هل التغيير ضرورة في الحياة

التاريخ: الأربعاء 17 إبريل 2019 الساعة 06:37:50 مساءً

كلمات دلالية :

التغيير
هل التغيير ضرورة في الحياة

يعتبر التغيير إحدى ضروريات الحياة، فهو العلم الذي يوضع في الممارسة والتطبيق من تغيير نظم ومجتمعات اتصف بالجور والضعف والفساد، ففي علم السياسية التغيير الانتقال من مرحلة معينة إلى مرحة أخرى أقل قيوداً وأكثر حرية، فهو يتيح للقوى الاجتماعية أن تأخذ بيدها مقاليد القيادة، فتضع الحياة الأكثر ملاءمة وتمكينا محققة بذلك خطوة على درب التقدم الإنساني نحو مثله العليا. فحين ينظر المرءُ إلى رسالات الأنبياء يجدها تغييراً جذرياً للحياة والأحياء فهي متضمنة معنى الثورة في العمق والشمول، ففي القرآن الكريم نلمس إشارات إلى ما يعنيه مصطلح (الثورة) من تغيير عميق ومن انقلاب على الأوضاع المخالفة لأحكام الله وشرعه فمثلاً بقرة بني إسرائيل كانت {لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ} [البقرة:71]أي لا تقلبها بالحرث، القلب الذي يغيرها فيجعل عاليها سافلها، ومن الأمم السابقة من {كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا} [الروم:9] أي قلبوها، وبلغوا عمقها. وفي القرآن الكريم والسنة النبوية إشارات لتضمن مصطلح (الهياج والانتشار) فالخيل إذا اقتحمت الميدان {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا} [العاديات:4] أي: هيجن به التراب، والله سبحانه وتعالى هو {الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} [فاطر:9] أي تهيجه وتنشره، وفي الحديث الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حول هياج الأوس والخزرج: «فثار الحيان، الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله قائم على المنبر لم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت» [رواه البخاري ومسلم وأحمد]. وفي الحديث الذي يرويه مرة البهزي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم متنبئاً بفتنة عثمان بن عفان رضي الله عنه: «كيف في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي -قرون- بقر» [رواه أحمد].

 

وكذلك استخدم القرآن الكريم للدلالة على معنى الثورة مصطلح (الانتصار) وهو الانتصاف من الظلم وأهله، والانتقام منهم وهو فعل يأتيه (الأنصار) ضد (البغي) الذي هو الظلم والفساد والاستطالة ومجاوزة الحدود قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى:39-42]، فمن صفات المؤمنين أنهم إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، ولذا استثنى القرآن الكريم الشعراء الذين ثاروا وانتصروا من بعد ما ظلموا من الحكم الذي أصدره عليهم أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون، قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء:227].

 

ولقد أجمع علماء الإسلام على وجوب التغيير السلمي بالإصلاح لنظم الجور والضعف والفساد ومنعوا التغيير بالسيف لا كراهة للتغيير، وإنما لاختلافهم في الموازنة بين إيجابيات وسلبيات استخدام العنف في التغيير، ولذا ندم علي بن أبي طالب في موقعه صفين والجمل وقال لابنه الحسن: "يا ليتني مت قبل ذلك بعشرين سنة" وذلك لما آل إليه الأمر من إراقة الدماء وذهاب الصالحين من الصحابة مع أنه كان أميراً للمؤمنين يجب سمعه وطاعته ويحرم الخروج والتمرد عنه، لكنه أراد التغيير من الاختلالات التي حدثت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وهكذا الخوارج مثلاً قد رأوا الخطر العظيم على الإسلام والمسلمين في الانقلاب الأموي الذي حدث على الشورى وفلسفتها، وعلاقة الحاكم بالمحكوم فرجح لديهم التغيير على ذلك النظام، وأولئك المعتزلة قد رأوا ذلك الرأي فاشترطوا في التغيير (التمكين) الذي يجعل النصر محققا أو ظنا غالبا، لإعلان تغييرهم تفادياً لما جرته التمردات من مآس وآلام، كما اشترطوا وجود الإمام الثائر أي الدولة والنظام البديل، وأهل الحديث وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل قد رفضوا سبيل التغيير الثوري لأنهم رجحوا ايجابيات النظام الثائر على سلبيات الثورة فقالوا: إن السيف باطل ولو قتلت الرجال، وسُبيت الذرية، وإن الإمام قد يكون عادلاً، وقد يكون غير عادل، وليس لنا إزالته وإن كان فاسقاً..

 

ومن أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان".

 

ويعجبني في هذا السياق صورة التغيير عند الإمام الغزالي الذي يعد أحد أقطاب الفكر الأشعري الذي وقف موقف الموازنة بين التغيير السلبي والإيجابي فقال: "والذي نراه ونقطع به أنه يجب خلع الإمام الجائر إن قدر -انظر- على أن يستبدل عنه من هو موصوف بجميع الشروط من غير إثارة للفتنة ولا تهيج قاتل، فإن لم يكن ذلك إلا بتحريك قتال وجبت طاعته وحكم بإمامته، لأن السلطان الظالم الجاهل متى ساعدته شوكته وعسر خلعه، وكان في الاستبدال به فتنة ثائرة لا تطاق، وجب تركه، ووجبت طاعته له" ومعنى هذا أنه إذا احتمل المجتمع تبعات التغيير وأطاقوها، ولم يكن التغيير عسيراً فإن التغيير جائز.

 

وحين نقرأ التأريخ بإمعان نلحظ أن الفترات التي اشتد فيها الهجوم الخارجي على الدولة الإسلامية من قبل التتار والصليبيين وغيرهم انخفتت الأصوات المطالبة بالتغيير على ولاة الجور وذلك تغليباً للمصلحة العليا للمجتمع المسلم وتغليبا في الموازنة لكفة الوحدة في مواجهة الخطر الخارجي، على كفة الصراع السياسي الداخلي، فالمواجهة المسلحة مع الكفار -أعداء الإسلام- أوجب وأولى من المواجهة مع الظلمة وأئمة الجور، فهل يعيى سياسيو عصرنا ذلك ويستفيدوا من تاريخنا المشرق الوضاء، أم أن لكل زمان ظروفه ورجاله كما يقال!!.

 

إن ميادين التغيير لا تقتصر على تغيير الأنظمة المستبدة فقط فميادين التغيير رحبة وشاسعة عبر المسيرة الحضارية إذا نحن بحثنا عن التغيير الشامل والجذري فسنجد الاجتهاد ثورة على التقليد المخالف للشرع، والإبداع ثورة على المحاكاة والنمطية، والتقدم المنضبط بأدوات الشرع ثورة على الاستبداد والتسلط والقهر، والتفكير ثورة على الارتجال في الأعمال وعدم التخطيط، والاستمرار في التربية الشرعية للمجتمع ثورة على التسرع في استعجال النتائج والقفز على المسلمات الشرعية، وتطبيق النصوص الشرعية وفقهها ثورة على الأخذ بحرفية النصوص وأقوال الرجال والمناهج الأرضية، والسمع والطاعة لله ولرسوله ثورة على السمع والطاعة لغير الله ورسوله وهكذا فالتغيير ضرورة من ضرورات الحياة لا يستغنى عنه بأي حال.

القيم بين الثبات والانسلاخ من هوية المجتمع

يفتخر كل مجتمع بقيمه التي يتميز بها، التي يتمسك بها ويحافظ عليها أطول فترة زمنية ممكنة، التي يتفوق بها على المجتمعات الأخرى، وتتجلى هذه القيم عند الأزمات والمواقف الصعبة، والأزمنة الشديدة. وتتعرض هذه القيم لمحاولات تشويه وإساءة من جهات مختلفة، وبالأخص وسائل الإعلام ووسائل التو

كيف يحمي المجتمع الإسلامي منظومته القيمية؟

المجتمع الإسلامي له قيمه وآدابه التي تميزه عن غيره من المجتمعات السائبة، تعبر عن شخصيته العامة، وتُبرز سلوكياته المنضبطة. ومن خصائص هذه القيم والسلوكيات أنها ليست مكتسبات محصَّنة من الضياع والتنقص، بل هي عرضة للذبول والتغير والتبخر، ما لم تتحصن بوسائل الحماية اللازمة، شأنها في

الشعوب أولا : الوعي والسلوك.. تنوير وتقويم

« تخلف العالم الإسلامى قضية معروفة وإن كانت مخجلة! وهذا التخلف أطمع الأقوياء فيه! بل قد طمع فيه من لا يحسن الدفاع عن نفسه! وشر من ذلك أن هذا التخلف ألصق بالإسلام تهما كثيرة، بل إن عقائد خرافية فكرت فى إقصائه ووضع اليد على أتباعه..! ولست ألوم أحدا استهان بنا أو ساء ظنه بديننا ماد