من هنـا طريــق السعــادة

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 30 يونيو 2018 الساعة 09:20:12 مساءً

كلمات دلالية :

السعادة
من هنـا طريــق السعــادة

{ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ  } هود 105 السعادة والشقاء موضوع شغل الناس قديما وحديثا، وتداوله الفلاسفة والمفكرون والأدباء والشعراء، بمختلف التصورات والمفاهيم؛ وكان منهم الماديون الذين يربطون السعادة بتلبية حاجات الجسد المادية، والمثاليون الذين يربطونها بحاجات الروح. لكن معظم الناس يتوهمون السعادة في وفرة المال والمتاع !

     ولقد ثبت بعد التطور الهائل والتقدم الكبير في الانجازات المادية والعلمية، ووفرة وسائل الترف والرفاه، أن لا  شيء من ذلك يحقق سعادة النفس الانسانية، وانما ازدادت بها محنة الانسان، واشادت وطأة القلقُ والتأزم والشقاء النفسي والروحي، وكثرت حالات الانتحار حتى عند ذوي الشهرة والمال.. ! وما ذلك الا لأن الناس يطلبون السعادة من غير طريقها، متهالكين على اسباب الشقاء وهم جاهلون عافلون.

  إن حقيقة السعادة ـ يا أخي ـ انما هي عند الله الذي خلق فسوى والذي قدّر فهدى{ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }. فالانسان لا يجد نفسه ومغزى حياته، ما لم يجد ربـّه الذي خلقه وسواه ونفخ فيه من روحه؛ ولا يدرك سكينة روحه وطمأنينة نفسه وسعادة قلبه، إلا حين يعرف الله خالقَه، ويربط صلته به على إيمان به وتوحيده وإخلاص العبودية له والعبادة، وحينها تغشاه السكينة من ربه، ولا سكينة الا منه وفي معيته:{ هَو الذي انزَلَ السّكينةَ في قلوبِ المؤمنينَ ليَزدادوا إيمانا معَ إيمانِهم}.

   ولقد بيّن القرآن الكريم طريق السعادة ومسالك الشقاء، في قاعدة الهية واضحة وصارمة منذ نزول آدم الى الأرض لتصاحب ذريته أجمعين: { فإما ياتينّكم مِنّي هدىً فمن اتّبعَ هُدايَ فلا يضِلّ ولا يَشقَى ومَن أعرضَ عن ذِكري فإن له مَعيشةً ضَنْكاً..}( طه 121ـ 122). وهكذا كان الناس فريقين:

ـ السعداء الذين ادركهتهم عناية الله بالايمان والهداية، فعاشوا على توحيده وحسن عبادته عامرين دنياهم بالصالحات وفعل الخيرات، فهم سالمون من وصمة الضلال ومحنة الشقاء { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} يحيون على الرضا والطمأنينة{ تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا..}، إن أصابتهم نعماء شكروا، فنالوا جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم بأساء صبروا، فنالوا ثواب الصابرين، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( عجبا لأمر المؤمن، إن أمرَه كلَّه له خير، وليس ذلك الا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له.) ( رواه مسلم).

ـ والأشقياء، ليسوا هم الذين حرموا المال والمتاع، لكنهم الذين أعرضوا عن الله، وأثروا الضلال على الهدى، وعبدوا أهواءهم ودنياهم من دون الله، و انحرفوا بذلك عن غاية وجودهم ومغزى حياتهم، فكيف يسعدون وهم بغفلتهم عن الله في محنة المعيشة الضنك:{ ومن أعرضَ عن ذكري فإن له مَعيشةً ضنكاً}، فهم يتخبطون في محنة القلق والاضطراب، محرومين من السكينة والطمأنينة والرضا، ولا يزدادون بذلك الا فتنة وعذابا نفسيا وروحيا:{ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون}(التوبة 55).

  إن الفرق بين الفريقين، هو في طبيعة النظر للوجود والحياة، ومنهج كل منهما في دنياة، وذلك الذي بينه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في قوله: ( من كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همّه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا الا ما قدّر له)( رواه الترمذي).

    ولو تأملت واقع الناس لوجدت أن أكثرهم اضطرابا وحيرة وقلقا، وشعورا بالتفاهة، هم المحرومون من لذة الايمان وبرد اليقين؛ الذين أعرضوا عن الله، فأعرضت عنهم السعادة، فلا يجدون طعما لحياتهم ولا استقرارا فيها، مهما نالوا من متاعها؛ وكيف يسعدون وهم فيها بغير غاية سواها؛ وكيف يظفرون بسكينة نفس، أو انشراح صدر، وأرواحهم التي هي نفخة من روح الله شاردة عن أصلها، تائهة عن مستقرها.

   فالسعادة، يا أخي، منحة ربانية، ونفحة سماوية، ينزلها الله جل وعلا على قلوب المؤمنين الصادقين العاملين؛ ليثبُتوا إذا اضطرب الناس، ويرضَوا إذا سخط الناس، ويتفاءلوا إذا تشاءم الناس.. اطمأنت قلوبهم بالاقبال على ربهم حبا وذكرا وشكرا { الذينَ آمَنوا وتَطمئِنّ قلوبُهُم بذِكرٍ الله، ألا بذِكرِ اللهِ تطمَئنّ القلوبُ}. إنها الحياة الطيبة الخاصة بأهل الايمان والعمل الصالح، الذين يحيون عاجل سعادتهم في الدنيا قبل السعادة الابدية في جنات الخلد: { منْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (النحل 97).

   السعداء يعيشون دنياهم على صفاء النفس، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر، وراحة الضمير، وكل ذلك من ثمار سكينة القلب في جنب الله تعالى؛ وهي مواهب ربانية لا ينالها الا أهل الايمان واليقين؛ وفي قول ابن القيّم ما يفصل ذلك: " في القلب شعَث لا يلمّه إلا الإقبال على الله؛ وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته؛ وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته؛ وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه؛ وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه؛ وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده المطلوب؛ وفيه فاقة لا يسدها الا محبته ودوام ذكره والاخلاص له، ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدا"

   وأنت، أخي الكريم، يهمك ولاشك ان تكون من السعداء، حتى لا يضنيك قلق ولا هم ولا غم،  ولا تنال منك الازمات والنكبات التي يشتكي الناس من وقعها عليهم، ومن تبديد استقرارهم النفسي والاجتماعي، ولا يقلقك خوف المصير يوم القيامة.  فلتحقيق ذلك، لا تلتمس سعادتك في شيء من متاع الدنيا وزينتها، ولكن اطلبها في وصل روحك ببارئها، وتغذيتها بلذة العبودية المطلقة له سبحانه، مجتهدا باحسان في ارضائه بالطاعات والقربات وفعل الخيرات؛ وارقَ بها الى مقام المعية الالهية حيث السكينة والرضا والرضوان؛ حينها تهون عليك الدنيا كلها وما فيها، فتحظى من مولاك بما يسكن عطش نفسك، ويسعد روحك، ويقوي عزيمتك في الصبر على ما يصيبك راضيا محتسبا. 

ـ  قكيف لا تسعد،  وقد عمرت فلبك بحب الله تبارك وتعالى، بدل حب الدنيا ومفاتنها؟!  وانما الشقي من جف قلبه من محبة الله { والذينَ آمَنوا أشَدّ حُبّا للهِ }.

ـ كيف لا تسعد وانت حينها تنال محبة الله لك، وهو الذي بها وفقك للايمان به ومحبته ؟ ! فحسبك أن تكون من الذين { يحبّهم ويُحبّونه}.

ـ وكيف تشقى وقد رضيت بالله ربّـا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا، واهتديت الى الصراط المستقيم؟ ! فانت من أولياء الله الآمنين:{ ألاَ إنّ أولياءَ اللهِ لا خَوفٌ علَيهِم ولا هُم يَحزَنونَ}.

  والآن، وقد أدركت هذه الحقائق عن علم ويقين، وتبين لك طريق السعادة، ادعوك اخي الكريم، الى وقفة مع هذه الآيات في تصوير المصير الاخروي لكل من السعداء والاشقياء، فتدبره بقلبك وعقلك، فستشعر امام المشهد المهيب بالرهبة، خوفا من مصير الاشقياء، ورجاء  الفوز بمقام السعداء:

{ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } ( هود ).

وخذ عني هذي الوصية  التي تقول: "ان السعيد هو من إذا أعطِيَ، حمد الله وشكر؛ وإذا ابتُليَ، رضيَ وصبَر، واذا اذنب، تاب واستغفر". وتمثل كلمة أبي ذر حين سئل: ماذا تحب من دنياك؟ قال: الجوع والمرض والموت. قالوا هذه امور لا يحبها أحد ! قال: أما أنا، فاذا جعتُ رقّ قلبي، وإذا مرضت خفّ ذنبي، وإذا متّ لقيت ربي !. وتلك حال أهل التقوى الذين طابت دنياهم بالعيش لله محسنين، وثاقت نفوسهم لما وعدهم في الآخرة من السعادة الابدية:{ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة اولئك اصحاب الجتة هم فيها خالدون}.

                  ولستُ أرى السعادةَ جَمعَ مــالٍ    ولكن التّـقـيَ هـو السعيـــــدُ

                  وتقـوى الله خيــرُ الـــزادِ ذُخــــراً     وعنــد الله للأتـقَـى مَــزيـــــدُ

 

 

       

 

كيف تنعـم بمعيـة الله

{ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } النحل 128 بناء على ما لديك، أخي الكريم، من يقين الايمان بالله تعالى وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما يقتضيك ذلك من محبته وتوحيده وطاعته وحسن عبادته، ادعوك، ونفسي أولا، الى وقفة تمعن وتدبر واعتبار، في رحاب معيـة

الحرص على الوقت والاستفادة منه

الحمد لله المتفرد بالبقاء والدوام، الملك القدوس السلام، أحمده -سبحانه- وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، غافر الذنب وقابل التوب، شديد الانتقام، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تبلِّغ رضوانَ اللهِ ودارَ السلامِ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، خاتم النبيين وس

مشاعر الآخرين في ميزان الاسلام

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، الحمد لله الذي خلق الأرض والسموات ، الحمد لله الذي علم العثرات ، فسترها على أهلها وانزل الرحمات ، ثم غفرها لهم ومحا السيئات ، فله الحمد ملئ خزائن البركات ، وله الحمد ما تتابعت بالقلب النبضات ، وله الحمد ما تعاقبت الخطوات ، وله الحمد عدد حبات ا