استبِـــاق الخَيـــرات

خاص عيون نت

التاريخ: الإثنين 29 إبريل 2019 الساعة 07:26:36 مساءً
استبِـــاق الخَيـــرات

يقول الله تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } فاطر 32

الحمد لله حمدا كثيرا على نعمة الاسلام؛ خصّنا فيه بخير كتاب أنزل، وأكرمنا بخير نبي ارسل، وجعلنا من خير امة اخرجت للناس بالدين الحق وسبيل الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة. ذلك الفضل هو الكبير.

 واذا كان المسلمون سواءً في شرف الانتماء للاسلام، والتميز والامتياز بهويته العقدية البريئة من الكفر والشرك والنفاق، إلا انهم ليسوا سواء في التديّن بالاسلام والعمل به والتحلي بفضائله؛ ولذلك فهم على مراتب واصناف ثلاثة كما في آية الانطلاق:

  ـ فمنهم "ظالـم لنفسه" بتفريطه في طاعة الله، فلا يعمل بالاوامر ولا يجتنب النواهي، وانما يكتفي بالدخول في دائرة الاسلام دون التزام ولا عمل. وبذلك يقع ظلم تفريطه على نفسه{ وما ربّك بظلاّم للعبيد}.

  ـ ومنهم "مقتصـد" يكتفي من دينه بما هو واجب عليه من التكاليف والطاعات، لا يزيد عليها من اعمال التطوع بالنوافل وفعل الخيرات شيئا. أو هو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا { عسى الله ان يتوبَ عليه}.

  ـ ومنهم "سـابق بالخيـرات"، وهو الذي يتبوأ أعلى المقامات من الفضل عند الله لكون سباقا الى كل خير من اعمال الطاعات والقربات وفعل الخيرات. حيثما لاح له خير ، لدينه ودنياه وآخرته، سارع اليه وسابق من أجله، لا يتباطأ ولا يتقاعس، مسارعا في نيل رضا الله ورضوانه{ ذلك هو الفضل الكبير}.

  وكما يتفاضل المسلمون في مراتب العمل بالاسلام، ما بين ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات، كذلك التفاضل يوم القيامة في ميزان العدل الالهي، الا من أدركه فضل من الله الحليم الكريم{ ذلك فضلُ اللهِ يوتيهِ مَن يشاءُ واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ}. فالسابقون الى الطاعات وفعل الخيرات في الدنيا هم السابقون الى جنات النعيم يومئذ فطوبى لهم :{ وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10)أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ في جنات النعيم} الواقعة 12.

  من البدَهي ان كل المسلمين يؤمنون ان الجنة والنار حق لا ريب فيهما، وكلهم يطلبون الجنة ولا يرضون ان يكونوا من اهل النار. فهل كلهم يعملون من اجل ذلك؟ هنا يكمن الفرق بين العاملين المجدّين بهمة وعزيمة فيما يرضي الله تعالى كي يتكرم عليهم بسلعته الغالية( نعيم الجنة)، وبين الغافلين والمتقاعسين عن طاعة ربهم، مفتونين بالدنيا الفانية على حساب آخرتهم الباقية. والقرآن الكريم، في كثير من الآيات، يبشر وينذر، ويحذر من اضاعة فرصة الحياة الدنيا في وجهات الغفلة والتيه والضلال، دون اعتبار للآخرة ولا اجتهاد في كسب خير الزاد ليوم المعاد. يقول الله جل وعـلا:

{ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  } البقرة 148.

    ان السباق المطلوب هو المسارعة في طريق الجنة؛ والسباق المشروع تنافس في كل خير يرضي الله تعالى. ومعلوم ان المتسابق يتحرك بكل طموح وهمّة وعزيمة وقوة وصبر، من اجل ان يسبق الى الهدف او الغاية، او يكون من السابقين الأوّلين، فلا يتراخى ولا يمتباطأ، ولا يلتفت الى الوراء، ولا يتراجع، بل لا يدخر اي جهد جسماني ولا نفسي من اجل ان يبلغ خط الوصول ليكون من الفائزين. وأي ميدان عند المسلم العاقل، هو اجدر بكل مؤهلات التنافس والمسابقة و المسارعة، من ميدان الطاعات وفعل الخيرات في طريق الرضا والرضوان ونعيم الجنان.

   هكذا ينبغي ان يكون اهل الايمان في فرصة دنياهم، ينشدون الجنة من طريق رضا الله تعالى، عاملين مجدّين مسابقين ومسارعين، عملا بأمر الله لهم:{ سَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.. }آل عمران 133 ؛ { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } الحديد 21.

   إن المسارعين والمسابقين الى الطاعات وفعل الخيرات هم العارفون بالله جل وعلا، والمتنافسون فيما يرضيه، على محبة له وهيبة وتعظيم وخشية ورجاء؛ وهم الذين يبادرون آجالهم وكل المعوقات، بصالح الاعمال، طامعين في رضاه وجنته، ومشفقين من سخطه وعذابه يوم لقائه. اولئك الذين قال الله تعالى فيهم: { إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ۝ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِم ْيُؤْمِنُونَ ۝ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ۝ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ۝ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } المؤمنون 57 ـ 60.

   ايها الاخوة الكرام، تصوروا لو أن الجنة لاحت في الأفق، وقد كشف الله عنها الحجاب، وفتحت ابوابها، والمنادي ينادي : " سارعو الى الجنة .. سابقوا اليها .."  فكيف سيكون حالنا آنذاك ؟ ! . لاشك اننا سننطلق نحوها راكضين، مسارعين ومسابقين بكل قوة وحماس وعزيمة، لا هدف لنا الا السبق لدخولها ونيل المراتب العليا فيها !! . وأحيلكم هنا على ما ترون عيانا او مصورا لحال المتسابقين في المسجد النبوي الى الروضة الشريفة، كيف ينتظرون صابرين متحمسين متشوقين، حتى اذا فتحت الابواب او زالت الحواجز، تراهم يتهافتون بكل قواهم، وقد يدوس بعضهم بعضا !؟ . كل ذلك من اجل الحصول على مكان جلسة او ركعة، في الروضة الشريفة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة )(السيخان).

  واذا كان لمقام الروضة النبوية قدره وفضله ( على ان يكون بأدب وخشوع ، لا بالطريقة المشهودة) اليس جديرا بنا ان يكون السباق والتنافس باستمرار من اجل جنة الخلد التي وُعد المتقون، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ؟ ! . فكيف يتراخى بعضنا في طاعة الله وصالح الاعمال، بينما يقبل على الدنيا ومتاعها بكل همّة وعزيمة وصبر مسابقا ومنافسا؟ !. فان أعظم خسران وأشد حسرة على المرء، أن تكون الجنة عرضها السموات والارض، ثم لا يكون له فيها مكان ولا نصيب !.

   ما أكثر المسوّفين الذين لا يسارعون في الطاعات ولا يسابقون في الخيرات، حتى اذا امتدت دونهم الموانع والمعوقات، عاشوا على حسرة ما ضاع منهم وهم عن تداركه عاجزون. لهذا يوصينا رسول الله صلى الله عليه وسلم باغتنام الفرص المتاحة في طريق الطاعات والصالحات، قبل امتناعها بسبب او آخر، مما هو طارئ او محتوم : فقال: (بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنتظرون إلا فقراً مُنسيًا، أو غنًى مُطغيًا، أو مرضاً مُفسدًا، أو هَرَماً مُفنِّدًا، أو موتاً مُجهِزًا، أو الدجال، فشرُ غائبٍ يُنتظَر، أو الساعةَ، والساعةُ أدهى وأمَـرّ ؟)(الترمذي). فقد يُفتن المرء بفقره او غناه، او يقعده المرض، او تعجزه الشيخوخة، او يدركه الموت وهو على حال من الغفلة او التسويف بغير عمل، وحينها يندم ولات حين مندم !.

   ان الفاظ التحفيز والتحضيض على المسارعة والمسابقة والمبادرة الى الطاعات وفعل الخيرات، الواردة في القرآن والسنة، تلتقي كلها على حال من الحيوية والفعالية في طلاب فضل الله تعالى: ـ فالمسارعة فعل الاسراع دون تباطؤ ولا تسويف ولا انتطار. ـ والمسابقة تنافس في رهان السباق بحماس من اجل الفوز. ـ والمبادرة استباق الزمن والموانع الى صالح الاعمال قبل امتناعها او العجز عن فعلها.

   ولهذا فان المسارعة في الخيرات واستباقها، لا يكون عن جهل وكسل وتسويف، بل ان الداخل الى ميدان السباق والمنافسة، يكون على علم ودراية بالميدان، واهداف السباق وقواعده وشروطه ومتطلباته النفسية والجسمانية وغيرها. كذلك المؤمن العاقل وهو يطمح الى النعيم الابدي، يتفقه في دينه، ويغذي ايمانه بالصدق واليقين، ويعلم ان سلعة الله غالية، وهي الجنة، فلا يضيع من حياته شيئا دون ما ينفعه لآخرته. واما الجاهل الغافل، فلا يصحو من غقلته الا عند الاجل { فيقول ربِّ لولا أخّرتَني الى أجلٍ قريبٍ فأصّدّقَ وأكُن من الصالحينَ). وفي الحديث النبوي: (الكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِما بَعْدَ الْموْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَواهَا، وتمَنَّى عَلَى اللَّهِ الاماني ) (الترمذي).

             تــــزود من الـدنيــا فانـك لا تــدري     اذا جَــنّ ليل هل تعيـش الى الفجـــرِ

             فكم من سليم مـات من غير علــة     وكم من سقيم عاش حِينا من الدهـرِ

             وكم من فتىً يمسي وبصبح لاهياً     وقد نُسجَـت أكفانُــه وهـو لا يــــدري

 

الخطبـة الثانيـــة:

   عن ابي هريرة (ض) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ؛ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً؛ يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا ) ( رواه مسلم).

 

   ان التريّث والتأني والتمهل كل ذلك مطلوب في امور الدنيا، الا في امر الآخرة فالمطلوب المسارعة والمبادرة والمسابقة، لان مجالات الطاعات وفعل الخيرات فرضٌ يجب ان تغتنم قبل ان تضيع. وما الدنيا الا مزرعة للآخرة يغتنمها العاملون لآخرتهم. فهنيئا لمن جد واجتهد وسارع وسابق وبادر قبل فوات الاوان، ويا ويل من شغلتهم الدنيا الفانية بالمتع الدنية ورحلوا الى الاخرة بغير زاد .

   ونقول لبعض الناس الخيّرين المحبين للخير والاحسان، ولكنهم مبتلون بالتسويف والتأجيل فيما ينوون من صالح الاعمال، فتضيع منهم قبل انجتزها. نقول لهم ان احسان النيات لازم ومحمود، ولكن برهانه في مبادرة الزمن والاعمار وكل المعوقات قبل حلولها. فكم من المحسنين ضاعت منهم مشاريع خير مهمة وما لها من نفع وثواب عظيم، لانهم لم يبادروا مسرعين الى فعلها .

   فبادروا ايها الاخوة الكرام الى كل ما يرضي الله تعالى من الطاعات والقربات وفعل الخيرات، ولا تجعلوا للنفس والشيطان عليكم سلطانا بالتسويف والتباطؤ والانتظار، فانما تسارعون الى{ سَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(آل عمران 133 ـ 134}

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون احسنة، ومن المسارعين فيما يرضيك من الصالحات.

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص

التغيير الاجتماعي وصراع القيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصح

النظرة الايجابية واثرها

الحمد لله الذي أمر عباده بالجد والاجتهاد، والسعي لما فيه مصلحة العباد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك جعل السعي إلى الكمال الإنساني طبيعة بشريّة، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، علّم أمته معاني الهمّة والعزيمة، والايجابية وغرس فيهم قوة الإرادة والشكيمة