الصلاة

التاريخ: الإثنين 8 إبريل 2019 الساعة 07:17:02 مساءً

كلمات دلالية :

الصلاة
الصلاة

الصلاة الصلاة أيها المؤمنون! إنها آخر ما نتشبث به من ديننا، إنها ترتبط بحياتنا ارتباطاً عظيماً في حالة الصحة والمرض، وفي حالة الغنى والفقر، وفي حالة الإقامة والسفر، وفي حالة السلم والحرب.. وقد بينت لكم شيئاً من التشريعات الإسلامية في صلاة الاستسقاء واللجوء إلى الله عز وجل إذا غارت المياه الجوفية وتأخر المطر فلا علاج حينئذ إلا بإعلان التوبة والاستغفار، وإقامة الصلاة.

 

صلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً بالمسلمين صلاة الاستسقاء فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فأمطروا، فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ قول الله تعالى: {فقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} [نوح:10-12].

 

وشكا رجل إلى الحسن البصري الجدب فقال له في إجابته: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، فقال: استغفر الله. وجاء آخر وقال له ادعُ الله أن يرزقني ولداً، فقال له: استغفر الله، وشكا إليه صاحب بستان جفاف مزرعته، فقال: استغفر الله، فقال له: جلساؤه في ذلك فتلا عليهم الآيات.

 

ولقد تحدثنا أيضاً عن صلاة الخسوف والكسوف وصلاة الحاجة وهناك جوانب أخرى يفزع فيها المسلمون إلى الصلاة، فحين يموت مسلم أو مسلمة فإن المسلمين يسارعون إلى تجهيزه وتكفينه والصلاة عليه إذْ يكون العبد في تلك الحالة أشد ما يكون محتاجاً إلى رحمة ربه عز وجل، فإذا ما صلى عليه أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً شفعهم الله تعالى فيه، فقد أخرج الإمام مسلم وأحمد وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعوا فيه»(1).

 

وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون أن يكونوا مائة، فيشفعون له إلا شفعوا فيه»(2) وكلما كثر المصلون كان ذلك أرجى للقبول والإجابة؛ لأن الصلاة على الجنازة شفاعة من المصلين للميت، فكلما كثر عددهم كان أفضل ليكثر الدعاء والترحم والاستغفار للميت من قبلهم، وفي الحديث بيان لفضل توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة والبعد عن الشرك الجلي والخفي بكل أشكاله ومظاهره، فإن إخلاص التوحيد حسنة لا يعادلها حسنة، كما أن الشرك ظلم عظيم، أعاذنا الله جميعاً منه.

 

وذكر الرجل في الحديث هو من باب التغليب في الألفاظ وإلا فإن الحكم واحد للرجل والمرأة.

 

وإذا ما مرض الإنسان واعتلت صحته ولزم الفراش فإن الصلاة لا تسقط في حقه، بل عليه أن يحافظ على الصلاة حسب قدرته واستطاعته، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه حين شكا إليه مرضاً: «صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب وإلا فأومئ»(3).

 

وهكذا يجب على المسلمين جميعاً أن يحرصوا على الصلاة، فإنها لا تسقط عن الإنسان مادام العقل ثابتاً.. وما أحرى الأطباء والممرضين بأن يوجهوا المرضى ويرشدونهم في المستشفيات والمستوصفات إلى إقامة الصلاة، حتى إذا ما قدم الإنسان على الله عز وجل يكون متصلاً به محباً للقائه.

 

وفي بعض البلدان الإسلامية نجد أمثلة جميلة في هذا الجانب إذ نجد أن المستشفى يوفر التراب في أواني يقدمها للمرضى الذين لا يستطيعون استخدام الماء عند كل صلاة للتيمم، ويبينوا لمن لا يعرف الكيفية ويسهلوا له الأمر. كما أنهم يوفرون النشرات والكتيبات، فيقومون بمعالجة المرضى روحياً وجسدياً.. وحبذا أن تحذوا وزارة الصحة في بلادنا حذوهم وتفعل كما فعلوا وعلى المصلين جميعاً أن لا ينسوا ولا يهملوا الصلاة فذلك حق الإسلام والإيمان عليهم.

 

وإذا ما أذنب الإنسان ذنباً أو وقع في خطيئة فما عليه إلا أن يقوم بالتطهر للصلاة، والصلاة والاستغفار حتى يغفر له خطيئته، فقد أخرج الطبراني وابن خزيمة في صحيحة وغيرهما أن أبا بكر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:135]»(4)، وقال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } [هود:114].

 

وإذا ما كثر الأعداء وتسلطوا على هذه الأمة فما عليها إلا أن تتوجه إلى البحث عن أسباب النصر، فإنها ستجد من أسبابه الإحسان إلى عباد الله الصالحين من الفقراء والمساكين فإن الإحسان إليهم وإكرامهم يدفعهم إلى أن يتوجهوا إلى الله بالصلاة والدعاء الصادق بأن يحفظ هذه الأمة وأن ينصرها على أعدائها فيستجيب الله تلك الدعوات الخالصة، فقد روى النسائي وغيره عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» وفي لفظ: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بصومهم وصلاتهم ودعائهم»(5).

 

ثم في حالة الحرب والخوف نجد أن الإسلام يحث المسلمين على إقامة الصلاة، وصلاة الخوف ثابتة في الكتاب والسنة وعند جمهور المسلمين، فقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ...} [النساء:102].

 

ومشروعية صلاة الخوف في الحرب عند تقابل الجيشين واحتدام المعارك تدلنا على أمرين مهمين:

 

الأول: عظم أمر الصلاة وشدة الاهتمام بها والحرص على أدائها في وقتها، فإنه لم يعذر المسلم من أدائها حتى في هذه الحال التي يشتد فيها القتال، ويلتحم المسلمون بعدوهم ويشتبكون بالسلاح، فإذا بلغ الأمر هذا المبلغ من الاهتمام بالصلاة فكيف يتساهل بها بعض المسلمين ويفوتونها وهم في بيوتهم وعلى فرشهم. وكيف تربى جيوشنا اليوم؟ إنها مقطوعة الصلة بالصلاة والمساجد إلا قلة قليلة من الحريصين على دينهم.

 

إن من واجب الأمة وواجب الدولة أن تنشئ المساجد وتقيمها في كل موقع عسكري، وأن تزود الجنود والضباط بالعلماء والدعاة الذين يوجهونهم ويعلمونهم أمر دينهم، وإن أي تقصير في هذا إنما هو دليل على الاستخفاف بالأمة وبدينها وإيمانها وصلاتها وبجيشها، إننا نعجب من التضييق والمنع من وصول العلماء والدعاة إلى صفوف جيوشنا العربية.. بينما نجد الجيش الأمريكي يسمح للمسلمين بإقامة شعائرهم واحترام مشاعرهم؟! إن هذا شيء عجيب وغريب!!

 

والأمر الثاني: الذي نستفيده من مشروعية صلاة الخوف: بيان مكانة الجهاد وأهمية القيام به حتى سومح لأجله بالإخلال بالصلاة المفروضة وترك كثير من أركانها والإتيان بما ينافيها من الكر والفر واستدبار القبلة وترك الركوع والسجود والقعود وغير ذلك من أفعال الصلاة، وما ذاك إلا من أجل القيام بأمر الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته ونشر دينه وبث دعوته، وما أصاب المسلمين من الذل والمهانة والحقارة من قبل أعدائهم إلا بسب تركهم الجهاد في سبيل الله وركونهم إلى الدنيا والدعة والإخلاد إلى الأرض.

 

كانت الصلاة لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدى أصحابه شيئاً عظيماً في حياتهم، إنها مظهر العبودية لله رب العالمين. وإن تأخير فريضة عن وقتها كان يعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم كارثة عظيمة، ففي معركة الأحزاب كانت محنة المسلمين شديدة إذ أحاطت الجيوش بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم والصحابة الكرام مع قائدهم ونبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ثابتون في مواقعهم يصدون الهجمات ويحبطون المحاولات الكثيرة التي قام بها لاقتحام المدينة.

 

وفي يوم من الأيام رأى المشركون أن يقوموا بعمل حاسم لإيقاع الهزيمة بالمسلمين، وإحداث ثغرة ينفذون من خلالها إلى قلب المدينة، غير أن المسلمين بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا لهم بالمرصاد يدافعون ويصدون الهجوم، وقد بدأ التسلل والهجوم بعد الظهر وظل مستمراً حتى غربت الشمس لم يستطع المسلمون من أداء صلاة العصر؛ لأن الخطر كان شديداً على المددينة ولم يجد الرسول وصحبه رضوان الله عليهم بداً من مواجهة العدو حتى تنكسر شوكته وحدته. ووقف الهجوم بعد المغرب لما يئس الكافرون من إدراك شيء. فصلى المسلمون العصر بعد وقتها وكان رسول الله مغتاظاً لما حدث فقال داعياً على الكفار كما في الحديث المروي عن علي رضي الله عنه قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس»(6).

 

إن إضاعة وقت العصر كان محنة حقيقية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد فوت المشركون عليه صلاة العصر عن وقتها الذي كان سيؤم الصحابة في جماعة خاشعة تناجي ربها وترجو رحمته وتخشى عذابه وتسأله النصر والظفر.

 

والأمة الإسلامية تقف كلها من وراء الجبهة الساخنة في مقارعة خصوم الإسلام ومنازلتهم تدعو ربها في إنزال النصر وتأييد المجاهدين، فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقنت في الصلوات ويدعو لجيوش الإسلام الظافرة التي كانت تطرق أبواب المجوسية والنصرانية، فقد كان يقول في دعائه والمسلمون يؤمنون: اللهم عذب الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك.

 

وبعد النصر والظفر كانت الصلاة هي أول عمل يقوم به الفاتحون فحين فتح الله مكة على رسوله وكان فتحاً عظيماً بعد طول عناء وعناد من المشركين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار أم هانئ بنت أبي طالب، فاغتسل، وصلى ثمان ركعات في بيتها، وكانت ضحى، فظنها بعض العلماء أنها صلاة الضحى وإنما هي صلاة الفتح، وكان أمراء الإسلام إذا فتحوا حصناً أو بلداً صلوا عقيب الفتح هذه الصلاة اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

هذه هي أمة الإسلام وهذا تاريخها يا مسلمون.. غير أننا في هذه الحقبة من الزمن حيث لا نصر ولا فتح وإنما هزائم وانكسارات متلاحقة وأول الهزائم هي هزائم القيادات النفسية والفكرية والروحية، فلا دين ولا صلاة ولا رجوع إلى الله تعالى، وإنه لا عزة ولا نصر ولا خروج من هذه المصائب التي تعاني منها الأمة في كل مكان إلا بالإيمان الصادق وإقامة شعائر الله وتعظيم حرماته وتنفيذ أحكامه والجهاد في سبيل الله لنصرة دينه ورفع رايته.. لا طريق غير هذه ولا سبيل سواه، وإن تشدق البعض بخلاف ذلك.

___________________________

(1) صحيح مسلم.ج2 باب من صلى عليه أربعون شفعوا فيه. الحديث رقم: 948 ولفظه عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ «أَنّهُ مَاتَ ابْنٌ لَهُ بِقُدَيْدٍ أَوْ بِعُسْفَانَ. فَقَالَ: يَا كُرَيْبُ! انْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ النّاسِ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَإذَا نَاسٌ قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ. فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: نَقُولُ هُمْ أَرْبَعُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَخْرِجُوهُ. فَإنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَىَ جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلاً، لاَ يُشْرِكُونَ بِاللّهِ شَيْئاً إلاّ شَفَعَهُمُ اللّهُ فِيهِ».

(2) سنن النسائي 4/ 75، حديث رقم: 1991، وصححه الألباني.

(3) صحيح البخاري،ج1 باب: إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب. الحديث رقم: 1066

(4) صححه الألباني في صحيح الترمذي ج1 ص128 ص333.

(5) سنن النسائي 6/ 45، حديث رقم: 3178، وصححه الألباني.

(6) البخاري 3/1071، حديث رقم: 2773، ومسلم 1/436، حديث رقم: 627.

قيم الإيمان ومقوماته

الإيمان هو الحياة، وقل إن شئت: أصل الحياة، ذلك لأنه منهج كامل للإنسانية جمعاء، بل هو سر عظمة هذا الكائن وتفوقه الروحي الذي أهله لتلقي الخطاب الإلهي بكل مفرداته وحيثياته، فأصبح بذلك سيد الكون. فالحياة بالإيمان رحلة عظيمة وجميلة تنداح على طريقها أغصان السعادة وتبتسم أنفاس الزمن كل

الثقة واليقين برب العالمين

عندما ينظر الإنسان في نفسه وأحوال الناس من حوله يجد أموراً عجيبة، فكثير من الناس قد لا يجد من الدنيا كثير مال، ولا كثير متاع، ومع ذلك فهو ساكن النفس، راضٍ مطمئن القلب، مستريح البال، بينما غيره ممن ملكوا الأموال والوظائف والأرصدة والحسابات، تجدهم أصحاب أنفس قلقة، وقلوب وجلة، فواعج

تجديد العهد مع الله في عشر ذي الحجة

فضل الله بعض الأيام على بعض بكرمه ورحمته ليفتح للمقصرين والغارقين في أبحر الغفلة أبواب التقرب إليه بالعمل الصالح ومنها الأيام العشر المباركة التي تبدأ في هذا اليوم المبارك وهي أيام وليالٍ جليلة القدر، ويكفيها أهمية أن الله أقسم بها " والفجر وليالٍ عشر" حسب ترجيح جمهور المفسر