تذكـر هول الوقوف أمام الله !

خاص عيون نت

التاريخ: الجمعة 25 يناير 2019 الساعة 06:42:25 مساءً
تذكـر هول الوقوف أمام الله !

يقول الله تعالى:{ وقِفوهُـــم.. إنّهــم مَسؤولـــونَ  } (الصافات:24)

   أخي الكريم، وانت على يقين الايمان باليوم الآخر، وما يحمل من حقائق لا ريب فيها عن الموت والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط، وما بعد ذلك من مصير نهائي { فريقٌ في الجنّةِ وفَريقٌ في السّعيرِ}..  أدعوك الى استحضار لحظة الوقوف بين يدي الله جل وعلا، بعد تلك الاشواط المهولة، وما انت الا واحد من ملايير الخلق في مشهد العرض على ربهم؛ ذلك المشهد المهيب العصيب، الذي افاض القرآن الكريم والسنة النبوية في وصفه بدقة وتفصيل، حتى كأنه رأي العين، وهو الذي تختزله في دقته وهوله آية في منتهى الايجاز والاستفزاز: { وقفوهُم.. إنّهم مَسؤولونَ }.

   تَذكّر تلك الوقفةَ الحرجة في ذلك اليوم المشهود، بعد ان نفخ في الصور، وقد تبدلت الأرض غير الأرض والسموات، فخرج الموتى من الأجداث إلى ربهم ينسلون، وبرزوا لله الواحد القهار، حفاة عراة غُرلا، لا يغني مولىً عن مولى شيئا ولا هم ينصرون، فلا أنساب، ولا أحساب، ولا جاه ولا سلطان ولا مال :      { فإذا نُفِخَ في الصّورِ فلا أنسابَ بينهُم يومئذٍ ولا يَتساءلونَ، فمَن ثَقُلَت مَوازينُهَ فأولئكَ هُم المُفلحونَ، ومَن خَفّت مَوازينُه فأولئِك الذينَ خَسِروا أنفُسَهُم في جهنّمَ خالدونَ، تَلفَحُ وجوهَهُم النارُ وهُم فيها كالِحونَ}(المؤمنون:101-104).

 ذلك يوم الموقف العظيم، تحضره ملائكة الرحمن جل وعلا {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]، ويبدأ النداء للمثول بين يدي الله، فتجثوا الأمم على الركب لعظم ما يُشاهدِون وما هم فيه واقعون {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية:28).

    وذلك اليوم الذي تنشر فيه الدواوين وتنصب الموزاين، ويشتد الكرب على الناس، وكل منهم مشغول بهمّ حاله ومصيره، { يومَ يفِرّ المَرءُ من أخيهِ وأمِّه وأبيهِ وصاحِبتهِ وبنِيه، لِكلّ امرِئٍ منهُم يومَئذ شأنٌ يُغْنِيه }؛ يوم يود المجرم لو يفتدي من العذاب ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الاض جميعا، فلا شيء من ذلك ينفعه !.

  تصور نفسك يومئذ وانت بين الخلائق، {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}؛ فاذا بمناد ينادي باسمك: أين فلان بن فلان؟ هلُمّ إلى العرض على الله، فتقوم في هلع، ترتعد فرائصك، وتضطرب جوارحك من هيبة الموقف، وهول الفزع والاشفاق من حتمية المصير، فتقف بين يدي الله جل وعلا، وقلبك واجف من الرعب، خاشع ذليل، وقد نشرت صحائف أعمالك، بكل ما فيها، تقرؤها بلسان كليل، وقلب منكسر، في خجل وحياء من الله الذي كان محسنا اليك بحلمه وستره؛ فاذا بك تجد كل كبيرة وصغيرة من حسناتك وسيئاتك، مسطورة لا يخفى منها شيء من دقيق وجليل من اقوالك وافعالك واحوالك..

  فكم كنا، انا وانت، لا نحسب الحساب ليوم لقاء الله جلّ وعلا، ونحن على علم ويقين بحتميته، فلا نعمل له بحسن الاعداد والاستعداد، بينما نستعد لأي لقاء بمن نحب او نجل في دنيانا، فنجدّ ونجتهد ليكون لقاؤنا به على أحسن حال، طلبا لرضاه، في غفلة عن لحظة الوقوف بين يدي الله سبحانه.

فليتنا نسارع بالتوبة كلما زللنا أو أخطأنا، لأن هذا الموقف عصيب، في محكمة رب العالمين الذي لا تخفى عليه خافية. فنحن في الدنيا إذا وقفنا بين يدي القاضي نستطيع أن ننكر او نجادل او نتبرأ من افعالنا، وأن نأتي بمن نرضى من الشهود، وأن نقدم إلتماسًا، أو نحتال، ولـنا أهل وأعوان وأنصار ووسائط. ويومئذ لا يجدي شيء من ذلك، وقد اصبحت جوارحنا شاهدة لنا او علينا: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (يس 65).

ذلك اليوم الذي تقف فيه، حافيا عاريا، واجفا من الكرب والفزع، ننتظر كلمة أو علامة رضا من الجليل، وتتذكر خطاب القرآن الواعظ { وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}(البقرة 282)؛ وترى الناس ذاهلين مشفقين من عواقب ما اقترفوه من الذنوب والمعاصي؛  فهذا كافر او مشرك أفّاك، وذا تارك لفرائض الله، عابد لهواه، وذاك آكل لمال اليتيم، وهذا قاطع رحِم، وهذا مرتش او شاهد زور، وهذا ظالم للناس معتد أثيم ، وذاك مسئ لجاره وقرابته، وأخر منتهك للحرمات مسرف في المحرمات، وآخرون تلوثت صحائفهم بدماء الابرياء... !!

  واعلم يا أخي، ان للعبد بين يدي الله موقفين: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه، فمن قام بحق الموقف الأول مخلصا خاشعا، هوّن عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه، شدد عليه ذلك الموقف، وفي الحديث: ( أول ما يحاسَب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله ) (الطبراني).

   تذكر يوم يرعبك ما ترى من مصير المجرمين، فرادى:{ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ } (الحاقة 30ـ31). أو زُمرا وجماعات: { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ}(الزمر 72)، بينما ترجو ان ينالك من الله جزاء المتقين الذين يساقون الى جنات النعيم فرحين بما آتاهم الله من فضله: { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } (الزمر:73).

   فيا أخي الحبيب، قف وتدبر قليلا، وحاسب نفسك كثيرا، وانظر ماذا قدمت لذلك اليوم، متعظا بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ* وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ* لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ }(الحشر 18)..

   فإن كنت ممن يسارع في الطاعات والقربات، ويتجنب المعاصي والمخالفات، فاحمد الله على ذلك، واسأله الثبات حتى الممات، وهنيئا لك ما أنت مقدم عليه بإذن الله، فلك منه بشارة الرضا والرضوان: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ }(فصلت:30)..

  وإن كنت غير ذلك، فتب إلى الله وارجع إلى الهدى والاستقامة على طاعته، ولا داعي للعناد والإصرار على المعاصي التي ستعرضك لعذاب الله؛ فإنك والله لأعجز من أن تطيق لفح دقيقة من نار جهنم؛ وإن الجبال الشم الراسيات لو نالها منها لهيب لذابت من شدة حرها! فأين أنت أيها الإنسان الضعيف من تلك الجبال؟ إنك قد تصبر على الجوع والعطش، وتصبر على الضر، وعلى التكاليف، لكن لا صبر لك على النار .. ألا فأنقذ نفسك منها ما دمت في زمن الإمهال قبل أن تندم، ولات ساعة مندم؛ واعلم أن الصبر على محارم الله في هذه الدنيا أيسر واهون من الصبر على عذاب يوم القيامة. فاقرآ أوصاف جهنم في القرآن، لتدرك اهوالها كانك تراها، لعل ذلك أن يحرك همتك للعمل على النجاة منها؛ وما ينجو منها الا اهل التقوى والاستقامة: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }(التحريم 6).

الخطبة الثانية:

   وبعد.. أخي الكريم، لا نجاة من اهوال ذلك اليوم، الا انتهاج طريق الاستقامة والالتزام بما يرضي الله تعالى من صالح الاعمال. وطريق الاستقامة ليس فيه تعقيد ولا كبت حرية، كما يظن الجاهلون، بل كله راحة نفس وسعادة وسكينة وطمأنينة؛ وماذا يريد الإنسان في هذه الحياة غير ذلك؟!  انه مسلك الرضا من الله والرضوان الذي لا شقاء معه؛ وكيف يشقى من يحيا لله وفي معية الله بالطاعات والقربات وفعل الخيرات !. أما حياة المعاصي والآثام فكلها قلق ونكد وحسرة في الدنيا، ثم عذاب وهوان في الآخرة.{ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ }(طه 124).

  انك كلما ازددت معرفةً بما ينتظرك ليوم القيامة، وما لموقفك أمام الله من هيبة في محكمته المصيرية العادلة، كلما ازددت خوفاً ووجلاً، ووقوفاً عند حدود الله. وما هان ذلك الموقف عند اكثر الناس الا بسبب جهلهم وضعف إيمانهم بالله واليوم الآخر، فرانت عليهم الغفلة واستهانوا  بهول المصير: {اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رّبّهِمْ مّحْدَثٍ إِلاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ  لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ..}                                                      (الانبياء1.2).

  فاتعظ يا اخي، وتمثل هذا الموقف العجيب، في سيرة الإمام سفيان الثوري الذي يقول أحد تلامذته: "كنت أتعجب من حياة الإمام! وكنت من عجبي به أتبعه في خلواته وجلواته، ثم رأيت منه عجباً، رأيت أنه يقف في اليوم مرات يخرج من جيبه رقعة فينظر إليها ثم يعيدها، فازددت إصراراً على معرفة سر الورقة، فما زلت خلف الإمام أتبعه، وألحظه حتى وقعت الورقة في يدي، فنظرت فيها فإذا مكتوب فيها: "يا سفيان ! اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل".  قلت سبحان الله، الامام سفيان الثوري، صاحب العلم والخشية والورع، يعلم أن النفس تغفل، فأبى الا أن يؤدبها، فكتب هذه العبارة في هذه الورقة، فكلما همت نفسه بمعصية أو غفلت، أخرجها فنظر إليها وقرأها فتذكر الآخرة، وتذكر وقوفه بين يدي الله عز وجل !"

فأين نحن من اولئك السلف الذين كانوا احرص الناس على تقوى الله، واشد خشية له في السر والعلن، يراقبون انفسهم ويحاسبونها حتى تستقيم على مرضاة الله تعالى ..

نسأل الله تعالى ان يعصمنا من الغفلة، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

المنافقون والإفساد في الأرض

فإن الله عز وجل خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه فلا يشركوا به شيئاً وأرسل الرسل وأنزل الكتب وأقام الحجة على الخلق، والناس أمام ذلك أقسام ثلاثة قسم آمنوا بالله وصدقوا المرسلين فهم يناصرون الحق ظاهراً وباطناً، ويضحون في سبيل الله بالنفس والنفيس وهؤلاء هم المؤمنون الصادقون.

الزكاة

الخطبة الأولى الحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ {يا أيُّهَا النّ

سلامٌ عليك رمضان كم تحمل من خير

الحمد لله الذي فضل شهر رمضان على سائر الشهور، وجعل الصيام سببا في تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له الغفور الشكور، وأصلي وأسلم على سيدنا ونبينا محمد إمام الصائمين، وقائد الغر المحجلين، الذي كان يُبَشر أصحابه بقدوم رمضان، ويحثهم على الاستعداد لع