لا تُسخط الغفار بالمجاهرة والإصـرار

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 26 فبراير 2019 الساعة 05:16:03 مساءً
لا تُسخط الغفار بالمجاهرة والإصـرار

قال الله تعالى : {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ*وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ}(الحجر49.)

    أخي الكريم، إنك وقد عرفت ربك، وتعلم أنه يرضَى ويسخط، وأن رضاه في طاعته باحسان، وأن سخطه في معصيته بإصرار، فاجتهد أن تثبت على تقواه، هيبة وخشية ورجاء، واحذر عبودية الاهواء بمعصيته. فان زللت بضعف أو حطإ او نسيان، فلقد  اقتضت حكمة الله تعالى وسنته في خلقه أن يكونوا خطائين مذنبين، الا من نالهم بعصمته، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) قالترمدي).

   ولذلك فإن الوقوع في الخطأ ليس هو الخطأ بعينه، وإنما العمد والإصرار على الخطأ والمعصية هو المصيبة الكبرى والداهية العظمى؛ فكم من صغيرة كانت بالإصرار عليها كبيرة ! وكم من ذنب صغير أصرّ عليه صاحبه فقاده بالتحدي والاصرار والاستهتار إلى الكفر ! ورّب ذنب استصغره الإنسان واحتقره  وهو  عند الله عظيم " ومعظم النار من مستصغَر الشرر".

    إن الله تعالى لما وصف المؤمنين الصادقين لم يصفهم بأنهم لا يذنبون، ولكن جعل من أعظم صفاتهم أنهم إذا وقعوا في الذنب لم يصروا عليه، بل يتذكرون فيندمون، ويقبلون على الله تائبين مستغفرين: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران 135). 

  فالإصرار هو الإقامة على الذنب باستمرار دون توبة، والعزم على فعل مثله دون اعتبار، استهتارا بحدود الله، او اغترارا بستره وإرجائه؛ أو هو السرور بالصغيرة والتبجح بها. ذلك انه كلما غلبت حلاوة صغار المعاصي عند العبد، كبرت وعظم أثرها في تسويد قلبه !. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو على المنبر: ( ويل للمُصرِّين الذين يُصرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون.)( رواه احمد والبخاري). وقال الإمام الغزالي : "اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب منها: الإصرار والمواظبة، ولذلك قيل: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار، فقطرات من الماء تقع على الحجر على توالٍ فتؤثر فيه، فكذلك القليل من السيئات إذا دام عظم تأثيره في إظلام القلب". ومن الإصرار أيضًا أن يتهاون العاصي بستر الله عليه وحِلمه، ولا يدري أن الله ربما يمهله، أو يملي له ليزداد بالإمهال إثمًا، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمـًا ﴾ (آل عِمرَان: 178).  

   لاشك انك ترى من ظواهر زماننا إصرار أكثر الناس على المعاصي، في جرأة مقيتة واستهتار،  حتى إذا خاطبت أحدهم ناصحا، أجابك بأن الله غفور رحيم؛ وهو قول حق يتذرع به لتبرير إصراره على المعصية، وهذا من جهله وإغواء الشيطان له !.. نعم، إن الله تعالى غفور رحيم لمن استحيى من الله وتاب من قريب وعمل صالحا، ولكنه أيضاً شديد العقاب لمن يتجرأ على حدوده وينتهك حرماته دون هيبة ولا توبة نصوح:  وهو القائل سبحانه: { اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (المائدة 100) وقوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ*وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ}(الحجر 49 ـ 50)؛ فقد جمع الله بين الأمرين لئلا يتّكل الناس على رحمته دون طاعة ولا عمل صالح، فيتجرأون على الموبقات المهلكات باصرار، وحتى لا يقنطوا من رحمته يائسين من عفوه ورحمته.

     إن الإصرار على المعصية فيه من التحدي والمغامرة ما لا تحمد عقباه؛ وما يدريك أن ينتهي بسوء الخاتمة، والنهاية المؤسفة !. فكم من مُصرّ على ترك الصلاة، مات قبل ان يتوب!؟ وكم من مدمنين على الخمور والفجور، أدركهم الأجل وهم على ذلك عاكفون..!؟.  وكم من قائل: "لا إله إلا الله"، لكنه ختم له بكلام بذيء وقول فاحش، بسبب إصراره على قول السوء وشهادة الزور!!  وما ذلك الا من عقوبات الاصرار دون توبة ولا ادّكار .! إن سوء الخاتمة لا يقع لمن استقام باطنه، وصلح ظاهره، وعاش حياته في مرضاة الله؛ وإنما يقع لمن في طويته فساد أو ارتياب، ويكثُـرُ وقوعه للمصرّين على الكبائر، والمجترئين على العظائم، فيهجم عليهم الموت بغتة وهم غافلون.

    فإياك ثم إياك والإصرار على المعاصي أو استصغار الذنوب أو المجاهرة بها، فقد قال بعض السلف: " لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصَيت"؛  ذلك أن الإصرار على الصغيرة قد يجعلها كبيرة بأحدى ثلاث طُـرق :

   ـ فإما أن تتراكم الصغائر بالاكثار منها والاستصغار، فتصير مهلكة، كما قال عليه الصلاة والسلام:         ( إياكم ومحقَّرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يُهْلِكنه )( أحمد) .

   ـ أو يؤدي الاصرا على الصغائر، ولو كانت شبهات، الى تهوين ارتكاب الكبائر (فمن اتقى الشبهاتِ فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقَعَ في الحرام..) ( البخاري ومسلم) .

  ـ أو بالاستخفاف والاستهتار، دون هيبة لله ولا اعتبار، كما قال أَنَس (ض) : " إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالا هِيَ فِي أَعْيُنِكُمْ أدقّ مِنْ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُوبِقَاتِ" (البخاري). يقول ذلك لجيل التابعين وهم من هم على هدي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يحذرهم من احتقار الذنوب ويصور لهم حال الصحابة، وكيف كان خوفهم منها شديدا !؟ .

     وإذا  علمت، أخي في الله، ان العبد متى استصغر المعصية و استهان بّها، هان عليه التمادى فيها،فاذا بها تعظم عند الله تعالى؛ فانج بنفسك اتقاء لها، مستعينا بالله على طاعته، ومستعيذا به من تحقير الذنوب قولاً  وفعلاً، ولا يغرّنّـك حال الذين استصغروا ذنوبهم وتساهلوا فيها، بل ربما أعلنوا وجاهروا بها؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم:( كلّ أمتي مُعافًى إلا المجاهِرينَ.. ) (رواه البخاري ومسلم). يقول الأوزاعي:  "كان يُعدّ من الكبائر: أن يعمل الرجل الذنب ويحتقـرَه؛ لأنه متى استصغر المعصية واستقلها هان عليه أمرها، وعظمت عند الله، وهنا يكون الهلاك والخسران". وما يدريك أنه إذا عظمت الذنوب في نظر العبد، قد تصغر عند الله، لأن  ذلك يدل على صدق الإيمان، وحياة القلب. انها طبيعة النظرة التي لدى العبد تجاه ذنوبه، قال ابن مسعود (ض):  "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه؛ وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا - أي بيده - فذبَّه عنه". إن المؤمن الذي تحققت له معرفة الله، واستقرَّ في قلبه الخوف منه، هيبة وتعظيما، فان ذلك يدفعه إلى اتقاء الذنوب والمعاصي، ولو زل بمعصية، عاد إلى الله تائبا منيبا رجاء رحمته ومغفرته.

    ما اكثر ما يفتح القرآن الكريم للمذنبين أبوابًا من الرحمة، فيدعوهم من خلالها إلى المبادرة والمسارعة إلى مغفرة من الله وجنة عرضها السماء والأرض، محذرا من التمادي على الذنب باصرار: { سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عِمرَان: 133-135).

 

   وانظر، اخي الكريم، الى ما في هذه الآيات من إشارات وبشارات هي من حِلم الله واحسانه: فقد ذكر المغفرة أولاً، قبل ذكر الجنة، لأن المغفرة هي الطريق إلى الجنة؛ والتوبة من أعظم أسباب حصول المغفرة وبلوغ التقوى. ورغم أن المتقين في أعلى مراتب الإيمان وفي كنف الرحمان، فان الله تعالى لطيف بالعبد المذنب، ولو ارتكب الفاحشة، و هي أبشع الذنوب وأكبرها - ما دام  يعترف بأنه عبد خطاء له ربّ غفور رحيم، فتاب من ذنبه واستغفر وأنـاب.

    وهذا هو حال المؤمنين، الواثقين من رحمة الله، يعلمون أن الذنوب لا يسترها ويتجاوز عنها الا الرحمن الرحيم سبحانه: { وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ }. فهو الذي يلطف بعباده وينتشلهم من دركات الشرور، مالم يصروا على الذنب:{ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. ولأنهم أخطأوا فاعترفوا، وأذنبوا فاستغفروا، ولم يصرّوا، كان لهم الجزاء الحسن: { أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ بتَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ }.  فلا تظننّ ان الصالحين لم يذنبوا !، انهم فقط استتروا ولم يجاهروا، واستغفروا ولم يصروا، واعترفوا ولم يبرروا، واحسنوا بعدما اساءوا، وأقبلوا ولم يدبروا، وانكسروا امام ربهم تائبين ضارعين ولم يستكبروا.

الخطبة الثانية:

ايها الاخوة الاكرام، ما احوجنا الى معرفة الله حق المعرفة، من اجل ان يقوى تعطيمنا له ، ونزداد له محبة وخشية ورجاء. فمن عرف الله هابه واتقى ما يسخطه، وسارع في ارضائه بالطاعات والقربات، ومن جهل قدره سبحانه هانت عليه معصيته.

     أقبل رجل على إبراهيم بن أدهم فقال: "

يا شيخ، إن نفسي تدفعني إلى المعاصي فعظني. فقال له إبراهيم: إذا دعتك نفسك إلى معصية الله فاعصه.. ولا بأس عليك !، ولكن لي إليك خمسة شروط. قال الرجل: هاتها ..قال إبراهيم: إذا أردت أن تعصي الله فاختبئ في مكان لا يراك فيه .قال الرجل: سبحان الله، وكيف أختبئ، وهو الذي لا تخفى عليه خافية؟.

فقال إبراهيم: وسبحان الله، أما تستحي أن تعصي الله وهو يراك ؟!؛  فسكت الرجل، ثم قال : زدني . قال إبراهيم: إذا أردت أن تعصي الله، فلا تعصه فوق أرضه ..فقال الرجل : وأين أذهب .. وكل ما في الكون له.  فقال إبراهيم : أما تستحي أن تعصي الله .. وأنت فوق أرضه ؟! قال الرجل : زدني ..فقال إبراهيم : إذا أردت أن تعصي الله .. فلا تأكل من رزقه. قال الرجل : سبحان الله ، وكيف أعيش، وكل النعم من عنده. فقال إبراهيم: أما تستحي أن تعصي الله وهو يطعمك ويسقيك ويحفظ عليك قوتك ؟! قال الرجل: زدني ..فقال إبراهيم : فإذا عصيت الله ثم جاءتك الملائكة لتسوقك إلى النار، فلا تذهب معهم. قال الرجل: وهل لي قوة عليهم، إنما يسوقونني سوقاً ..فقال إبراهيم : فإذا قرأت ذنوبك في صحيفتك، فأنكر أن تكون فعلتها. قال الرجل: سبحان الله. فأين الكرام الكاتبون والملائكة الحافظون  والشهود االناطقون...ثم بكى ومضى وهو يقول : أين الكرام الكاتبون والملائكة الحافظون والشهود الناطقون؟.

ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا، وثبت اقدامنا، فانه لا يعفر الذنوب الا انت.

 

 

ثمرات البركة واستجلابها

الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبِه، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، أما بعدُ: اهمية البركة : ايها المسلمون: الكل يصيح

الاثار الطيبة بعد الموت

الحمد الله العزيز الغفار الواحد القهار، أنعم على العباد بهذه الدار، وجعلها مكان بلاء واختبار، ووعد الطائعين بجنات وأنهار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تواب غفار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى عليه الله وعلى آله وسلم ما أثمرت الأشجار وما تفتحت الأزها

قانون الإضافة البسيطة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، الحمد لله الذي خلق الأرض والسموات ، الحمد لله الذي علم العثرات ، فسترها على أهلها وانزل الرحمات ، ثم غفرها لهم ومحا السيئات ، فله الحمد ملئ خزائن البركات ، وله الحمد ما تتابعت بالقلب النبضات ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، ما نزل غيث إلا بمداد حك