الاستبداد والنفاق

التاريخ: الخميس 25 إبريل 2019 الساعة 07:09:42 مساءً

كلمات دلالية :

الاستبداد
الاستبداد والنفاق

هناك مفاهيم إسلامية أصولها كلمات قرآنية خالصة، كلمات لم تعرفها العرب بمعانيها القرآنية إلى أن عرّفتها آيات الوحي وبينتها وفصّلتها، وهذه المفاهيم تتعلق بفئات تتلبّس بتلك المفاهيم وتتمثّل بمعانيها في مجموعات من الناس في الواقع المعيش. من تلك المفاهيم والفئات مفهوم (النفاق) وفئة (المنافقين)، وهي كلمة اختفت تقريباً من الاستعمال اللغوي – بالمعنى القرآني في هذا العصر، رغم أنها مهمة ولها صلة وثيقة بكثير من ما نعاني منه اليوم خاصة في بلوى الاستبداد.

وأصل الكلمة في لغة العرب فيه معنى الإخفاء، مثل نافق الفأر أي دخل جحره، وأصل ذلك الاستعمال كلمة النفق وهو الطريق في باطن الأرض، ولكن المعنى القرآني للنفاق هو إظهار الإيمان وإستبطان الكفر. ونظراً لأهمية الموضوع فقد حكى القرآن عن فئة المنافقين في مئات الآيات من التنزيل الحكيم منذ أوائل سورة البقرة وحتى السورة الكاملة التي خصصت للموضوع وسميت باسم تلك الفئة (المنافقون)، والتي استفتحت بالآية: (إِذَا جَآءَكَ ٱلْمنافِقُونَ قَالُوا۟ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمنافِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ)، أي أنهم كاذبون في قولهم: نشهد إنك لرسول الله، لأنهم يبطنون الكفر.

وعلاقة الاستبداد والطغيان في الحكم بالنفاق في الإيمان علاقة قديمة، إذ أنه منذ أن علا المستبدون الطغاة إلى سدة الحكم في بلاد المسلمين ظهر معهم النفاق والمنافقون أصحاب علامات النفاق جميعاً، ومنها العلامة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، والتي روى عنها يقول: (وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إِلَيَّ أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِق). وهذا حديث صحيح رواه مسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم بأسانيد صحيحة لا يعكر عليها أن أحد الرواة – وهو عدي بن ثابت – اتهم بما سماه بعض أهل الحديث بالـ (تشيع) فضعّفوا هذا الحديث بروايته!

وموضوع تضعيف الرواة الثقات بتهم (التشيع) أو (الاعتزال) أو (القدر) موضوع طويل، ولكن تكفي الإشارة هنا إلى أن عدي بن ثابت هذا من كبار التابعين الذين شهدت لهم الأمة بالإمامة وقول الحق للسلطان الجائر، ويكفي مثالاً لهذا ترجمة الإمام الذهبي له والتي بدأها بقوله: (عدي بن ثابت الإمام الحافظ الواعظ الأنصاري)، وقد روي عدي عن البراء بن عازب رضي الله عنه – ولاحظ جهاد البراء للفئة الباغية في زمن الفتنة، وروى عدي كذلك عن سعيد بن جبير رضي الله عنه – ولاحظ أن سعيداً قد قتله الحجاج بن يوسف الثقفي سفاح بني أمية، وغير ذلك مما يدلنا على أن تضعيف بعض أهل الحديث لعدي بن ثابت وحديثه في موضوع النفاق هو مجرد موقف سياسي لصالح المستبدين المنافقين، و(التشيع) نفسه في ذلك الوقت المبكر على أي حال كان موقفاً سياسياً ولم يكن بالمعنى المذهبي البدعي الذي تطور من بعد.

ومن يبحث في ثنايا التاريخ يري – في ما وصل إلينا على أي حال – أمارات النفاق في كثير من مستبدي عصر الملك العضوض، ولو أن الباحث المنصف يحتار أحياناً في متاهات التاريخ حين يروي الرواة عن (فضائل) أولئك المستبدين مما يدل في رأيي على عمق أغوار أنفاقهم ودهاء خطابهم وتعقد سياساتهم، والتاريخ يكتبه المنتصر على أي حال فيحرف فيه الحقائق كما حرّف أهل المصالح الكلم عن مواضعه في كل زمان، وعند الله تجتمع الخصوم.

ولكن، ما لنا نتوه مع التاريخ البائد وآثاره المندرسة وعندنا أصل الأصول كاملاً، ألا وهو كتاب الله تعالى، والذي فيه بيان مبين للعلاقة المباشرة بين (الطاغوت) و(المنافقين) الذين يريدون أن يتحاكموا إليه. قال تعالى في سورة النساء في سياق حديثه عن المنافقين ونفاقهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًۭ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً(

وفي كتاب الله كذلك بيان واضح ومفصل لصفات المنافقين وأعمالهم، مما ينطبق على المستبدين قديماً وحديثاً وشرقاً وغرباً، ويمثل معايير حددة لتصنيفهم وفهمهم. ومن ذلك سياسة الإفقار والتجويع لأصحاب الحق وأهليهم، فقديماً قال منافقو المدينة: (لَا تُنفِقُوا۟ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا۟)، واليوم يسد منافقو العصر بكل ما عندهم من قوة موارد المال للأفراد والمؤسسات والحكومات التي تنشد الحق وتقاوم الباطل في أي صورة كانت، حتى أضحى الدعم والرعاية والوظائف وسوق الأعمال اليوم سلاح من الأسلحة الأساسية للمستبدين لشراء الذمم وتركيع الأفراد والمؤسسات والحكومات والشعوب.

وقديماً كان منافقو المدينة (يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمؤمِنِينَ)، وهم بذلك (يَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ) كما أخبرنا الله تعالى في القرآن، واليوم نرى تحالفات النظم الاستبدادية ضد أهل الحق عياناً بياناً مع أعداء الأمة ومحتليها وقاتليها ومهجري أهلها ومغتصبي حقوقها، وقديماً كان من منافقي الأعراب (مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ) وكان منافقو المدينة يلمزون النبي صلى الله عليه وسلم في الأموال العامة في بيت المال (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ)، واليوم يختلس المستبدون المنافقون بيت المال كله أو جله أو يدعون ملكيته أصلاً بلا حق، ثم يدّعون التصدق منه على شعوبهم في هيئة (منح سامية) أو (تبرعات كريمة)، وما زالوا يتربصون بالمؤمنين الدوائر على أي حال، وقديماً قال منافقو المدينة: (لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمدينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأعزُّ مِنْهَا ٱلْأذلَّ)، واليوم يظن المنافقون المستبدون أن في سجن العلماء الصادقين وتهجير الدعاة إلى العدل وقتل الشباب الحر والاعتداء على الفتيات المناضلات، ثم تدمير القرى والإفساد في الأرض – أن فيه إذلال وإرغام لهؤلاء وإعزاز وتثبيت لهم، ولكن يقول تعالى معقباً: (وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمنافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ(

وتوصيف تلك الفئة من المنافقين توصيفاً سليماً بالمفاهيم والمصطلحات الإسلامية السليمة هو أول نصر في معركة الوعي، الوعي الذي يعين على الحكم على تصرفاتهم والتعامل معها بشكل سليم، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وهذا الوعي يحمي الشباب من الحيرة في فهم التناقض بين القول المعسول على الشاشات والفعل الإجرامي على الأرض، وقد كثر، ويحمي الأمة من الانخداع بألقاب وشعارات ومظاهر (إسلامية) براقة يغطي بها أهل النفاق نفاقهم، حتى يضربوا الحق والعدل والمؤمنين بهما في مقاتل لا يستطيع أن يصل إليها الأعداء الصرحاء، والواقع لمن يتأمل خير شاهد ودليل.

الموضوعية والذاتية

ترتبط المناهج العلمية في دراسة الإنسان والظواهر الكونية بإشكالية الموضوعية والذاتية، فإذا كان الإنسان كيانًا ماديًا؛ فبالإمكان رصده بشكل ماديّ برَّانيّ/ خارجيّ، أما إذا كان الإنسان كيانًا مركبًا يحوي عناصر مادية ترد إلى عالم الطبيعة / المادية وعناصر غير مادية؛ فالرصد البرَّاني ال

العقل والدين .. دوائر التوحيد والوجودية

من دلالات مادة “عقل” في اللغة كما في لسان العرب: الجامع لأمره، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه، وقيل “العاقل” الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، أُخذ من قولهم قد اعتقل لسانه إذا حُبس ومنع الكلام. والمعقول: ما تعقله بقلبك. والعقل: التثبت في الأمور. والعقل: القلب، والقلب العقل. و

بين الإيمان بالغيب.. والإيمان بالخرافة

الأصل أن الإنسان يتعامل مع العالم المحسوس (عالم الشهادة) وهو مزوّد بالأدوات التي تساعده في ذلك، أما الذي هو خارج مداركه فهذا هو الذي نسميه (عالم الغيب) والدين -أي دين- من حيث المبدأ يعتمد على الغيب، وهذا هو الفارق بينه وبين العلوم التجريبية والقوانين الوضعية والفلسفات العقلية