الداعية في رمضان

التاريخ: الثلاثاء 23 إبريل 2019 الساعة 07:33:20 مساءً

كلمات دلالية :

رمضان
الداعية في رمضان

قبل أن يأتي موسم الحصاد يقوم المزارعون بالاستعداد التام؛ فيقومون بتجهيز أدوات الحصاد، وأدوات نقل المحصول، وأماكن التخزين؛ كل هذا استعدادًا لموسم الحصاد.

 

أما بالنسبة للزراعة فالاستعداد لها لا يقل أهمية عن الاستعداد للحصاد، فأدوات الزراعة، ووسائل الري، وتنقية البذور، وتهيئة الأرض، كل هذا يفعله المزارعون الماهرون، أما الكسالى فيظل التسويف والاهمال بهم حتى يتأخر بهم الحال، فيخرج الزرع ضعيفًا هزيلًا.

 

هذا مثال عملي يراه الناس في واقع حياتهم في العام مرتين أو أكثر، فأين المسلمون من هذا الاستعداد لرمضان؛ بل أين الدعاة حماة الدين وحملة النور للبشرية من هذا الاستعداد؟ ورمضان أفضل المواسم الدعوية، لقرب الناس من ربهم، وتواجدهم في المساجد، وحرصهم على الخير.

 

إن الداعية الماهر من يستعد لرمضان قبل مجيئه، فيوظف كل طاقاته ليغنم في هذا الموسم العظيم، تجارته مع الله رابحة، وعمله مبارك، وسعيه مشكور، وجهده لن يضيع سدًى، {وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:171].

 

إن أعداءنا يعرفون أهمية هذا الموسم، ويفهمون خطورة رمضان على مخططاتهم؛ فإنهم يظلون طوال العام يستعدون لرمضان بزخرف القول وسيئ العمل، ولكن بفضل الله تعالى يمسي عملهم بورًا، ويذهب جهدهم هباءً منثورًا؛ {إِنَّ اللهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس:81].

 

وإذا كان التاجر قد يضحي بفرص كثيرة حاشا فرص المواسم؛ فالدعاة إلى الله تبارك وتعالى أوْلى وأحرى بأن يحرصوا على استثمار المواسم واغتنامها في نشر دعوتهم، وألا يفرطوا فيها؛ وها هو الداعية الأول صلى الله عليه وسلم يستثمر فرصة اجتماع الناس في الحج ليعرض عليهم دعوته، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في الموسم فيقول: (ألا رجل يحملني إلى قومه؛ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي)»(1).

 

وعن ربيعة بن عباد الديلي قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف على الناس بمنى في منازلهم قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول: (يا أيها الناس، إن الله عز وجل يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا)، ووراءه رجل يقول: (هذا يأمركم أن تَدَعوا دين آبائكم)، فسألت: (مَنْ هذا الرجل؟)، فقيل: (هذا أبو لهب)»(2).

 

ورمضان هو أفضل الشهور على الإطلاق عند الله عز وجل، فيه تفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النيران، وتصفد الشياطين، تضاعف فيه الأعمال والحسنات، فهو فرصة سانحة للفوز بالجنة والهروب من النار، الرابح فيه من أحسن الطاعة وأكثر من سبل التقرب إلى الله، والخاسر من تركه يمر مرور الكرام، فيه ليلة القدر، أفضل ليال العام كله، وفيه أنزل القرآن على صدر المصطفى؛ لذا كان على المسلم أن يعد له العدة وأن يشمر عن ساعديه للفوز بالجنة.

 

وثمة جوانب ومجالات عدة تفتح أمام الدعاة في رمضان، لا تفتح أمامهم في غيره؛ فالقلوب تصبح أقل قساوة، وأكثر قربًا إلى الله تبارك وتعالى منها في غير رمضان؛ ولذا نرى الرجل الفاسق المعرض، المسارع في الكبائر، تتغير أحواله في رمضان.

 

وفي رمضان يكثر مرتادو المساجد أكثر مما في غيره.

 

وفي رمضان يصبح الناس أكثر إصغاءً وإقبالًا على الموعظة منهم في غيره.

 

وفي رمضان يكثر توافد الناس على بيت الله الحرام لأداء مناسك العمرة؛ مما يتيح فرصة للخير لأهل البلد الحرام والوافدين عليه؛ بل يتيح فرصة لكافة الدعاة في استثمار هذا الجانب ومرافقة من يريدون دعوته لأداء العمرة؛ فيتيح السفر لهم ما لا يتيحه غيره.

 

وفي رمضان يقبل الناس على إخراج الزكاة والصدقات؛ فيكون ذلك فرصة الدعاة في حث الناس وتوجيه الأموال للمصارف المجدية المفيدة، وتعد مشاريع تفطير الصوّام ميدانًا للإحسان إلى الناس ورعايتهم، ويمكن أن يضم لذلك برامج دعوية وتوجيهية.

 

ويتيح قدوم المرأة للمسجد في رمضان فرصة لخطاب شريحة واسعة لم يكن يتيسر خطابها قبل ذلك؛ فثمة فئة واسعة من النساء لا تأتي إلى المسجد إلا في صلاة التراويح في رمضان.

 

الأهداف العامة للدعاة في رمضان:

 

1- توحيد الكلمة:

 

إن شهر رمضان آية عظيمة من آيات الله في جمع كلمة المسلمين، وتأكيد استسلامهم لرب العالمين؛ ففي الوقت الذي يبذل فيه أعداء الإسلام شتى جهودهم لربط المسلمين بأفكار الشرق والغرب، وإبعادهم عن التمسك بدينهم والتزام شريعتهم، يأتي شهر رمضان ليجمع المسلمين على منهج واحد وطريقة واحدة وعبادة واحدة وغاية واحدة؛ فلا يتخلف أحد عن طريقة العبادة في رمضان صيامًا وقيامًا، صلة وإنفاقًا، تلاوة وذكرًا، ولو في الظاهر، ولا شك أن لهذا كبيرَ الأثر في إقامة ما اعوج من حال كثير من المسلمين، فنرى كثرة التوبة في رمضان وبعده، ونرى التغير في سلوك كثير من المسلمين في رمضان وبعده(3).

 

المسلمون يد واحدة، وقلب واحد، وكيان واحد، المسلمون كما وصفهم عليه الصلاة والسلام بأنهم كالجسد الواحد، ولم يجمع شتاتهم إلا الإسلام، ولن يؤاخي بينهم إلا الإسلام {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:63].

 

ليس عند المسلمين وحدة لغة أو دم أو لون أو جنس أو وطن، عند المسلمين وحدة دين، تجمعهم مظلة لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

خاطبنا الله بالصيام جميعًا فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].

 

حجنا واحد، في زمن واحد، على صعيد واحد؛ {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة:198].

 

دعانا الله إلى الاعتصام بحبله ونبذ الفرقة، فقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران:103].

 

نهانا سبحانه عن الفرقة فقال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:105].

 

وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»(4)، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب المسلم من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه»(5).

 

إن روح الإخوة التي يشعر بها المسلمون في رمضان هي أكبر معين للدعاة على إحياء الوحدة الإسلامية، وإشعار المسلمين بواجبهم تجاه إخوانهم في شتى بقاع الأرض، فقضايا المسلمين كثيرة ومتعددة، ومآسي المسلمين لا تنتهي حتى يعود المسلمون إلى ربهم، ويستعصموا بحبل الله المتين.

 

فوحدة المسلمين ليست خيارًا استراتيجيًا يلجأ إليه المسلمون عند الحاجة أو الضرورة؛ بل هي أصل من أصول الدين الكلية، وقاعدة من قواعده العظمى، والتفريط فيها معصية توجب غضب الله وعذابه في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب:39].

 

2- ربط المؤمن بالقرآن:

 

رمضان شهر القرآن، فمن الطبيعي أن تكون المواعظ والدروس والخطب فيه مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالقرآن، ورمضان هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن {هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185]، وكان جبريل يدارس فيه رسول الله القرآن، فالحديث عن القرآن في رمضان له مناسبته وله خصوصيته لا سيما مع إقبال الناس عليه.

 

وينبغي أن يستغل الدعاة في هذا ارتباط الناس بالقرآن؛ تلاوة وحفظًا وتدبرًا، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29]، واستحضار الآيات في أذهانهم؛ فإذا تكلم الواعظ عن التوحيد جعل أكثر أدلته من القرآن، وإذا تكلم عن الأخلاق والسلوك استدل بالقرآن، وإذا تكلم عن القصص والعبر استمدها من القرآن، وهكذا يجعل غالب استدلاله على ما يقوله من كتاب الله تعالى، حتى يبين للناس أن هذا القرآن منهج حياة، ورضي الله عن أم المؤمنين عائشة، لما سئلت عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: «كان خُلقه القرآن»(6).

 

ورمضان فرصة لإحياء مساجدنا وبيوتنا بكلام الله تعالى، لا سيما مع إقبال الناس على القرآن.

 

وينبغي للصائمين ألا يذروا في بيوتهم شيئًا يزاحم القرآن، لا سيما إذا كان يعارضه ويناقضه، كما هو الحال في كثير من البرامج الفضائية والتلفازية التي ينشط أهل الشر في عرضها وتزينيها في رمضان؛ بقصد جذب المشاهدين إلى قنواتهم، والتي لا تزال تـزاحم القرآن والذكر وسائر العبادات في هذا الشهر العظيم(7).

 

3- بث روح العزة في نفوس المسلمين:

 

الأصل في رمضان أنه شهر الانتصارات والفتوحات على مدار التاريخ الإسلامي؛ ففي رمضان كانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وفي رمضان كان فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، وفي رمضان فتحت الأندلس في سنه 91 من الهجرة، وفي رمضان كانت موقعة عين جالوت سنه 658 من الهجرة؛ فرمضان شهر الانتصارات والفتوح؛ لكنها سنة الله عز وجل: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه:124]، فعلينا أن نتذكر ونذكِّر الناس في رمضان كيف كان حالنا يوم كنا نعظِّم شريعة الله وشعائره، كنا أعزّ الناس وخيرهم... علينا أن نتذكر وأن نُذكِّر الناس، إن كان الإيمان قد ضعف في القلوب، فلنقرأ التاريخ لنرى، في واقع ملموس وأحداث حية، كيف كان حالنا عندما نلزم شريعة الله عز وجل في حياتنا، ثم نقارن ذلك بحالنا الآن ونحن نعيش بعيدًا عن دين الله وشريعته(8).

 

4- همة الدعاة في رمضان:

 

يستطيع الدعاة أن ينظموا برامج دعوية في رمضان؛ مثل ترتيب موعظة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر وبين التراويح، على أن تكون مرتَّبة وموجَّهه كلٌّ منها يخدم فرعًا من الفروع، كذلك إعداد المسابقات الرمضانية على مدار الشهر وتوزع جوائزها في العيد أو مسابقة يومية بجوائز فورية، كذلك ترتيب مجموعات لإعداد حقائب رمضان للفقراء، وتجميع صدقة الفطر وتوزيعها.

 

ثم أهم ما ينبغي الاعتناء بإعداده هو برنامج الاعتكاف، وهذا في غاية الأهمية، وينبغي أن يركَّز فيه على الالتزام والانضباط، والخلوة والاجتهاد في الطاعة، والصبر عليها، وحسن التعامل مع الإخوان، ثم تنظيم مصلى العيد، ومطويات أو كتيبات للتوزيع وهدايا للأطفال، وغير ذلك مما يستغل فيه هذا الشهر الكريم(9).

 

يمر بنا رمضان كل عام فلا يجد فيه كثير من الدعاة والمصلحين المعين الذي يجدد الإيمان في قلوبهم، ويعينهم على مواصلة ما نذروا أنفسهم للقيام به، من دعوة وإرشاد وتربية للناس على مفاهيم هذا الدين، وتعليمهم ما يحتاجون إليه في أمر دينهم.

 

إن رمضان الذي مرَّ على الأمة سابقًا، وأثّرَ فيها تأثيرًا عميقًا، ولا نجد له مثيلًا في حياتنا، هو رمضان نفسه.

 

والقرآن الذي تلاه سلفنا الصالح، وحرّك كوامن الإيمان في قلوبهم، وملأها بالخوف والخشية هو القرآن الذي نقلبه بين أيدينا في عصرنا هذا، فلماذا تغيرت أحوالنا عن أحوالهم؟ وما هو الخلل الذي حدث في حياتنا؟

 

إننا حين نقف مع هذه الظاهرة الخطيرة في نفوس الدعاة والمصلحين نلحظ الأسباب التالية:

 

أولًا: خطأ كثير من الدعاة في تغليب الاهتمام بالآخرين على حساب الاهتمام بالنفس، والفهم الخاطئ للنصوص التي جاءت مرغبة للخير في هذا الشهر.

 

وهذا فهم فيه شيءٌ من الصحة، ولكن لا يعني بلضرورة الجود بالوقت كله للآخرين وإهمال النفس؛ لأن النفس الجزء الأكبر من الجود بشغلها بالطاعات والقربات لتطهر ولتتزكى، وخصوصًا أنها هي مصدر الجود الذي يراد بذله للآخرين.

 

ثانيًا: نسيان كثير من المصلحين أن النفوس العاجزة عن التأثير في ذاتها، وقصرها على جوانب العبادة المختلفة، ستكون أشد عجزًا عن التأثير في الآخرين وغرس المبادئ والقيم الخيّرة في نفوسهم، وهذا هو مضمون العبارة التي تقول: «فاقد الشيء لا يعطيه»؛ إذ كيف يوصل الإيمان للقلوب ويعلقها بالله قلب مقطوع عن الله؟ وكيف يرقق القلوب ويغذيها بالخوف والخشية قلب قاسٍ لم يتمرغ في طاعة الله، ولم تدمع عين صاحبه من خشية الله، ولم تتغذَّ روحه بالصلاة والقيام وتلاوة القرآن؟

 

ثالثًا: الغفلة عن حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أعظم الدعاة، وعن حال السلف الصالح.

 

- فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم: كان ينزل عليه جبريل في رمضان كل ليلة فيعارضه القرآن.

 

- وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشدَّ المئزر(10).

 

ولا يعني هذا أن يتفرغ الدعاة والمصلحون لأنفسهم، ويتركوا الميدان للمفسدين والمضللين ودعاة الشر بحجة الاهتمام بالنفس قبل الغير، ولا يعني في المقابل أن يبذلوا لهم كل أوقاتهم وجهودهم؛ بل التوسط مطلوب في كل الأمور، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم، كما قيل، والوقت فيه مُتَّسع لهذا وذاك إذا أخلصنا النيات وجردنا المقاصد ورتبنا أولوياتنا، واستبعدنا كثيرًا من الأمور التي تُعدُّ من الترف، أو يمكن قضاؤها بعد رمضان.

 

إن اهتمامكم بأنفسكم وصلتكم بالله هي من الدعوة ذاتها؛ لأنها المعين الأول لكم، بعد توفيق الله، على مواصلة جهدكم في دعوة الناس وتعليمهم، وإصلاح فساد مجتمعاتنا، والتي تحتاج إلى ثقة كبيرة بنصر الله لهذا الدين، مهما بلغ حجم الانحراف والفساد في هذه الأمة، وهذا ما تغرسه العبادة والاتصال بالله في النفوس؛ حتى لا تقع ضحية اليأس والإحباط من التغيير.

 

إن كثيرًا من المسلمين يعتنون بالصيام أكثر من غيره ولا يفرطون فيه؛ بل إنك ترى فئة كبيرة منهم يصوم وإن كان لا يشهد الصلاة مع المسلمين، والصيام يكشف عن جوانب مهمة في النفوس من القدرة على الامتثال، والقدرة على ضبط النفس، والسيطرة على شهواتها، وكثرة أسئلة المسلمين عن أحكام الصيام وعنايتهم بها يكشف جانبًا من الخير.

 

ألا يمكن أن يستثمر ذلك كله في خطاب المسلمين وإقناعهم بأن ثمة جوانب كامنة في نفوسهم ينبغي أن ينطلقوا منها إلى تصحيح واقعهم؟

 

إن مثل هذه الفرص ينبغي أن تدعونا إلى توسيع دائرة الخطاب وموضوعه؛ فلا يقتصر على مجرد حث الناس على استثمار رمضان، وتلاوة القرآن، وصلاة التراويح فقط، فمع أهمية هذه الأمور وضرورة الحديث عنها، إلا أن هناك ما لا يقل عنها أهمية ووجوبًا في حياة المسلمين؛ كالتوبة، وإصلاح القلوب، واجتناب الموبقات، وأداء ما أوجب الله تبارك وتعالى وغير ذلك(11).

 

***

 

______________

 

(1) أخرجه أبو داود (4734).

 

(2) أخرجه أحمد (16024).

 

(3) حوار مع فضيلة الدكتور خالد صقر، موقع مجلة البيان (2/8/2011م).

 

(4) أخرجه البخاري (481).

 

(5) أخرجه مسلم (2564).

 

(6) أخرجه أحمد (25302).

 

(7) رمضان والقــرآن، شبكة صيد الفوائد.

 

(8) حوار مع فضيلة د. خالد صقر، موقع مجلة البيان (2/8/2011م).

 

(9) المصدر السابق.

 

(10) أخرجه مسلم (1174).

 

(11) فرصة سانحة للدعاة، موقع: صيد الفوائد.

هل فشل الإسلام السياسي حقاً؟

اعتاد خبراء غربيون متابعون لمسيرة الحركة الإسلامية كلما تعرض إسلاميون هنا أو هناك لنكسة أو حتى لمجرد تراجع في انتخابات، ولو كان طفيفاً، أن يؤذنوا في العالمين بأعلى مكبرات الصوت معلنين عن فشل وانهيار ونهاية الإسلام السياسي، وذلك ما يتردد في ندواتهم وأحاديثهم لوسائل الإعلام التي تس

15 مولِّدا للرضا في القلوب

1. ولا يدرك كثير من الناس أن مثقال الذرة من الصبر والرضا من أعمال القلوب، قد تزن أمثال الجبال من أعمال الجوارح، ووظيفة الميزان يوم القيامة أن يزِن الأعمال لا أن يعُدَّها. 2. رضاك شرط رضاه! قال يحيى بن معاذ: إذا كنتَ لا ترضى عن الله .. كيف تسأله الرضا عنك؟! 3. لو انكشفت لكم

المسجد مؤسسة جماعية

أهم مؤسسة عمومية في الإسلام هي مؤسسة المسجد، وإذا كان الحديث النبوي الشريف قد أنبأنا عن أكثر عرى الإسلام صلابة وصمودا، وآخرها انتقاضا واختلالا، ألا وهي فريضة الصلاة، فإن هذه الفريضة تتوقف إقامتها ودوامها على إقامة المساجد ودوامها. وإلى هذا، فإن الآثار الإيجابية للمسجد تنعكس وت