بناء المجتمع الجديد

التاريخ: الأحد 31 مارس 2019 الساعة 06:38:51 مساءً

كلمات دلالية :

المجتمع
بناء المجتمع الجديد

الحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُه قال تعالىُ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:71،70].

 

ما أحوج الأمة الإسلامية اليوم إلى الأخذ بالقواعد والأسس التي أرسى دعائمها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في بناء وإقامة المجتمع والأمة والدولة. فما أن استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد الهجرة حتى أخذ في بناء المجتمع الجديد الذي تعلو فيه كلمة الله تعالى، ويسري فيه الهدي النبوي تربية وسلوكاً وطاعةً وحباً.

 

فكان أول شيء بدأ فيه هو بناء المسجد الذي كانت تؤدّى فيه الصلاة، ويدرس فيه العلم، وتعقد فيه الرايات، وتناقش في حرمه الأزمات، ويأوي إليه المسلمون إذا حزبهم أمر. إن النهوض برسالة المسجد مقياس لحرارة الإيمان لدى الفرد وتعبير عن الارتباط العضوي بجماعة المسلمين.

 

وكانت الخطوة الثانية بعد بناء المسجد هي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.. كان المهاجرون قد تركوا بلدهم تاركين الأهل والولد والدور والقصور والمال مجردين من كل شيء إلا من الإيمان، ولا شك أن هذا قد ترك في أنفسهم وحشة وغربة، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة آخى بين أصحابه؛ ليذهب عنهم تلك الوحشة ويؤنسهم وليشد بعضهم أزر بعض، وليرسي للأمة الإسلامية قاعدة مهمة في حياتها إنها قاعدة الحب والأخوة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي السليم، حتى شبهه الرسول صلى الله عليه وسلم بالجسد الواحد فقال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»(1).

 

إن أي دولة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها وتعاونها.. ولا يتحقق ذلك إلا بالتآخي والمحبة المتبادلة. على أن التآخي لابد أن يكون مسبوقاً بعقيدة يتم اللقاء عليها والإيمان بها؛ ولذلك رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أساس الأُخوة التي جمع عليها أصحابه هي العقيدة الإسلامية التي جاءهم بها من عند الله والتي تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله تعالى دون اعتبار لأي فارقٍ إلا فارق التقوى والإيمان والعمل الصالح، إذ من المستحيل أن يسود الحب والإخاء والتعاون والإيثار بين أناس شتتتهم العقائد والتصورات والأفكار المختلفة والمتباينة كما هو حال أمتنا اليوم في سوادها الأعظم.

 

إن الأخوة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه لم تكن مجرد شعار، وإنما كانت حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة في كافة جوانبها. لقد جعل صلى الله عليه وسلم تلك الأخوة مسئولية حقيقية تترجم في الواقع أقوالاً وأعمالاً وسلوكاً، ولقد ضرب الأنصار رضي الله عنهم أروع الأمثلة في ميدان النصرة والكرم والمواساة والإيثار. وإليكم نماذج من ذلك الذي وقع في عالم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

 

إننا حينما نتأمل فيما قام به الأنصار رضي الله عنهم تجاه النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين لنتعجب مما فعله هؤلاء القوم، ولو ذهبنا نلتمس الأسباب، فلن نجد إلا سبب الأسباب وهو أن ذلك كان بفضل الله ورحمته لا بصنع بشر وحكمته وسياسته، وصدق الله حيث قال: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:63].

 

فلم يلتق النبي صلى الله عليه وسلم بالأنصار إلا في سويعات تحت جنح الليل واكتفى فيها بعرض الإسلام، وأخذ العهود والمواثيق، ولم يطل لقاؤه معهم قبل الهجرة حتى يكون هذا الذي فعلوه بسبب تربية النبي إياهم، وطول تعهده لهم كما فعل تجاه المهاجرين حتى كوّن منهم رجالاً. لم يكن بين دخول الأنصار الإسلام وقيامهم بهذه المآثر إلا أقل من عام، إنهم قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، لقد فتحوا للمهاجرين قلوبهم قبل أن يفتحوا لهم بيوتهم، ووسعوهم بصدورهم قبل أن يسعوهم بأموالهم، وتسابقوا إلى لقائهم وإكرامهم وضربوا في باب الإيثار، وسخاء النفس، وكرم الطباع مُثُلاً عليا لا تزال تذكرها لهم الأجيال المتعاقبة، بالإكبار والإعظام.

 

روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري -وكان كثير المال- فقال سعد: «قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالاً، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان انظر أعجبها إليك فأطلقها حتى إذا ما انتهت عدتها تزوجتها. فقال عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلني على السوق، فدله على السوق، فباع وابتاع حتى صار له مال»(2).

 

وهكذا ضرب سعد بن الربيع مثلاً فريداً في الكرم والإيثار، وضرب عبد الرحمن بن عوف مثلاً عالياً في عزة النفس والرغبة في العمل والاكتساب، وقد فتحت عليه الدنيا بعد حتى كان من أثرى الأثرياء، وما سعد بن الربيع إلا صورة مشرقة ومثالاً من أمثلة الأنصار الكرام، فقد ضربوا جميعهم أروع الأمثلة في ميدان الكرم والمواساة، حتى جاء المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خائفين أن يكون ذلك مُذهباً لأجرهم، فقالوا: «يا رسول الله! ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً في كثير، لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله لهم»(3).

 

ومن صور إيثارهم رضوان الله عليهم ما رواه ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النضير للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم أموالكم ودياركم ولم نقسم لكم شيئاً من الغنيمة»، فقال الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيه(4)!!.

 

يا لها من نفوس أبيّة، ويا له من كرم وإيثار، ويا له من سخاء!!

 

لقد كان جزاؤهم من الله أن أنزل فيهم قرآناً يتلى إلى يوم الدين، ثناءً عليهم وبياناً لمنزلتهم ومكانتهم، قال سبحانه فيهم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [الحشر:9].

 

إن البشرية في تاريخها الطويل لم تشهد حدثاً جماعياً كحدث استقبال الأنصار للمهاجرين، بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وذاك الإيثار العجيب مع طيب نفس وسماحة. لقد قام الأنصار الكرام رضوان الله عليهم بواجبات تلك الأخوة من التزامات واستمر أداؤهم كذلك. وظلت حقوق هذا الإخاء مقَدمة على حقوق القرابة حيث كانوا يتوارثون فيما بينهم حتى وسع الله على المسلمين ونزلت الآية الكريمة: {.. وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال:75], فنسخ التوارث، وأقر المودة والحب بينهم.

 

أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بلال رضي الله عنه وقد خرج إلى الشام فأقام بها مجاهداً، يسأله إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال: مع أبي رويحة، لا أفارقه أبداً، للأخوة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد بيني وبينه.

 

لقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على موقف الأنصار من إخوانهم المهاجرين وبيّن مناقبهم وفضلهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار»(5)، وجعل حبهم علامة الإيمان، وبغضهم علامة النفاق، فقال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»(6) وقال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله»(7).

 

وما أجمل قول الله عزّ وجل في وصفهم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:9،10].

 

هذه حال القوم وهذه أُخوتهم وأوصافهم فأين نحن منهم؟ فاعرفوا لهم قدرهم واسلكوا سبيلهم فإنهم كانوا على الحق المبين.

 

الأمة الإسلامية اليوم في حاجة إلى بناء جديد، إنها بحاجة إلى أن تعود إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لتتعرف على أسس البناء وطريق النجاة للخروج من مآزقها وغثائيتها التي تعيشها.. إنه لا سبيل لنا إلا بالإيمان العميق الصادق والرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبيا، والانقياد التام لله ورسوله ظاهراً وباطناً، هذا الإيمان هو الزاد والطاقة، التي تدفعنا إلى كل خير، وهو النور الذي يبدد عنا ظلمات الحياة، وهو الدواء الناجح والبلسم النافع لآلامنا وجراحاتنا، إن الناس إذا لم يجتمعوا على الحق والإيمان فرقهم الباطل، وإن البشر يظلون محكومين بطباعهم مهما بلغوا من الكمال، إن النزاع والاختلاف وإن الشقاق والخصام سيظل في الطبيعة البشرية ولن يكبح جماحه ويحدّ من شروره إلا عقيدة ربانية راسخة ثابتة كتلك التي ربى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام.

 

الصحابة الكرام كان يقع بينهم ما يقع بين البشر ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم سرعان ما يعالجهم ويذكرهم برصيد الإيمان فيرعُون وينزجرون ويتعانقون ويتصافحون ويبكون.

 

يصدق فيهم قول القائل:

 

إذا احتربت يوماً ففاضت دماؤها *** تذكرت القربى ففاضت دموعها

 

ولنذكر مثالين على ذلك ودور اليهود في واحد منهما!! حتى ندرك مدى خطرهم، فقد مر شاس بن قيس اليهودي وكان شيخاً قد أسن عظيم الكفر شديد الحقد على المسلمين، مر على نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من الحرب والعداء في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله، مالنا معهم إذا اجتمع ملوكهم بها من قرار. فأمر فتى شاباً من يهود كان معهم فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم اذكر يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولون فيه ففعل اليهودي، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين، فقال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددنا الآن الجذعة. فغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا. موعدكم الظاهرة –الحرة- السلاح السلاح، فرجوا إليها.

 

 

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: «يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم من الكفر وألف بين قلوبكم»(8). فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم وعانق الرجال الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين، قد أطفأ الله كيد عدوهم ونزل في هذه الحادثة آيات تتلى إلى يوم القيامة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران:101،100].

 

المثال الآخر: حين قسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم على الناس في غزوة حنين وأجزل العطاء لبعض المؤلفة قلوبهم ليسلموا ويصدقوا في إسلامهم، وإذا كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبرر فعله، فقد خفيت الحكمة من ذلك على الناس وانطلقت الكلمات تعبر عن العتب فقد أعطى صلى الله عليه وسلم قريشاً والمؤلفة قلوبهم وغيرهم من سائر العرب ولم يعط للأنصار، فوجد بعض الأحداث منهم في أنفسهم وقالوا: يغفر الله لرسول الله يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟! وما أن سمع صلى الله عليه وسلم بمقالتهم حتى أمر بجمعهم وحدهم ليتحدث إليهم شارحاً لهم الأسباب والحكمة، ويوضح ما خفي عليهم إنه الحديث الخاص؛ ولذا قال قبل بدء حديثه: «فيكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا، إلا ابن أختنا. قال: ابن أخت القوم منهم. ثم قال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال فقهاء الأنصار وكبارهم: أما رؤساؤنا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئاً، وأما ناس منّا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله.. ثم قال: يا معشر الأنصار! ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم. قالوا: بل الله ورسوله أمن وأفضل. قال: ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟! قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله، ولله ولرسوله المن والفضل. قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم وصدقتم أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك، أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم فو الذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقنا»(9).

 

فهل سمعتم في باب الاسترضاء أروع وأبلغ من هذه الكلمات الجامعة بين الحق والصراحة والرقة والاستعطاف؟ وهل سمعتم في تهدئة النفوس الثائرة مثل هذا الكلام الرقيق الذي يضرب على أوتار القلوب، ويهز المشاعر ويستولي على الوجدان؟ ومن أعجب العجب أنك لا تجد فيها كلمة مداهنة، أو مخادعة، أو كلمة دعت إليها المجاملة، أو عدة بالوعود الكاذبة والأماني البراقة كما يفعل دهاقين السياسة وقواد الحروب وزعماء الأحزاب، ولا سيّما في العصر الحديث الذي يخادع الحكّام فيه شعوبهم ويعدونهم ويمنّونهم وما يعدونهم إلا السراب الخادع، إنها الرسالة والنبوة التي تسمو عن كل ذلك، إنه منطق الإيمان.

________________________

(1) صحيح البخاري: باب رحمة الناس والبهائم: رقم الحديث (5665) عن النعمان بن بشير. وصحيح مسلم: باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم: الحديث رقم: (2586).

(2) صحيح البخاري: كتاب البيوع: باب: ما جاء في قول الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ..} [الجمعة:10]، الحديث رقم: (1944) عن أنس رضي الله عنه، وباب: إخاء النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار: الحديث رقم (3569).

(3) مسند الإمام أحمد (3/200)، حديث رقم: (13097)، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.

(4) لم أعثر عليه.

(5) صحيح البخاري: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» الحديث رقم (32) باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار»، كتاب المغازي: باب: غزوة الطائف: الحديث رقم (4075) باب: ما يجوز من اللَّو: الحديث رقم الحديث: (6817).

(6) صحيح البخاري: باب: علامة الإيمان حب الأنصار: الحديث رقم (17) عن أنس رضي الله عنه، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي رضي الله عنهم من الإيمان وعلاماته وبغضهم من علامات النفاق: الحديث رقم (74).

(7) صحيح البخاري: باب: حب الأنصار من الإيمان: الحديث رقم (3572)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي رضي الله عنهم من الإيمان وعلاماته وبغضهم من علامات النفاق: الحديث رقم (75).

(8) السيرة النبوية لابن هشام: ما نزل من البقرة في يهود والمنافقين، تفسير ابن هشام لبعض الغريب.

(9) مسند أحمد (3/76) حديث رقم (11748)، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.

هل فشل الإسلام السياسي حقاً؟

اعتاد خبراء غربيون متابعون لمسيرة الحركة الإسلامية كلما تعرض إسلاميون هنا أو هناك لنكسة أو حتى لمجرد تراجع في انتخابات، ولو كان طفيفاً، أن يؤذنوا في العالمين بأعلى مكبرات الصوت معلنين عن فشل وانهيار ونهاية الإسلام السياسي، وذلك ما يتردد في ندواتهم وأحاديثهم لوسائل الإعلام التي تس

15 مولِّدا للرضا في القلوب

1. ولا يدرك كثير من الناس أن مثقال الذرة من الصبر والرضا من أعمال القلوب، قد تزن أمثال الجبال من أعمال الجوارح، ووظيفة الميزان يوم القيامة أن يزِن الأعمال لا أن يعُدَّها. 2. رضاك شرط رضاه! قال يحيى بن معاذ: إذا كنتَ لا ترضى عن الله .. كيف تسأله الرضا عنك؟! 3. لو انكشفت لكم

المسجد مؤسسة جماعية

أهم مؤسسة عمومية في الإسلام هي مؤسسة المسجد، وإذا كان الحديث النبوي الشريف قد أنبأنا عن أكثر عرى الإسلام صلابة وصمودا، وآخرها انتقاضا واختلالا، ألا وهي فريضة الصلاة، فإن هذه الفريضة تتوقف إقامتها ودوامها على إقامة المساجد ودوامها. وإلى هذا، فإن الآثار الإيجابية للمسجد تنعكس وت