خطبـة عيـد الفطـر 1439 ( لا صلاح ولا اصلاح الا بالقرآن )

خاص عيون نت

التاريخ: الأربعاء 13 يونيو 2018 الساعة 10:05:26 مساءً

كلمات دلالية :

العيد
خطبـة عيـد الفطـر 1439  ( لا صلاح ولا اصلاح الا بالقرآن )

{ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا }

                          الله أكبر.. الله أكبر..  الله أكبر ... ولله الحمد

                    ( الحمد والثناء على الله تعالى ، والصلاة على نبيه الكريم...)

   الحمد لله المنعم الكريم على فضله العظيم ونواله العميم؛ سألناه بلوغ رمضان فبلّغنا، ورجونا عونه وتوفيقه لاغتنامه بالطاعات والقربات وفعل الخيرات فوفقنا، وأتمه علينا فضلا منه وكرما؛ ف "الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله" وها نحن بمزيد مواهبه وإحسانه في أجواء العيد، مقبلين عليه خاشعين ذاكرين، فرحين بما أعطى واسدي، حامدين شاكرين { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون }. فهنيئا لمن صاموا وقاموا مخلصين محتسبين، واغتنموا الشهر الفضيل في الخيرات مسارعين، رغبا ورهبا، وكانوا لربهم خاشعين، فإنما هي مسارعة الى مغفرة من الله ورضوان. فليعظم الرجاء والدعاء، ونحن في يوم الجوائز، أن ينجزنا الكريم المنان، وعده للصائمين،  لنهنأ بفرحة الفطر العاجلة، قبل الفرحة الكبرى يوم يتجلى بالرحمة والغفران، والرضا والرضوان والعتق من النيران، إنه الحليم الرخمن واسع الفضل والاحسان.     

                          الله أكبر.. الله أكبر..  الله أكبر... ولله الحمـد

   لقد كان شهر رمضان موسما عظيم القدر والفضل بالنفحات والبركات وكريم الهبات، طيّب الثمار وعميق الآثـار، إحياء لقلوبنا، وتزكية لنفوسنا، وإيقاظا لضمائرنا، وتغذية لعزائمنا، وتهذيبا لأخلاقنا.. فهل تمثلنا الدروس الربانية، فخرجنا من شهر التقوى بشهادة المتقين، وتسلحنا من مدرسة الصبر بعزائم الصابرين، وتذوقنا لذة الطاعات وحلاوة المناجاة لرب العالمين، لنمضي ثابتين على التقوى والاستقامة، ملتزمين بذكر الله وشكره وحسن عبادته، دون تراجع ولا تقاعس ولا افتتـان !؟.      

    أيها المؤمنون، لقد عشنا شهر رمضان في رياض الطاعات على تعددها وتنوعها، صلاة وصياما وقياما وذكرا وإحسا، والحمد لله على ما أسدى وتكرم؛ ولكن أجل ما في كل ذلك وأجمل، وعليه مدارها، وهو الاصل فيها والحادي اليها، هو كتاب الله المجيد، الذي عشنا في ظلال أنواره، تلاوة وحفظا وتدبرا ومدارسة؛  القرآن الكريم الذي هو معجزة الاسلام العظمى، بكل الامتيازات والفضائل لفظا ومعنى؛ ولا غرابة، فانه كلام رب العالمين، نزل به جبريل، اشرف الملائكة المقربين، في أشرف شهر وليلة، بأشرف بقاع الارض عند بيت الله الحرام، على أشرف الأنبياء والمرسلين، لأجل أشرف أمة أخرجت للناس، وليكون مشكاة الهدى والنور للعالمين. 

                           الله أكبر.. الله أكبر..  الله أكبر... ولله الحمـد

 لله الحمد وقد أكرمنا بنعمة الاسلام، وأنقذنا به من ظلمات الكفر والضلال والخسران، وشرفنا بالانتساب لخير أمة أخرجت للناس، بخير كتاب انزل { قرآنا عربيا مبينا}، وخير نبي أرسل{ بشيرا ونذيرا وداعيا الى الله بإذنه وسراجا منيرا}. فبالقرآن العظيم نشأت الأمة بعد ان لم تكن شيئا مذكورا، وبه توحدت في بوثقة الاخوة الايمانية، وبه سادت وعزّت وفتحت البلدان شرقا وغربا، وبه ستبقى صامدة لا لا تحول ولا تزول، مهما نالها من ابتلاءات المحن والنكبات والهجمات، محفوظة بحفظ كتاب الله{ إنّا نحنُ نزّلنا الذكرَ وإنّا له لحافِظون}.

إن القرآن العظيم روح هذه الأمة ونورها، والروح جوهر الحياة، والنور نبراس الهداية، فلا وجود لها من دونهما ولا هداية، ولا صلاح ولا نجاح ولا فلاح، ولا سيادة ولا عزة إلا بهما.: {وكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًــا مِّنْ أَمْرِنَا، مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ، وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُــورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } (الشورى 52). فالأمة بغير القرآن كيان جامد هامد، لا روح فيه ولا حياة، ولا وزن له ولا اهتداء. والسر هو في التقاء روح الوحي السماوي، بروح النفخة الربانية الفطرية منذ خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه. وبالتقائهما، تلتقي البذرة بماء الحياة، فيكون انبعاث الانسان، قلبا وعقلا وسلوكا، متحرر المشاعر والافكار والعزائم، وتحصل له السكينة والظمأنينة { أوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} (الانعام 122). وهكذا ينطلق الانسان بالقرآن على نور من ربه، وقد تبين سبيل الهداية والرشاد: { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } (الاعراف186). لكن، بغير القرآن تغدو القلوب والعقول والحياة خرابا، لا نور فيها ولا أمان ولا اطمئنان. فماذا كان العرب في جاهليتهم قبل نزول القرآن، كانوا أشتاتا من القبائل المتناحرة، تعبث بهم رياح العصبية والحروب، وضلالات الشرك والفساد. لكنهم لما أسلموا أخرجهم الله بالقرأن من ظلمات الجهل والجهالة، والكفر والضلالة، ووحدهم وألف بين قلوبهم، فأصبحوا بنعمته إخوانا، وصاروا أمة الخيرية، ينعمون بحياة الفضيلة ومقام العزة والمهابة بين الأمم، وبذلك يَمتنّ الله عليهم ويحثهم على الاعتصام بحبل القرآن متآخين متحدين:{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا }(آل عمران 103). ثم مضت رحلة الأمة عبر تاريخها تعلو وتسمو وتسُود كلما أعلت راية القرآن وتمسكت بحبله المتين، وتهوي وتتراجع كلما هجرت القرآن وفرطت في العمل به، كما هو واقع المسلمين اليوم بما يكابدون من الازمات والنكبات والفتن والانحرافات والمنكرات والشبهات، وذلك بقدرما ابتعدوا عن مشكاة الهداية ومنهاج الصلاح والاصلاح الرباني الذي لا مثيل له ولا بديل !.

 

                                   الله أكبر.. الله أكبر..  الله أكبر... ولله الحمـد

   أيها المؤمنون، إن القرآن العظيم، كتاب الله الخالد، وحجته البالغة على الناس أجمعين، ختم الله به الكتب السماوية، وجعله هداية ورحمة للعالمين، ببرنامج الاصلاح الشامل والمنهاج الاكمل والاقوم، الذي ينظم بدقة وحكمة بالغة، كل مناحي الحياة الانسانية، الروحية والمادية، الفردية والجماعية والاجتماعية والحضارية، في توازن وتكامل بين مقتضيات الروح والعقل والجسد، ومصالح الدنيا، ومقاصد الاخرة؛ فلا اصلاح ولا صلاح للناس ولا حياة تليق بغاية وجود الانسان ورسالته الا بالوحي السماوي الذي وحده يهدي للتي هي أقوم : { إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً }(الإسراء: 9).

    هكذا أنشأ القرآن " خير أمة أخرجت للناس" تدعو الى الله على بصيرة ويقين، برسالة ربانية عالمية لتخرج الناس من الظلمات الى النور، مصداق قوله تعالى {  كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..}. هذا الذي يعلمه الاعداء عن مكانة القرآن ودوره في حياة المسلمين يقينا، فيعملون بكل مكرهم ومخططاتهم لمحاصرة رسالته، بتشويه سمعته وأضعاف آثاره ومنع انتشاره، حتى نعتوه بالارهاب ظلما وزورا، واستهدفوا دور القرآن ومؤسساته العلمية، وحمَلته ودعاته، في كل مكان، والله من ورائهم محيط { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } ( الانفال36).   

  إن الحديث عن دور القرآن في إصلاح أحوالنا ومجتمعاتنا ليس حديثاً نظرياً ولا مثاليا خياليا؛ ولكنه حقيقة مؤيدة بشهادة الواقع  في تجربة حضارية معجزة بكل ما تحمـله كلمة الإعجاز من معنى.

   فبالقرآن ورسالته كنا مسلمين، وبه امتازت هويتنا الاسلامية بصبغة ربانية متفردة { صبغةَ اللهِ ومَن أحسنُ منَ اللهِ صِبغةً}، وبه وعليه قامت حضارتنا، فكان امتدادها التاريخي حافلا بالأنجازات والبطولات.. فلا يكون اصلاح احوالنا، وتحقيق وحدتنا، وبناء عزتنا، من جديد الا بالبرنامج الاصلاحي الرباني الحكيم في القرآن العظيم، الذي صنع مجتمع الصحابة والتابعين، وجعل منهم خير أمة أخرجت للناس؛ وهو القرآن ذاته الذي بين أيدينا اليوم..  فليست المشكلة في القرآن كمنهج للتغيير والإصلاح كما يريد الاعداء ان يوهمونا،  وإنما هي في طريقة تعاملنا معه..{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }، ولذلك فحين نتساءل: كيف نحيي القرآن فينا لنحيا به ونستنير في طريق الهداية والرشاد، ونرقى مقام العزة والسؤدد ؟ فالجواب في العمل على تصحيح علاقتنا بالقرآن على علم ويقين وبصيرة، وذلك بالاقبال عليه ايمانا ومحبة وتعظيما وامتثالا، والإعتصام به والاحتكام اليه وتحكيمه في أمور حياتنا كلها، عاملين به على اقتداء بمنهج السنة النبوية الصحيحة؛ فذلك المراد بقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}. ومعه بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبشروا، أبشروا، أليس تشهدون ان لا اله الا الله واني رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فان هذا القرآن سبب، طرَفه بيد الله تعالى، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا) (الطبراني).

                                     الله أكبر.. الله أكبر..  الله أكبر... ولله الحمـد

   أيها المؤمنون، إنه لما كان منهاج الاصلاح الوحيد لهذه الامة، هو في القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، وليس له مثيل ولا بديل، فالواجب على قادة الاصلاح من العلماء العاملين، ومن بعدهم، أفرادا أو جماعات، أو مؤسسات، أن يجعلوا كتاب الله مرجعَهم الاساس في التنظير والتخطيط والتدبير، واثقين من فعالية برنامجه الرباني الفريد النافـذ، معتصمين بحبله المتين، متمسكين بمنهجه القويم، مسترشدين بهديه المبين، على تقوى من الله، وصدق وإخلاص، وعزم ويقين، فذلك قوام رسالتهم ومصداق نواياهم وشرط نجاحهم وثواب أعمالهم:{ والذينَ يُمَسّكونَ بالكتابِ وأقاموا الصلاةَ إنّا لا نُضيعُ أجرَ المُصلحينَ } (الاعرااف 170).

   ومن حكمة البرنامج القرآني الدقيق والشامل في الاصلاح، انه يركز أساسا على مجالات اصلاحية حيوية ثلاثة متلازمة ومتفاعلة: اصلاح النفس والفرد أولا، ثم اصلاح الاسرة،  ثم اصلاح المجتمع، واليكم البيان:

1 ـ فاصلاح النفس منطلق كل اصلاح حقيقي، ومدخل كل خير للفرد والمجتمع، ولا يستطيع انسان ان يصلح حاله، أو غيره قبل اصلاح نفسه، وما ضاعت كثير من جهود الدعاة والمصلحين الا بسبب  التركيز على الأمور التنظيمية قبل إصلاح النفوس، أو بعدم  الاستمرار والمتابعة لتزكيتها، خلافا للقاعدة القرآنية: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }  لذلك يبدأ القرآن باصلاح القلوب، فيطهرها من أمراض الانانية والكبر والغرور، التي تصيبها بالقسوة وكراهية الحق والعدل، وتبلد الاحساس وموت المشاعر الإنسانية. وفي الحديث النبوي: (ألا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)،  فبهذا الاصلاح الباطني ينبعث المسلم انسانا سويا، يعرف نفسه ويدرك كرامته على الله، الذي خلق نفسه فسواها، وجعلها مناط الفلاح في الدنيا والاخرة { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا }. وبهذه بالتربية الايمانية القرآنية تسمو النفس الانسانية في مدارج التزكية، من نفس أمارة بالسوء الى نفس لوامة هي عون لصاحبها على الخير، الى نفس مطمئنة موعودة بالرضا والرضوان:{ يأيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً  فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وادخُلي جَنّتي}. فلنقبل على كتاب الله من أجل اصلاح قلوبنا، وتزكية أنفسنا أولا، فذلك منطلق كل ما ننشده من صلاح واصلاح لأحوالنا واهلينا ومجتمعاتنا. 

                                الله أكبر.. الله أكبر..  الله أكبر... ولله الحمـد

 

   لله الحمد على كمال تشريعه وجماله، وتدرجه من اصلاح الباطن الى اصلاح الظاهر، ومن الفرد الى الجماعة؛ وهكذا كان المجال الثاني في برنامجه الحكيم، هو اصلاح الاسرة. فإذا كان صلاح الفرد من أكبر الغايات في مقاصد الإسلام، فإن ذلك يستلزم توفير البيئة الصالحة والمناخ الطيب الذي ينشأ فيه هذا الإنسان على الطيبة والصلاح. ولا ريب ان الاسرة هي المحضن الأول لهذه الغاية النبيلة. لهذا أهتم بها القرآن اهتماما بالغا، لكونها اللبنة الاولى والاساس في صرح المجتمع؛، فبقدر صحتها وسلامتها واستقرارها يكون صحيحا سليما مستقرا؛ وبقدر اختلالها واضطرابها يكون حاله اختلالا واضطرابا. وهكذا كانت الأسرة المسلمة نواة المجتمع الاسلامي الصالح، أحاطها شرع الله الحكيم بكثير من الاحكام والمبادئ التي تضمن نشوءها على نبل المقاصد ومتانة البنيان وثبات الأركان وفعالية رسالتها الدينية والدنيوية، لتكون ربانية الوجود والرسالة، يسودها الوئام والانسجام، و مشاعر المودة والرحمة، حتى عدها الله من آيات صنعه واعجازه :{وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم:21]،

   و يشهد التاريخ قديما وحديثا بحكمة التشريع القرآني ونبل مقاصده في بناء الاسرة الصالحة المصلحة، حيث لا رابطة زوجية ناجحة، طيبة قوية و ثابثة على المودة والرحمة وحسن المعاشرة، الا في الاسرة المسلمة المستوفية لشروط الوجود الرباني. وما ضاعت هذه الأصول والمبادئ الا عند بعض المسلمين الجاهلين بحكمة الدين، او المفتونين بالمدنية الغربية وشعاراتها وقيمها المادية، وهم ضحايا مخططات الاعداء لضرب نموذج الاسرة المسلمة الراقية في وجودها ورسالتها التربوية الايمانية والحضارية، كمنطلق لضرب تماسك المجتمع الاسلامي واستقراره وإفساد اجياله.

فلنبادر ـ ايها المؤمنون ـ الى الوفاء بعهد الله في إصلاح اسرنا واحسان تربية أبنائنا، والمحافظة على القيم الاسلامية في بيوتنا؛ وانها لرسالة ثقيلة نبيلة، وأمانة عظيمة، سنسأل عنها يوم القيامة: و( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) ولنحذر وعيد الله لمن استهانوا وضيعوا:{ قلِ ان الخاسرينَ الذين خَسروا أنفُسَهم وأهلِيهم يومَ القيامةِ، ألا ذلك هو الخُسرانُ المُبينُ}( الزمر 14). 

                  الله أكبر.. الله أكبر..  الله أكبر... ولله الحمـد

لله الحمد الذي خلق الإنسان وجعله اجتماعيا بالطبع والضرورة، لا يستطيعُ العيش بِمُفرده لآن حياته تتوقف على الاتصال والتواصل والتفاعل مع غيره في مجتمع يضمن لهم ربط العلاقات وتبادل المصالح والمنافع، وتوفير الامن والاستقرار. ولابد من وجود قَواعد وتشريعات تنظم هذا المجتمع وتهذبه وتصلحه. وبالرغم من تطور المجتمعات ونظرياتها الاصلاحية عبر التاريخ، فان التشريع الالهي أرقى واكمل واشمل، في بناء المجتمع الفاضل على القواعد والضوابط التي تحفظ كيانه وأفراده من الانحراف والفساد، وتصون لهم الحقوق والكرامة في أجواء أخوية لا مثيل لها. انه المجتمع القرآني باعجازه التشريعي الذي شهد له الواقع والتاريخ بفرادته في التماسك والتآزر والتعاون على الخير، مجتمع الجسد المتآزر بأعضائه كما صور النبي الأمين أحسن تصوير: ( مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: كمثل الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى) (الشيخان) . كذلك كانت المجتمعات الاسلامية على عهد الصحابة والتابعين، وفي عصور عزة الاسلام ورقي المسلمين، تحيا على المدنيَّة الفاضلة، والعدالة الشاملة، قبل أن يبتلى المسلمون بالبعد عن روح القرآن وحكمته في اصلاح مجتمعاتهم وتدبير حياتهم، وقبل مفاسد الهجمات الاستعمارية وتحكم القيم المادية الغربية. وما تزداد مخططات الأعداء الا قوة واتساعا وخبثا لإفساد المجتمعات الاسلامية وإضعافها وارباك مشاريعها النهضوية والتنموية، حتى تبقى تابعة خاضعة لا تقوى على التحرر والتنافس الحضاري، وما كانت لهم الغلبة الا بضعف علاقة المسلمين بكتاب الله وبعدهم عن تعاليمه ووصاياه. فمتى يفيق المسلمون من غفلتهم ويفزعوا الى كتاب الله العظيم، ويعتصموا بحبله المتين، لتتحقق لهم وعود الله بالوحدة والاتحاد والعزة والتمكين كما تحقق لأسلافهم الاولين !.

الخطبـة الثانيـة

               الله أكبر.. الله أكبر..  الله أكبر... ولله الحمـد

 

     ايها المؤمنون، هكذا نعلم إنَّه لا صَلاح ولا إصلاح يُعيد للأمَّة الإسلاميَّة ما فَقَدَت من قوة االاعتقاد والايمان، وفضيلة الأخلاقِ، وشَرَفِ المقام والسُّؤْدَدِ إلاَّ بما صَلَحَ به اولها، وهو الاعتصام بحبل كتاب الله والعمل ببرنامجة في الاصلاح، ومنهج السنة النبوية في تفعيله وتنزيله. والقرآن يحضنا على تحكيمه والاحتكام اليه في كل مشاريعنا الاصلاحية؛ وان يكون منا دعاة ومصلحون يتجندون لهذه الرسالة بصدق واخلاص، وعلى علم وبصيرة، ملتزمين بمنهج المصلح الاكبر محمد عليه الصلاة والسلام، وحكمة هديه في الدعوة والاصلاح. فللإصلاح في كتاب الله فِقْهٌ لا بدَّ أن يُفهم، ومَسلكٌ يجب أن يُقتَفى ويُتَّبَع وإلاَّ ضاعت الجهود وكان الفشل. لذا يلزم تصحيحُ النِيَّة وتسخير القصد ابتغاء مرضاةِ الله وحدَه، وتجنُّب الأهداف الشَّخصية والأغراض الدُّنيوية الزَّائلة، قال تعالى: {لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [النساء:114).

ولقد بين القرآن الكريم مقومات الدعوة الرشيدة، وشروط المصلح الصادق الأمين في أيات كثيرة، وأوجز شروطها على لسان شعيب عليه السلام، مؤكدا على الدعوة ببينة الوحي وبرهانه، وعلى الارادة الصادقة في الاصلاح، بعزيمة قوية وصدق التوكل على الله، ملتزما بمقاصد الدعوته ما استطاع، دون اختلاف ولا انحراف: { قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإليهِ أُنِيبُ }(هود 88)

 بهذا المنهج القرآني الحكيم، عرف تاريخ الامة الاسلامية مصلحين ربانيين، أصلحوا أوضاعها وعالجوا مشاكلها وأمراضها، وخلَّصوها مما كانت تعاني. فأعطَوا قبل أن يأخذوا، وأدَّوا واجباتهم قبل أن يطلبوا حقوقهم.{رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا }.

                الختم بالدعاء والصلاة على النبي الامين..

فرحة العيد - خطبة عيد الفطر المبارك 1439 هـ

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله ورحمته تفرح المخلوقات، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه وآلائه المتتابعات، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين، وقدوةً للسالكين، اللهم صل وسلم ع

وقبل انتهاء رمضان.. ما لبعض القلوب لا ترجو لله وقارا

اعْلَمُوا - يَا رَعَاكُمُ اللهُ - أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْخَوَاتِيمِ، وَأَنْتُمْ فِي خَاتِمَةِ شَهْرٍ عَظِيمٍ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ، فَلْنَجْتَهِدْ فِي الْقِيَامِ وَالدُّع

وداعا رمضان

الحمد لله الواحد القهار، مقدر الأقدار، ومكور الليل على النهار، تبصرةً لأُولى القلوب والأبصار. أيقظ من خلقه من اصطفاه فأدخله في جملة الأخيار، ووفق من اختار من عباده فجعله من الأبرار، وبصر من أحبه للحقائق فزهد في هذه الدار، وشمر عن ساعد الجد طلباً للفوز بدار القرار. وأشهد أن لا