معهما من بيت الأهل فيحصل النزاع والخلاف. فينبغي لكل طرف أن يرى في شريك حياته بشريته بكل نواقصها وأن يتوقعها ويتقبلها أيضا.

 

ثالثا: تفهم الفروق بين الجنسين قال تعالى: وليس الذكر كالأنثىفينبغي على الطرفين فهم الخارطة الذهنية والنفسية والفكرية لكل منهما، فلكل طريقته في التفكير والتأويل أيضا.

 

ونطل على بيت النبوة عبر خلاف وقع بين سيد الأزواج وبين أمنا عائشة لننظر كيف عالج عليه الصلاة والسلام هذا النزاع بالحكمة، ونتعرف إلى المهارات التي استعملها لتدبير الخلاف؟

نورد فقط فحوى الخلاف دون لفظه الصحيح، حصل خلاف معين بين النبي وأمنا عائشة. فاقترح عليها الاحتكام إلى بعض الأشخاص. فرفضت من اقترحهم. فأشار إلى أبيها حكما، قبلت بابتهاج ونشوة، فلما بدأ المجلس طلب منها أن تبادر هي بالكلام أو يبادر هو. فقالت له: “تكلم ولا تقل إلا خيرا” لكن أباها لمس بعض سوء الأدب مع رسول الله فلطمها، فتدخل النبي الرحيم بينهما وقال لها مداعبا:” أرأيت كيف حلت بينك وبين الرجل؟

إن أول مهارة نتعلمها من سلوك النبي صلى الله عليه وسلم هو البحث عن الحكم لفض النزاعات العويصة وليس أي نزاع يتدخل فيه الحكم. تقنية رشيدة تسرع في فض النزاع. لكن بشرط أن يكون الحكم صالحا حكيما لبقا متمكنا من إدارة الخلاف بالعدل والإنصاف.

ثم نقف عند لطف النبي في استشارتها في الحكم المنتقى للقضية، وفيها إشارة إلى الإشراك وأخذ رأي المرأة في كل تفاصيل الحياة. ولم ينتصر عليه الصلاة والسلام لنفسه. حين اقترح أباها وهو طرف قد لا يكون محايدا في الكثير من العلاقات، لكنه فعل إكراما لها ثم إنه عليه الصلاة والسلام لم يركب على وتر القوامة وألزمها بمن اقترحهم ولم تنكمش هي وتذعن لرأيه. مساحة لإبداء الرأي دونما خشونة أو تسلط. وذاك نتاج التربية النبوية القائمة على الحرية والعدل.

والقصة في نسيجها العام تمت في إطار مبدأ الحوار والأخذ والرد بين الطرفين، وهو مبدأ محوري ينبغي أن نؤسس له في علاقاتنا الأسرية.

وفي قولها :” تكلم ولا تقل إلا خيرا” أي قل الحقيقة بلا زيادة أو نقصان. هو كلام في ظاهره فيه بعض الشدة والخشونة. لكن هل هاج رسول الله وأزبد وأرعد من قولها؟ طبعا لم يفعل، لأنه متفهم لنفسية زوجه والغرض من كلامها وبساطة تعبيرها. فلم يؤول كلامها تأويلا سلبيا كما فعل أبوها. وهذه النقطة هي مربط الفرس في التواصل بين الأزواج: تجاوز التأويلات السطحية للأقوال والأفعال، كما نفهمه أيضا من حادثة كسر أمنا عائشة لقصعة حفصة المهداة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبها ثريد بدافع الغيرة، فما زاد عليه السلام في التعليق على الحدث بقوله: غارت أمكم غارت أمكم.

 

بهذا نأتي على تحديد عناصر بناء الأرضية القوية والمتينة. فننطلق إلى الحديث عن الأركان والدعامات الأساسية لأركان البيت السعيد. فماهي ياترى

الدعامات الأربع لبناء بيت سعيد؟

 

إن أول ركن نستلهمه من سيرة سيد المرسلين وهو الداعمة الرئيسة الأولى وهو:

 

الرفق واللين: كان عليه الصلاة والسلام لين الجانب رقيق لطيف، ما شوهد أبدا قاسيا مع الناس أو مع أهل بيته. وقد أخبره ربه أن هذا الخلق هو ما جعل الناس يلتفون حوله وحول دعوته فال تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليض القلب لانفظوا من حولك فما وهبه الله تعالى من رقة ولطف ولين هو رحمة من الله، هبة وعطاء, قوله تعالى لانفظوا من حولك، أكبر دليل على أن الرفق يجمع، أما العنف فيفرق.

وفي البيان النبوي: ” إن الله يحب الرفق في الأمر كله” وأيضا ” إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق “ فهو إذن مصدر الخير والهناء وراحة البال في الأسرة السعيدة.

 

المعاشرة بالمعروف: قال تعالى: وعاشروهن بالمعروف يقول الطبطبائي في تفسير الميزان: المعروف هو ما يعرفه الناس بالذوق المكتسب من الحياة الاجتملاعية المتداولة بينهم.

وهو التعامل بأسلوب لائق يتناسب مع تعاليم الشرع وأعراف المجتمع، والمعاشرة الطيبة تشمل القولية والفعلية من صحبة طيبة وبذل الخير والعطاء والنفقة والكسوة وحسن المعاملة وكف الأذى. قال عليه الصلاة والسلام :” استوصوا بالنساء خيرا” ويدخل ضمن المعاشرة محوران : الاحترام والتقدير وما يدخل تحتهما من خصال . ومحور أداء الحقوق ضمن ما تعارف عليه المجتمع وقد حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم مفهوم الخيرية والأفضلية ونسبها لمن يحسن إلى أهل بيته ويعاملهم بالحسنى والمعاشرة بالمعروف. قال : ” خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”.

 

الحوار والتواصل: تقنية مهمة مرت معنا في خلاف النبي مع أمنا عائشة. مهارة مهمة ينبغي اكتسابها والتدرب عليها حتى نتفادى الكثير من العوائق فقد يكون الخلاف في أوله مجرد سوء تفاهم لكنه يكبر ككرة الثلج كلما أهمل في الحوار.

 

الثقة: الثقة هي صمام أمان استقرار الأسرة، فغيابها وحضور الشك هو المعول الهدام الذي ينخر في أساس الأسرة ويرديها في الهاوية. الغيرة مطلوبة لكن حذاري من الغيرة المرضية التي تعلو عن سقف المعقول: فمن فقد الثقة في شريك حياته فقد الطمأنينة وراحة البال.

 

و بعد تثبيت الأركان على الأساس المتين نمر إلى ذكر اللبنات التي بها نبني ونشيد لعمران الأسرة الرشيدة والسعيدة، وهي كثيرة وأصيلة في أخلاق المسلمين وفي تقاليدهم المنسجمة مع تعاليم الدين، لكن ما تعرضت له الأسرة المسلمة كما المجتمع بأسره من تغريب فكري واغتصاب أخلاقي واستلاب حضاري أفقدنا الكثير منها. وهي لبنات نقسمها حسب ما هو نفسي وذاتي، وماهو سلوكي،اجتماعي، ومالي.

 

فالنفسي منها كالصبر والمصابرة في تجاوز صعوبات الحياة واستيعاب الطرف الأخر بعيوبه.

 

والذوقي: كغض الطرف عن بعض الأمور الجزئية والمداراة واستصغار المشاكل، والمصارحة العاطفية والتعاون في خدمة البيت ورعاية الأبناء، وترك مسافة بين الزوجين وعدم الانصهار والذوبان كليا في شخص واحد.

والسلوكي: كحسن التعامل على أرضية الإحسان طلبا لوجه الله بدل أرضية الندية والحقوقية، فالحياة الزوجية ليست معركة وإنما هي عبادة بدليل الحديث المعروف:” وفي بضع أحدكم صدقة”.

وهناك من اللبنات ما هو اجتماعي: كالإحسان إلى الأصهار والوالدين وتقديرهما. والإشراك والمشاركة في اتخاذ بعض القرارات. ثم الاستقلالية في تربية الأبناء ومراعاة القواعد السليمة في ذلك.

وهناك ما هو مالي: كالتدبير المالي الجيد وترشيد النفقات وهو من مقاصد الدين الكبرى، وهي مهمة الزوج المرأة والرجل على السواء.

 

وختاما تخيلوا معنا بيتا أو أسرة أساسها متين بماذكرناه، وأركانها قوية بما شيدناه ولبنات صلبة عصية عن الاختراق شكلت جدرانها، فأي سقف هذا الذي سيظله وأي غطاء سيحميه ويدفئه.

الجواب في الآية المنطلق في حديثنا. نعود إليها لنكتشف ماهية السقف والغطاء الرباني الذي وعد به تعالى الأسرة التي حققت السكن والتساكن. والشاهد عندنا قوله تعالى: وجعلنا بينكم مودة ورحمة هو عطاء وهبة، تتويج إلاهي يزين به رب العزة هذان اللذان التقيا في الله وزرعا زرعهما حتى استغلظ واستوى على سوقه. فبعد أن يحصل السكن والسكينة والاطمئنان والاستقرار والتكامل الوظيفي بين الزوجان يحظيان برداء المودة والرحمة والمحبة والألفة تكريما ربانيا، وما أجله من تكريم.

في الأخير، أختم بحكمة من حكم ابن عطاء الله السكندري يقول: ” العلم النافع هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه، وينكشف به عن القلب قناعه”.

وفحوى هذه الحكمة ومعناها، أن كل علم تلقيته ولم يترك فيك أثرا يغيرك وينقلك من حال إلى حال، ويشعل فيك جذوة إرادة التغيير والعزم، وينير شعاعه صدرك، فليس بنافع لك. وإن كان في ماهيته كذلك. لكن منفعته لم تلامس إرادتك. والخلاصة أن نتلقى كل علم وكل معرفة بإرادة التغيير وعزيمة الارتقاء…

جعلنا الله وإياكم ممن يسمعون القول ويتبعون أحسنه.

التنشئة السليمة

الأبناء هم فلذة الأكباد، وهم أمانة في أعناق الآباء. ومن الأمانات التي لا يجوز خيانتها رعاية الأبناء، فالآباء يُسألون عن رعايتهم لأبنائهم إن أحسنوا أو أساءوا التربية وهم مسؤولون امام الله عن تربية أبناهم وحسن إعدادهم وتنشئتهم التنشئة السليمة الصحية والنفسية والدينية. العائلة هي أ

حتى لا يغيب رمضان عن الأسرة المسلمة

رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها أسرنا ومجتمعاتنا العربية والإسلامية، فبلا شك كان رمضان نفحة ربانية لها في هذا التوقيت، ونتناصح دائمًا ألا يغيب رمضان عن أسرنا هذه. وننصح أنفسنا والقارئ الكريم بهذه النصائح كي لا يغيب رمضان عنا: أولا- تعزيز فكرة الثواب والعقاب ب

انهيار الأسرة تراجع حضاري

لعل من إحدى الحسنات الباقية في الحالة العربية والإسلامية، رغم ما تبدو عليه من تراجع حضاري بوجه عام، ومن وضع مزر لا يخفى على أحد؛ أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية مازالت تحتفظ بتلك النواة الصلبة «الأسرة»، مع ما يمكن أن يقال عما أصابها من عيوب وأمراض. إن الأسرة من المنظور الإسلام