الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

التاريخ: الأحد 24 مارس 2019 الساعة 08:23:16 مساءً

كلمات دلالية :

الدعاة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأوامر المشددة في إحياء هذه الفريضة كثيرة:

إضاعة الوقت، وهذه الفريضة ينتج عن إضاعتها:

أ- انتشار الفساد.

ب- انتشار الجهل.

ج- التباس الحلال بالحرام على كثير من الناس.

د- انتشار الأهواء.

هـ- انتشار البدع.

 

و- إفساح المجال لأصحاب المبادئ الهدامة ينشرون باطلهم وأفكارهم التي تهدم في عقيدة المسلمين وأخلاقهم وسلوكهم دون أن يجدوا مقاومة ولا كشفاً لزيفهم وباطلهم. ليس الصلاح المطلوب في الإنسان شرعاً أن يكون الإنسان قد استقام في نفسه فحسب، بل الواجب العمل على نقل صلاحه وتقواه وعلمه إلى الآخرين، وقد جاء الوعيد الشديد لمن يرى المنكر ولا يغيره كقوله تعالى:

 

{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف:165].

 

ومما جاء في هذا الأمر قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ} [آل عمران:110].

 

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [آل عمران:104].

 

{وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122].

 

{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ} [الأنفال:25].

 

{فَلَوْلَا كَانَ مِنَ القُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود:116].

 

{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} [المائدة:78].

 

{وَالعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1-2].

 

وفي الحديث: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص من آثامهم شيئا»(1).

 

وحديث «من دل على خير فله مثل أجر فاعله»(2).

 

ويقول الله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل:125].

 

ويقول تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة:2].

 

وفي الحديث: «الدين النصيحة قلنا: لمن؟ قال: لله وملائكته ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»(3).

 

وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم»(4).

 

وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:71].

 

وقال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة:67].

 

وفي الحديث: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»(5).

 

«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان»(6).

 

وقال صلى الله عليه وسلم:«ما من نبي بعثه الله في أمة قبل إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم، بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»(7).

 

وحديث: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا خرقاً في نصيبنا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا»(8).

 

وعنه صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم»(9).

 

«إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه»(10).

 

من فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

 

1- بيان ما هو منكر وما هو معروف في نظر الشرع.

 

2- المحافظة على الفهم الصحيح عند الناس للقضايا الإسلامية العامة.

 

3- إزالة الشبهات التي يدسها أعداء الإسلام على الإسلام وأهله.

 

4- توجيه المسلمين إلى ما يحتاجون إليه في أي شأن في أمور العبادة والمعاملة.

 

5- المحافظة على إحساس المسلم حتى لا يتبلد فلا ينكر بعد ذلك منكراً ولا يعرف معروفاً.

 

- أمر الله سبحانه عباده: بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وهو أمر عام لجميع المؤمنين:

 

فقال {وَالعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1-3].

 

فإذا أهمل الناس هذا الأمر، بحيث انعدم فيهم القيام بالتواصي بالحق، فإن ذلك يؤدي إلى ضياع الحق؛ بسبب الغفلة السائدة في الأمة.

 

وإذا وهنت عزائمهم، ولم يتواصوا بالصبر على القيام بهذا الأمر، غلبهم الذل والجبن وعدم الثبات على متاعب القيام بالأمر والنهي، ويؤثرون الدعة والسكون أمام كل منكر، ويؤول حالهم إلى شيوع الباطل والمنكر وحينئذ يعمهم الله سبحانه بالفتنة، والفساد العام كما قال تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:25].

 

فتكون الفتنة حينئذٍ في الدين والدنيا والعياذ بالله: وذلك بضياع الحق بين أظهر المسلمين، وفشو الباطل، وذهاب الغيرة على الدين وعلى الأعراض، وتحول الغيرة على المصالح الدنيوية، بل قد يصيب الإنسان الظلم والذل والاضطهاد فلا ينبس ببنت شفه، ولا يغار ولا يغضب. ومن الفتنة انتشار الحرص بين الناس على الدنيا والتكالب عليها، والتسابق فيها، والتنافس على زخارفها، وحينئذٍ يسعى كل إنسان إلى أن يسلك كل سبله، وينصب شباك المكر والخديعة في معاملاته غير مراعٍ حدود الله ولا أحكامه ولا شرعه ولا وعده ولا وعيده، بل يهدف إلى المزيد من الكسب من أي وجه، وهذه من أعظم الفتن التي يصاب بها الناس،ومن علامات الخسران في الدنيا والآخرة.{وَالعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1-3].

 

ولا عذر للقادر على الإنكار في عدم إنكاره بحجة أن الناس قد عمهم الفساد، وأنهم لن يستجيبوا، فهذا لا ينجيه عند الله سبحانه، بل الواجب البيان والإنكار لإلزام الحجة، أما التغيير فليس من مهمته فالقلوب بيد الله سبحانه، قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص:56].

 

إن الحرص على مصالح الأمة، وضمان استمرارها وبقائها وازدهارها وتماسكها وقربها من ربها سبحانه وتعالى، هو ذلك الذي يجنب الأمة مكاره المعاصي والوقوع في الخسران، ويأخذ بيد السفيه الذي يريد أن يخرق السفينة، ويجر الأمة كلها إلى الغرق والهلاك، وليس المحب للأمة والحريص على مصالحها هو الذي يشجع على المنكرات ويساهم فيها، ويكره تغيير المنكر، أو الصدع بكلمة الحق فهذا إن ادعى أنه محب للأمة فهو كاذب يريد لها السمعة الكاذبة، وينسب لها من الفضائل ما ليس لها، ويستر قبائحها الظاهرة، ويشجعها على الاستمرار في العوج.

 

إن عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم التواصي بالحق والتواصي بالصبر، تجعل الناس في بعد عن معرفة الحق والصواب من أمر الشرع: وحينئذ تشيع فيهم الأهواء ويتخذ الناس ما يشاءون من أعمال فينسبونها جهلاً أو تعصباً أو هوى إلى الدين، وحينئذٍ ينتشر فيهم الاختلاف والتفرق، ويؤدي ذلك إلى العداوة والبغضاء.

 

يقول الله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيب} [الشورى:14].

 

وقال عز وجل: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة:4].

 

وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة:213].

 

{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [المائدة:14].

 

إن الناس الذين لا يحتكمون إلى شرع الله سبحانه ولا يفرقون بين الأمور -صغيرها وكبيرها-: تراهم يشتد حرصهم على ما ألفوه من العادات ويشددون في الاستمساك بها أخذاً وتركاً، وإن كانت من توافه الأمور، وذلك لتحكم سلطان العادة في نفوسهم -غير أنهم يهتمون بعظائم الأمور في الشرع- فلا ينكرون على تارك الصلاة، أو مانع الزكاة، أو المجاهر بكثير من المنكرات مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كما يهتمون بتوافه الأمور السائدة، بحكم الإلف والعادة والتوارث والتقليد.

 

إن الإنسان يؤتى أحياناً من افتتانه بكثيرة ممن يزاول البدعة أو المنكر، فإذا أكثر من مخالطتهم ومجالستهم، ولم يسمع من أحد منهم نكيراً، وشب على ذلك، وعلم أن آباءه كانوا على ذلك؛ وكذلك ما يراه من عدم نكير من يعرف من المشايخ والعلماء المعاصرين له، فإنه بذلك كله يتأثر، ويتغلغل في قلبه حب ذلك الأمر والتعلق به؛ لأن النفوس في الغالب تميل إلى ما يكثر ترداده عليها ويصعب عليها بعد ذلك مفارقته، كما يصعب الأمر على الداعية إزالة ذلك الأمر من النفوس وإقناعهم بعدم مشروعيته، مع أن المتعلقين به لا تجد عندهم من الدليل على مشروعية ذلك، إلا التعلل بأن آباءهم ومشايخهم كانوا على ذلك، ولا يمكن أن يستمروا على هذه الحال إلا أن يكون حقاً، ولهذا جاء النهي عن مخالطة من يخاف التأثر به من أهل الكفر والضلال والأهواء والبدع.

 

يقول الله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} [النساء:140]

 

ويقول تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:68].

 

ولذلك: لما رأى الصحابة ما يفعله النصارى ببطارقتهم من التعظيم وكذلك الفرس بمرازبتهم حيث كانوا يسجدون لهم، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يرون أنه أحق بالسجود من أولئك فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: «لا تفعلوا، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم من الحق عليهم»(11).

 

فهذا الخاطر الذي حصل عند بعض الصحابة إنما هو من التأثر الحاصل من مخالطة أهل الكتاب وغيرهم، ولذلك تجد اليوم كثيراً من المسلمين الذين يخالطون كثيراً من اليهود والنصارى يتأثرون بهم في كثير من مظاهرهم وعاداتهم وأزيائهم وأعيادهم وتقاليدهم، ولا يرون في ذلك بأساً لشدة المخالطة وكثرة التكرار وعدم النكير ويصعب على المصلح والداعية إقناعهم بشناعة ذلك وبعده عن الصواب ومخالفته لهدي خير البرية صلى الله عليه وسلم.

 

وكذلك الحال في السنن التي أماتها الناس وهجروها، لو أن أحداً أراد إحياءها والعودة بالناس إلى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لشدد الناس عليه في النكير ولاعتبروه مبتدعاً محدثاً في الدين ما ليس منه؛ لأن السنة قد غابت في حياتهم العملية حتى لم يعد لها أثر.

 

قال الله تعالى في شأن المؤمنين الناجين من الخسران: {وَالعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1-3].

 

وقد جعل الله عز وجل القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم مهمات ولاة الأمور المؤمنين الصادقين بعهدهم مع الله تعالى القائمين بالولاية على الوجه الذي شرعه الله كما حملهم الله عز وجل المسئولية في أعناقهم أولئك هم المطبقون لقوله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج:41].

 

وهؤلاء هم السائرون وفق قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83].

 

وقال تعالى وهو يتوعد الذين لا ينكرون منكراً: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:25].

 

وقال تعالى مخبراً عن نجاة القائمين بهذه الفريضة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهلاك من عداهم: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف:163-164].

 

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من مغبة السكوت على المنكرات، وأن ذلك يؤدي إلى الهلاك والفساد العام الذي لا ينجو منه أحد وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا»(12).

 

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

 

قال الله تعالى في شأن الذي يريد انتشار الفساد في الأرض: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور:19].

 

وقال تعالى: {وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً} [النساء:27].

 

ويقول تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة:2].

 

ومن السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا»(13).

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها»(14).

 

1- أغلق الإسلام كل وسيلة تؤدي إلى الجريمة.

 

2- دعا الإسلام إلى نشر الفضيلة، ولذلك دعا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

3- كفل الإسلام حفظ الكليات الخمس: فحد الإسلام من حرية الإنسان على أن تكون تصرفاته في حدود الشرع بحيث لا يؤدي تصرفه إلى إفساد أو إضرار بالآخرين.

 

4- شرع الإسلام الحدود لزجر المجرمين.

_________________________

(1) - مسلم، ج4، كتاب العلم باب 6، من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة. برقم 16- 2674. من حديث أبي هريرة صـ206.

(2) - ج3، مسلم الإمارة، برقم 133-1893.

(3) - مسلم ج1 الإيمان 95.

(4) - البخاري 1/ 22، كتاب الإيمان باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم..من حديث جابر بن عبد الله، وفي مسلم 1/ برقم 97 - 56 عن جرير.كتاب الإيمان باب 23 بيان أن الدين النصيحة

(5) - مسلم 1/ برقم 78-49.

(6) - أخرجه مسلم 4/ برقم 34-2664، كتاب القدر باب 8 في الأمر بالمعروف وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(7) - مسلم 1/70 برقم 80-50 كتاب الإيمان باب 20 بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان.. من حديث عبد الله بن مسعود.

(8) - البخاري 3/ 182باب الشركة.

(9) - حسنه الألباني في المشكاة برقم 5140 وصحيح سنن الترمذي ج2 برقم 1762.

(10) - صححه الألباني في صحيح ابن ماجه 4005 وصحيح سنن الترمذي ج2 برقم 1761. ولم أجده في النسائي بهذا اللفظ وصحيح سنن أبي داود ج3 برقم 3644.

(11) - الحديث عند أبي داود 3/465والترمذي من رواية أبي هريرة ومعاذ بن جبل وقيس بن سعد وغيرها، و صححه الألباني في الإرواء 7/ 1998.

(12) - سبق تخريجه في هامش 103.

(13) - سبق تخريجه.

(14) - سبق تخريجه.

منهج التثبت: خلق الأسوياء ومنهج الأنبياء

عندما أخبر الهدهد نبي الله سليمان عليه السلام أنه جاءه من سبأ بنبأ يقين، كان الموقف الحكيم الذي اتخذه سليمان هو الالتزام بالمنهج العلمي في التعامل مع الأخبار؛ باختبارها والتثبت من صدقها من مصادر أخرى وإخضاعها للنظر والتأمل و التحليل المنطقي "قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ ك

التدين الرقمي ومشيخة التقنية!

مع ظهور ثورة التكنولوجيا الرّقميّة، التي صاحبها ثورة معرفيّة وثقافيّة ضخمة؛ أصبح الإنترنت بتطبيقاته الهائلة وإمكاناته الّلامتناهية، وبخدماته التي تتميز بالسرعة والدّقة وسِعة التخزين العالية؛ جزءاً لا يتجزأ من مكون مجتمعاتنا المعاصرة، حيث بسط نفوذَه وسلطَته على جميع مناحي الحياة،

تجديد الخطاب الدعوي في عصر الثورة الصناعية الرابعة

تحدثنا في مقال سابق عن الحاجة إلى تجديد روح التدين ونؤكد اليوم أن الحاجة إلى تجديد روح التدين تستلزم تجديد الخطاب الدعوي فما أحوجنا اليوم إلى خطاب دعوي جديد يستوعب المتغيرات العاصفة التي يعيشها هذه الجيل بعد الثورة الرقمية والثورة الصناعية الثالثة ويستشرف آفاق الثورة الصناعية الر