الإيمان طريق الأمان

التاريخ: الأربعاء 2 يناير 2019 الساعة 06:43:35 مساءً

كلمات دلالية :

الايمان
الإيمان طريق الأمان

الإسلام يقيم مجتمعًا إنسانيًا راقيًا، تحكمه شريعة إلهية، وهو لذلك يقيم العلاقة بين الناس جميعًا على أسس وطيدة من العدل والبر والرحمة, وينهى عن كل ما يُذهبْ الأمن, من الفحشاء, والمنكر, والبغي: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” (النحل: 90)

 

الأمن من أهم مطالب الحياة: ولذلك كان من دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم -:” وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا“( إبراهيم: 35)

 

نعمة الأمن من أعظم النعم: فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا” ( الترمذي/ حَسَنٌ غَرِيبٌ)

 

فالأمن على نفس الإنسان، وعلى سلامة بدنه من العلل، والأمن على الرزق، هو الأمن الشامل الذي أوجز الإحاطة به وتعريفه هذا الحديث الشريف، وجعل تحقق هذا الأمن لدى الإنسان بمثابة ملك الدنيا بأسرها، فكل ما يملكه الإنسان في دنياه، لا يستطيع الانتفاع به، إلا إذا كان آمنًا على نفسه ورزقه.

 

مستلزمات تحقيق الأمن:

 

التحقق بالتوحيد: فمن تحقق بالتوحيد فهو الآمن, قال تعالى: “الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ” (الأنعام: 82) وروى الْإِمَامُ أَحْمَد عَنْ عَلْقَمَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ” الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ” شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: “إِنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ! أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: “يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ”.. إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ“

 

الشريعة الإسلامية هي الطريق للأمن:

 

إن التشريع الإسلامي، يحقق العدل في علاقات الأفراد فيما بينهم، وفي علاقة الحكام بالمحكومين, واستقرار هذه العلاقات، وقيامها على العدل والمصلحة، يوفر الأمن للفرد وللمجتمع، والمقصود بتطبيق أحكام الشريعة، أن تكون هي المرجع في التصرفات والأحكام والمعاملات، وأن تكون الأنظمة التي تضبط المجتمع المسلم في جميع المجالات، متفقة مع أحكام الشرع ومبادئه وأصوله الكلية, قال الله تعالى:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا” (النساء: 59), فالكتاب والسنة هما الأصلان العظيمان، العاصمان من الزيغ والضلال للحاكم والمحكوم على السواء، وهما مفتاح النجاح والفلاح لكل مجتمع مسلم في شئونه ومقاصد الشريعة الإسلامية هي التي تحفظ على الناس دينهم ودماءهم وأموالهم وعقولهم وأعراضهم ونسلهم.

 

بالاستقامة واتباع المنهج الإسلامي يتحقق الأمن:

 

قال تعالى:” فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ“( البقرة: 38), وقال تعالى:” فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى“( طه: 123), وقال تعالى:” إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ“( الأحقاف: 13)

 

أمانان للأمة: قال تعالى:” وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ” (الأنفال: 33), ولذلك علينا الاقتداء بالرسول – صلى الله عليه وسلم- ولزوم الاستغفار.

 

مكارم الأخلاق: من أهم الضمانات اللازمة لاستمرار نعمة الأمن والاستقرار في بلادنا، فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. وبناء الأمة يقوم على أخلاقها، والمجتمع الذي تسوده الأخلاق الإسلامية الفاضلة كالعفو يتحقق فيه الأمن حري قال تعالى:” ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ” (فصلت: 34)

 

التثبت من الأخبار وعدم إثارة الشائعات: بقول الحق تبارك وتعالى: “وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ“(النساء: 83)

 

الشكر: قال تعالى:” وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ“( إبراهيم: 7)

 

حب الوطن: فحب الوطن صمام الأمان بإذن الله ضد كل ما من شأنه تعكير نعمة الأمن والاستقرار في بلادنا. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا عَلَى الحَزْوَرَةِ فَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» الترمذي صحيح.

 

الشبع والأمن معينات على عبادة الله تعالى: فإذا توافر للناس الشبع, والأمن, اطمأنوا واتجهوا بالعبادة لله تعالى: قال تعالى:” لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ . إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ . فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ“(قريش:1: 4 ), وقال تعالى: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ” (البقرة: 126)، وقوله تعالى: “وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات” . . هذه من مستلزمات الأمن لأنه ما دام هناك رزق وثمرات تكون مقومات الحياة موجودة فيبقى الناس في هذا البلد.. ( تفسير الشيخ الشعراوي)

 

من توجيهات النبي- صلى الله عليه وسلم – لتحقيق الأمن:

 

دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كل عمل يبعث الأمن والاطمئنان في نفوس المسلمين، ونهى عن كل فعل يبث الخوف والرعب في جماعة المسلمين، حتى ولو كان أقل الخوف وأهونه، باعتبار الأمن نعمة من أجلِّ النعم على الإنسان. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» مسلم.

 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا» البخاري.

 

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ، فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» سنن أبي داود.

 

كما نهى عن أن يشهر السلاح عليه، حتى ولو كان ذلك مزاحًا، فعن أَبُي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» مسلم

 

كيف كان الأمن للناس جميعًا في دولة الإسلام منذ ظهرت إلى الوجود في المدينة المنورة؟

 

آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار “وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ” (الحشر: 9)

 

ولم يقتصر الأمن على المسلمين، بل إن غير المسلمين، كان لهم نصيبهم من الأمن على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وقد تم ذلك بالصحيفة التي كانت أول وثيقة تنظم أمور المجتمع المسلم، وعلاقات أفراده من المسلمين بغيرهم من أهل الكتاب.

 

ومن أهم مبادئ تلك الصحيفة أو الوثيقة، أن ذمة الله واحدة، يجير على المسلمين أدناهم، والمسلمون بعضهم موالي بعض من دون الناس.

 

وثم نص واضح وصريح في الوثيقة يتعلق بالأمن، وهو بين بنودها العامة: “من خرج آمن، ومن قعد بالمدينة آمن، إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله”.

 

وعند فتح مكة على أيدي من آذتهم قريش ومشركوها أشد الأذى، قال سعد بن عبادة رضي الله عنه، حامل راية الأنصار في جيش المسلمين: ” اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة “. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة» البخاري. وأخذ الراية منه ودفعها إلى ابنه قيس، وقيل: دفعها إلى الزبير بن العوام. وحين تم النصر والفتح، عفا الرسول صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة، عندما اجتمعوا إليه قرب الكعبة ينتظرون حكمه فيهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم, فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: « اذهبوا فأنتم الطلقاء» ابن هشام.

 

أنواع الأمن:

 

النوع الأول: الأمن الاجتماعي:

 

 يحتاج المجتمع المسلم إلى الأمن الاجتماعي، وهو تعبير حديث، لكنه يعبر عن معنى إسلامي، وهو أن يكون المجتمع المسلم، كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا, ونجد هذا المعنى واضحًا أشد الوضوح فعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَى المُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى» البخاري, وقد أمر الله المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى، ونهاهم عن التعاون على الإثم والعدوان, يقول الله تعالى:” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة: 2), قال تعالى:” إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ” (الحجرات: 10) , وهذه الأخوة التي جعلها الله بين المؤمنين، قرينة الولاية المتبادلة بينهم: “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ“(التوبة : 71) .

 

وقد تضمن تشريع الإسلام، ما يكفل قيام هذه الأخوة والولاية المتبادلة, ومن ذلك:

 

أولًا: تشريع الزكاة التي تؤخذ من أغنياء المسلمين وترد على فقرائهم، وهو تشريع يحقق الأمن الاجتماعي: فقال تعالى:” إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ“( التوبة: 60)

 

ثانيًا: أوجب الإسلام نفقة القريب الفقير على القريب الغني: قال تعالى: يقول الله تعالى: “وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ” (النساء: 36)

 

ثالثًا: أقام الإسلام فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي فريضة جماعية، أي تؤديها طائفة لحساب المجتمع كله. يقول الله تعالى: “وَلْتَكُن مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (آل عمران: 104) ، فإقامة هذه الفريضة في المجتمع، تضمن أمنه وسلامة الناس وتضامنهم في دفع الفساد وتحصيل.

 

رابعًا: إصلاح ذات البين:

 

قال تعالى: ” وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ“( الحجرات:9 , 10 )

 

النوع الثاني: الأمن الاقتصادي:

 

ومن إرشادات المنهج الإسلامي لتحقيق الأمن الاقتصادي ما يأتي:

 

أولا: عدم أكل أموال الناس بالباطل: قال تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُمْ“(النساء: 29)

 

ثانيًا: الاعتدال في الإنفاق: قال تعالى:” وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا” (الإسراء: 26 – 27)

 

ثالثا: عدالة التوزيع: فالعدالة الاجتماعية, والمساواة, والتقريب بين الطبقات يحقق الأمن في المجتمع, حيث تزول الأحقاد والضغائن والعداوات.

 

النوع الثالث: الأمن الثقافي والفكري:

 

بمعنى أن يعيش الناس في بلادهم آمنين على أصالتهم، وعلى ثقافتهم المستمدة من دينهم وتراثهم وأعرافهم، ويتحقق ذلك الأمن بنشر الفكر الوسطي المعتدل في المجتمع, قال تعالى:” وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا” ( البقرة: 143 ), فالأمن والاستقرار في أي مجتمع مقرون أشد الاقتران بأخذ هذا المجتمع بمبدأ الوسطية والاعتدال وابتعاده عن الغلو في الدين أو التفريط فيه فما من مجتمع فشا فيه الغلو أو التفريط في أمور الدين، إلا وتعكر الأمن فيه وتزعزعت دعائمه وأصبح الناس فيه غير آمنين على دينهم وأنفسهم وأموالهم.. فلنأخذ بمبدأ الوسطية والاعتدال في شئون حياتنا لننعم بنعمة الأمن والاستقرار والتقدم والرخاء, وكذلك من المهم لتحقيق هذا الأمن العمل على تحصين الشباب من الغزو الفكري المخالف للكتاب والسنة, وتحصينهم من موجات الإلحاد والانحلال والإباحية.

 

من أسباب فقدان الأمن:

 

التعامل بالربا:

 

قال تعالى:” يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ . فَإِن لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ” ( البقرة: 278, 279)

 

اجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام: قال تعالى:” يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنْتَهُونَ“( المائدة: 90: 91)

 

كفران النعمة:

 

حيث يقول الله تعالى:” وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ” (النحل: 112)

 

الظلم:

 

فظلم الناس والتعدي عليهم بأي صورة من صور التعدي يشيع في المجتمع روح الثأر والانتقام, ولذلك ينهى الله عباده عن قول السوء, إلا من وقع عليه ظلم، فيباح له أن يشكو ظالمه، ويذكر ما فيه من سوء، والله – سبحانه – سميع لكلام المظلوم، عليم بظلم الظالم، ويجازيه على عمله, قال تعالى:” لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ” ( النساء: 148) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: “لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ” يَقُولُ: لَا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا، فَإِنَّهُ قَدْ أُرْخِصَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: “إِلا مَنْ ظُلِمَ” وَإِنْ صَبَرَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ.( تفسير ابن كثير)

 

دعاء:

 

عن عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (أحمد صحيح).

خلوة الأتقياء..

بينما يشتد التعب والإرهاق بالمرء , ويحتار في حل مشكلاته التي تحيط به , وييأس من معونة الناس من حوله , وينعقد لسانه عن الحديث بما يختلج في صدره , عندها يلجأ إلى من لا يغلق بابه ولا تفنى خزائنه ولا تنتهي مؤنته سبحانه وتعالى يلجأ إلى عالم كل شكوى وسامع كل نجوى , فيبث إليه شكواه ويت

وفي ذكر الله تعالى حياة

الذكر حياة القلوب وبهاء الأرواح وتركه سبب الموت وإن كان يسير صاحبه مع الأحياء قال ﷺ) مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ (متفق عليه والأساس الأول الذي تُبنى عليه نهضات الأمم والشعوب وتقام الحضارات هو تربية النفوس، وتقوية الأخلاق،

الارتقاء بالصيام

كان المسلمون كثيري التعلق بشهر رمضان، يهتمون به شهورا قبل إبانه، وأقلهم كان يهتم به شهرين، طيلة رجب وشعبان، فيكثرون من ذكره، ومن الصيام استعدادا له، ويطيلون النفَس في الدعاء والضراعة إلى الله بتبليغهم إياه، وكلهم شوق لاستقبال نسماته، والتفيئ في ظلاله، والتبرك بنفحاته. والملاحظ