الدعاة والثبات على الحق

التاريخ: الأحد 30 ديسمبر 2018 الساعة 07:06:01 مساءً

كلمات دلالية :

الثبات
الدعاة والثبات على الحق

إن الثبات على دين الله خلق عظيم، ومعنى جميل، له في نفس الإنسان الثابت وفيمن حوله من الناس مؤثرات مهمة تفعل فعلها، وتؤثر أثرها، وفيه جوانب من الأهمية الفائقة في تربية الفرد والمجتمع.

 

إن صفة الثبات على الإسلام والاستمرار على منهج الحق نعمة عظيمة، حبا الله بها أولياءه وصفوة خلقه، وامتن عليهم بها، فقال مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم: {وَلَولَا أَن ثَبَّتنَاكَ لَقَد كِدتَّ تَركَنُ إلَيْهِم شَيئًا قَلِيلًا} [الإسراء:74].

 

يخبر تعالى عن تأييده رسوله صلوات الله عليه وسلامه، وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه؛ بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره، ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه في مشارق الأرض ومغاربها، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين(1).

 

وهذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائمًا.

 

محاولة إغرائهم لينحرفوا، ولو قليلًا، عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة، ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته؛ لأنه يرى الأمر هينًا، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق.

 

وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها؛ ولو بالتنازل عن جانب منها، ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة؛ لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء!

 

والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها، فالذي ينزل عن جزء منها مهما صغر، والذي يسكت عن طرف منها مهما ضؤل، لا يمكن أن يكون مؤمنًا بدعوته حق الإيمان، فكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر، وليس فيها فاضل ومفضول، وليس فيها ضروري ونافلة، وليس فيها ما يمكن الاستغناء عنه، وهي كلّ متكامل يفقد خصائصه كلها حين يفقد أحد أجزائه؛ كالمركب يفقد خواصه كلها إذا فقد أحد عناصره! وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها! والتسليم في جانب، ولو ضئيل، من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الدعوة، والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم، ومتى دبت الهزيمة في أعماق السريرة، فلن تنقلب الهزيمة نصرًا(2).

 

وأمر الله سبحانه الملائكة الكرام بتثبيت أهل الإيمان، فقال سبحانه: {إذ يُوحِي رَبٌّكَ إلَى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرٌّعبَ فَاضرِبُوا فَوقَ الأَعنَاقِ وَاضرِبُوا مِنهُم كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال:12].

 

إن الثبات على دين الله دليل على سلامة المنهج، وداعية إلى الثقة به، كما أن الثبات على الدين ضريبة النصر والتمكين، والطريق الموصلة إلى المجد والرفعة.

 

والثبات طريق لتحقيق الأهداف العظيمة، والغايات النبيلة، فالإنسان الراغب في تعبيد الناس لرب العالمين، والعامل على رفعة دينه وإعلاء رايته لا غنى له عن الثبات.

 

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفه حيث شاء)، ثم قال: (اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك)»(3).

 

قال البيضاوي: «في نسبة تقلب القلوب إلى الله إشعار بأنه يتولى قلوب عباده، ولا يكلها إلى أحد من خلقه، وفي دعائه صلى الله عليه وسلم: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك) إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء، ورفع توهم من يتوهم أنهم يستثنون من ذلك، وخص نفسه بالذكر إعلامًا بأن نفسه الزكية إذا كانت مفتقرة إلى أن تلجأ إلى الله سبحانه فافتقار غيرها ممن هو دونه أحق بذلك»(4).

 

وهذا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك)، فقلت: (يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، هل تخاف علينا؟)، قال: (نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله، يقلّبها كيف يشاء)»(5).

 

وما سمي الإنسان إلا لِنَسْيِهِ      ولا القلب إلا أنه يتقلب

 

قال الطيبي: «إضافة القلب إلى نفسه تعريضًا بأصحابه؛ لأنه مأمون العاقبة فلا يخاف على نفسه لاستقامتها، لقوله تعالى: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)} [يس:3-5]»(6).

 

قال الغزالي: «إنما كان ذلك أكثر دعائه لاطلاعه على عظيم صنع الله في عجائب القلب وتقلبه، فإنه هدف يصاب على الدوام من كل جانب، فإذا أصابه شيء وتأثر أصابه من جانب آخر ما يضاده؛ فيغير وصفه، وعجيب صنع الله في تقلبه لا يهتدي إليه إلا المراقبون بقلوبهم، والمراعون لأحوالهم مع الله تعالى».

 

وقال ابن عربي: «تقليب الله القلوب هو ما خلق فيها من الهم بالحسن والهم بالسوء، فلما كان الإنسان يحس بترادف الخواطر المتعارضة عليه في قلبه، الذي هو عبارة عن تقليب الحق، وهذا لا يقتدر الإنسان على دفعه؛ كان ذلك أكثر دعائه يشير إلى سرعة التقليب من الإيمان إلى الكفر وما تحتهما {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس:8]، وهذا قاله للتشريع والتعليم.

 

ومصداق هذا كله مشاهد ملموس في واقع الناس، فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم أصبحت وزهرها يابس هشيم، فبينا ترى الرجل من أهل الخير والصلاح، ومن أرباب التقى والفلاح، قلبه بطاعة ربه مشرق سليم؛ إذا به انقلب على وجهه فترك الطاعة وتقاعس عن الهدى، وبينا ترى الرجل من أهل الخنا والفساد، أو الكفر والإلحاد؛ قلبه بمعصية الله مظلم سقيم، إذا به أقبل على الطاعة والإحسان، وسلك سبيل التقى والإيمان».

 

وقد قال بعضهم: «ليحذر اللبيب من سرعة انقلاب قلبه؛ إذ ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم، وما يعقلها إلا كل ذي فهم مستقيم»(7).

 

قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال:24]، ويا لها من صورة رهيبة مخيفة للقدرة القاهرة اللطيفة، {يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} فيفصل بينه وبين قلبه ويستحوذ على هذا القلب ويحتجزه، ويصرفه كيف شاء، ويقلبه كما يريد، وصاحبه لا يملك منه شيئًا وهو قلبه الذي بين جنبيه!

 

إنها صورة رهيبة حقًا، يتمثلها القلب في النص القرآني، ولكن التعبير البشري يعجز عن تصوير إيقاعها في هذا القلب، ووصف هذا الإيقاع في العصب والحس! إنها صورة تستوجب اليقظة الدائمة، والحذر الدائم، والاحتياط الدائم، اليقظة لخلجات القلب وخفقاته ولفتاته، والحذر من كل هاجسة فيه وكل ميل مخافة أن يكون انزلاقًا، والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف والهواجس، والتعلق الدائم بالله سبحانه مخافة أن يقلب هذا القلب في سهوة من سهواته، أو غفلة من غفلاته، أو دفعة من دفعاته، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو رسول الله المعصوم، يكثر من دعاء ربه: «اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك» فكيف بالناس وهم غير مرسلين ولا معصومين؟! إنها صورة تهز القلب حقًا، ويجد لها المؤمن رجفة في كيانه حين يخلو إليها لحظات، ناظرًا إلى قلبه الذي بين جنبيه، وهو في قبضة القاهر الجبار، وهو لا يملك منه شيئًا، وإن كان يحمله بين جنبيه ويسير(8).

 

العوامل المعينة على الثبات على الدين:

 

إن الثبات على الدين مطلب عظيم ورئيس لكل مسلم صادق يحب الله ورسوله، ويريد سلوك طريق الحق والاستقامة بعزيمة ورشد، والأمة الإسلامية اليوم أحوج ما تكون إلى الثبات؛ خاصة وهي تموج بأنواع الفتن والمغريات، وأصناف الشهوات والشبهات، فضلًا عن تداعي الأمم عليها، وطمع الأعداء فيها.

 

ومما لا شك فيه أن حاجة المسلم اليوم لعوامل الثبات أعظم من حاجة أخيه المسلم إلى ذلك في القرون السالفة؛ وذلك لكثرة الفساد وندرة الإخوان، وضعف المعين، وقلة الناصح والناصر.

 

1- صدق الإيمان بالله تعالى:

 

إن الإيمان له قوته الإيجابية التي تعمل على تنمية المشاعر وتنقيتها، وأن القوة الإيمانية تترك بصماتها على الفرد والجماعة، وعلى سائر اتجاهات السلوك الإنساني، ومتى صح الإيمان ورسخت حلاوته في قلب المؤمن رزقه الله الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وكلما كان قويًا في إيمانه، صلبًا في دينه، صادقًا مع ربه، كلما ازداد ثباته، وقويت عزيمته، قال تعالى: {مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَّن قَضَى نَحبَهُ وَمِنهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلًا} [الأحزاب:23].

 

وفي الشدائد والمحن اختبار مدى صدق الإيمان، فبها يتميز المؤمن والمنافق، وحينئذ ينكشف حال المنافقين فيحذرهم المسلمون، ويقدرون مدى ما لديهم من القوة الصحيحة التي يمكن الاعتماد عليها؛ بل إن المحنة توضح مدى إيمان المؤمن، فلا يغتر بالظواهر، ويقف على حقيقة حاله من ضعف في الاعتقاد، وفساد في الأخلاق، ومرض في النفس(9).

 

والصدق ليس مقصورًا في معناه على الصدق في الخبر؛ بل إن ذلك أظهره وأقربه، وإن كان يشمل صدق الإيمان بأن يؤمن بالله ورسوله، وأن يقوم بما يوجبه الإيمان، ويصدق في الجهاد، ويصدق أمام الناس في إيمانه، فلا يخالف لسانه قلبه ولا عمله قوله، ومن الصدق صدق النفس، فلا يكذب على نفسه فيحسن عمله وهو قبيح، ولا يخدع نفسه، ومن الصدق الإخلاص في كل ما يظهر على لسانه، فلا يخادع ولا ينافق، وفي الجملة الصدق ملاك الأخلاق الفاضلة، والإيمان الصحيح، والعمل الصالح(10).

 

2- تدبر القرآن والعمل به:

 

إن من حق القرآن علينا أن نتدبر معانيه، وأن نفهم مقاصده؛ ذلك أن القرآن هو كتاب الله الخالد، ومعجزة رسوله الباقية، ونعمته السابغة، وحكمته الدامغة، وهو ينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم لنقرأه تدبرًا، ونتأمله تبصرًا، ونسعد به تذكرًا، ونجتهد في إقامة أوامره ونواهيه، وعلمًا تزداد البصائر فيه تأملًا فيزيدها هداية وثباتًا وتبصرًا، قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلنَاهُ تَرتِيلًا} [الفرقان:32]، وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلنَاهُ إلَيكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلبَابِ} [ص:29].

 

لقد أنزل الله القرآن ليكون بشيرًا ونذيرًا، وهاديًا إلى ما ارتضى له من دينه، وسلطانًا أوضح به وجهة دينه، ودليلًا على وحدانيته، ومرشدًا إلى معرفة عزته وجبروته، ومفصحًا عن صفات جلاله وعلو شأنه وعظيم سلطانه، وحجة لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله به، عَلَمًا على صدقه، وبيِّنة على أنه أمينه على وحيه والصادع بأمره، فما أشرفه من كتاب يتضمن صدق متحمله، بيَّن فيه سبحانه أن حجته كافية هادية، لا يحتاج مع وضوحها إلى بينة تعدوها أو حجة تتلوها، والقرآن الكريم وسيلة التثبيت الأولى للمؤمنين، ولقد أنزل الله القرآن العظيم منجَّمًا مفصلًا، وجعل الغاية منه هي التثبيت لقلب النبي صلى الله عليه وسلم.

 

قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَولا نُزِّلَ عَلَيهِ القُرآنُ جُملَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلنَاهُ تَرتِيلًا} [الفرقان:32].

 

إن القرآن الكريم أعظم مصدر للتثبيت؛ لأنه يزرع الإيمان ويقوي الصلة بالله، كما أنه العاصم من الفتن وكيد الشيطان وغوايته، كما أنه يزود المسلم بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع على ضوئها أن يُقوِّم الأوضاع التي من حوله، تقييمًا صحيحًا، كما أن القرآن، بما اشتمل عليه من أحكام وأصول وقواعد وحكم وقصص، يرد على الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين ومن سار على دربهم.

 

فإن عُلم ذلك كله لزم على من أراد الثبات في الدنيا والآخرة، والفوز بالنعيم المقيم، أن يتخذ القرآن سميره وأنيسه، وأن يجعله رفيقه وجليسه على مر الليالي، وتتابع الأيام، فلا يقتصر على النظر فيه؛ بل يحمل نفسه على العمل به.

 

3- الصبر والتصبر عند نزول المصائب والمحن:

 

إن الصبر من أجل صفات النفس، وأعلاها قدرًا، وأعظمها أثرًا، قال صلى الله عليه وسلم: «الصبر ضياء»، فالصبر من أعظم الأمور والعوامل المعينة على الثبات؛ ذلك أن الصبر هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن الشكوى، والجوارح عن التشويش، فالصبر إذن أعظم مظهر من مظاهر الثبات، ولقد أمرنا الله تعالى به فقال سبحانه: {يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا استَعِينُوا بِالصَّبرِ وَالصَّلاةِ إنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153]، وقال سبحانه: {يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ} [آل عمران:200].

 

قال ابن تيمية رحمه الله: «قد ذكر الله الصبر في كتابه في أكثر من تسعين موضعًا، وقرنه بالصلاة في قوله تعالى: {وَاستَعِينُوا بِالصَّبرِ وَالصَّلاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ} [البقرة:45]، وجعل الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين بقوله: {وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:24]، فإن الدين كله عِلم بالحق وعمل به، والعمل به لا بد فيه من الصبر؛ بل وطلب عِلمِهِ يحتاج إلى الصبر، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (عليكم بالعلم، فإن طلبه لله عبادة، ومعرفته خشية، والبحث عنه جهاد...)، فجعل البحث عن العلم من الجهاد، ولا بد في الجهاد من الصبر، ولهذا قال الله تعالى: {وَالعَصرِ (1) إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسرٍ (2) إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوا بِالصَّبرِ (3)} [العصر:1-3]».

 

4- اليقين والرضا بقضاء الله وقدره:

 

اليقين والرضا بقضاء الله وقدره من أعظم الأسباب المعينة على الثبات؛ ذلك أن اليقين هو جوهر الإيمان، وإن مما لا شك فيه أن اليقين والرضا والتسليم لقضاء الله وقدره من أقوى الدعائم والعوامل المعينة على الثبات.

 

5- التزام شرع الله والعمل الصالح:

 

قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم:27].

 

قال قتادة: «أما في الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح»، {وفي الآخرة} في القبر،  وكذلك روي عن غير واحد من السلف، وقال سبحانه: {وَلَو أَنَّهُم فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيرًا لَّهُم وَأَشَدَّ تَثبِيتًا} [النساء:66]؛ أي على الحق؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يثابر على الأعمال الصالحة، وكان أحب العمل إليه أدومه وإن قل، وكان أصحابه إذا عملوا عملًا أثبتوه، وكانت عائشة  رضي الله عنها إذا عملت العمل لزمته، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «من ثابر على اثنتي عشرة ركعة وجبت له الجنة»(11).

 

وفي الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه»(12).

 

6- الاستعانة بالله وحسن الظن به:

 

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وتحت قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدٌّنيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم:27]، كنز عظيم، من وُفِّق لمظنته، وأحسن استخراجه واقتناءه، وأنفق منه فقد غنم، ومن حُرِمَه فقد حرم؛ وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين، فإن لم يثبته وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانها، وقد قال تعالى لأكرم خلقه: {وَلَولَا أَن ثَبَّتنَاكَ لَقَد كِدتَّ تَركَنُ إلَيهِم شَيئًا قَلِيلًا} [الإسراء:74]، فأثبت الناس قلبًا أثبتهم قولًا.

 

والقول الثابت هو قول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكاذب.

 

فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له، وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها، فهي أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة، فما مُنح عبد منحة أفضل من منحة القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما يكون إليه في قبورهم ويوم معادهم(13).

 

وبهذا يتضح أن الاستعانة بالله وحسن الظن به وإخلاص العبادة له، من أقوى الأسباب المعينة على تثبيت الله لعبده بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

 

7- الصحبة الصالحة، والأُخوة الصادقة:

 

إن الصحبة الصالحة والأُخوة الصادقة من أعظم الأمور المساعدة على الثبات على الدين والاستقامة عليه؛ إذ المؤمن الصادق يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهو مرآة له، كما جاء في الحديث، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمصاحبة الطيبين وتخير الصالحين فقال: «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي»(14).

 

وتأمل ما قاله ابن القيم رحمه الله عن دور شيخه، شيخ الإسلام، في التثبيت: «وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله عنا، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل، وآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها»(15).

 

وهنا تبرز الأخوة الإسلامية كمصدر أساسي للتثبيت، فإخوانك الصالحون والقدوات والمربون هم العون لك في الطريق، والركن الشديد الذي تأوي إليه فيثبتوك بما معهم من آيات الله والحكمة، الزمهم وعش في أكنافهم، وإياك والوحدة فتتخطفك الشياطين، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

 

عن أبي جعفر الأنباري قال: «لما حُمِل أحمد إلى المأمون أخبرت، فعبرت الفرات، فإذا هو جالس في الخان فسلمت عليه، فقال: (يا أبا جعفر، تعنيت)، فقلت: (يا هذا، أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فوالله، لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن لم تُجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، لا بد من الموت، فاتق الله ولا تجب)، فجعل أحمد يبكي ويقول: (ما شاء الله)، ثم قال: (يا أبا جعفر، أعِد)، فأعدتُ عليه وهو يقول: (ما شاء الله)»(16).

 

8- تدبر قصص الأنبياء ودراستها للتأسي والعمل: والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود:120]، فما نزلت تلك الآيات على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم للتلهي والتفكه، وإنما لغرض عظيم هو تثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفئدة المؤمنين معه، فلو تأملت، يا أخي، قول الله عز وجل: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)} [الأنبياء:68-70] قال ابن عباس: «كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل»(17).

 

ألا تشعر بمعنى من معاني الثبات أمام الطغيان والعذاب يدخل نفسك وأنت تتأمل هذه القصة؟

 

- لو تدبرت قول الله عز وجل في قصة موسى: {فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)} [الشعراء:61-62]، ألا تحس بمعنى آخر من معاني الثبات عند ملاحقة الطالبين، والثبات في لحظات الشدة وسط صرخات اليائسين وأنت تتدبر هذه القصة؟ لو استعرضت قصة سحرة فرعون، ذلك المثل العجيب للثلة التي ثبتت على الحق بعدما تبين.

 

ألا ترى أن معنى عظيمًا من معاني الثبات يستقر في النفس أمام تهديدات الظالم وهو يقول: {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [طه:71]، ثبات القلة المؤمنة الذي لا يشوبه أدنى تراجع وهم يقولون: {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه:72].

 

وهكذا قصة المؤمن في سورة يس ومؤمن آل فرعون وأصحاب الأخدود وغيرها، يكاد الثبات يكون أعظم دروسها قاطبة.

 

9- ذكر الله: وهو من أعظم أسباب التثبيت، تأمل في هذا الاقتران بين الأمرين في قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال:45]، فجعله من أعظم ما يعين على الثبات في الجهاد، وتأمل أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها، بالرغم من قلة عدد وعدة الذاكرين الله كثيرًا.

 

وبماذا استعان يوسف عليه السلام في الثبات أمام فتنة المرأة ذات المنصب والجمال لما دعته إلى نفسها؟ ألم يدخل في حصن (معاذ الله)؛ فتكسرت أمواج جنود الشهوات على أسوار حصنه؟ وكذا تكون فاعلية الأذكار في تثبيت المؤمنين.

 

10- الحرص على الطريق الصحيح: والطريق الوحيد الصحيح، الذي يجب على كل مسلم سلوكه، هو طريق أهل السنة والجماعة، طريق الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، أهل العقيدة الصافية والمنهج السليم واتباع السنة والدليل، والتميز عن أعداء الله ومفاصلة أهل الباطل.

 

وإذا أردت أن تعرف قيمة هذا في الثبات فتأمل وسائلْ نفسَك: لماذا ضل كثير من السابقين واللاحقين وتحيروا ولم تثبت أقدامهم على الصراط المستقيم ولا ماتوا عليه؟ أو وصلوا إليه بعدما انقضى جل عمرهم وأضاعوا أوقاتًا ثمينة من حياتهم؟ فترى أحدهم يتنقل في منازل البدع والضلال، من الفلسفة إلى علم الكلام والاعتزال إلى التحريف والتأويل إلى التفويض والإرجاء، ومن طريقة في التصوف إلى أخرى...

 

وهكذا أهل البدع يتحيرون ويضطربون، وانظر كيف حُرم أهل الكلام الثبات عند الممات فقال السلف: أكثر الناس شكًا عند الموت أهل الكلام، لكن فكر وتدبر: هل رجع من أهل السنة والجماعة عن طريقه سَخْطَةً بعد إذ عرفه وفقهه وسلكه؟ قد يتركه لأهواء وشهوات أو لشبهات عرضت لعقله الضعيف، لكن لا يتركه لأنه قد رأى أصح منه أو تبين له بطلانه.

 

ومصداق هذا مساءلة هرقل لأبي سفيان عن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال هرقل لأبي سفيان: «فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟»، قال أبو سفيان: «لا»، ثم قال هرقل: «وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب»(18).

 

سمعنا كثيرًا عن كبار تنقلوا في منازل البدع وآخرين هداهم الله فتركوا الباطل، وانتقلوا إلى مذهب أهل السنة والجماعة ساخطين على مذاهبهم الأولى، ولكن هل سمعنا العكس؟! فإن أردت الثبات فعليك بسبيل المؤمنين.

 

11- التأمل في نعيم الجنة وعذاب النار وتذكر الموت: والجنة بلاد الأفراح، وسلوة الأحزان، ومحط رحال المؤمنين، والنفس مفطورة على عدم التضحية والعمل والثبات إلا بمقابل يهوّن عليها الصعاب، ويذلل لها ما في الطريق من عقبات ومشاق.

 

فالذي يعلم الأجر تهون عليه مشقة العمل، وهو يسير ويعلم بأنه إذا لم يثبت فستفوته جنة عرضها السموات والأرض، ثم إن النفس تحتاج إلى ما يرفعها من الطين الأرضي ويجذبها إلى العالم العلوي.

 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستخدم ذكر الجنة في تثبيت أصحابه، ففي الحديث الحسن الصحيح مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بياسر وعمار وأم عمار وهم يؤذون في الله تعالى فقال لهم: «صبرًا آل ياسر، صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة»(19).

 

وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول للأنصار:«إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»(20).

 

وكذلك من تأمل حال الفريقين في القبر، والحشر، والحساب، والميزان، والصراط، وسائر منازل الآخرة.

 

كما أن تذكر الموت يحمي المسلم من التردي، ويوقفه عند حدود الله فلا يتعداها؛ لأنه إذا علم أن الموت أدنى من شراك نعله، وأن ساعته قد تكون بعد لحظات، فكيف تسول له نفسه أن يزل، أو يتمادى في الانحراف، ولأجل هذا قال صلى الله عليه وسلم: «أكثروا من ذكر هادم اللذات»(21).

 

مواطن الثبات:

 

وهي كثيرة تحتاج إلى تفصيل، نكتفي بسرد بعضها على وجه الإجمال في هذا المقام:

 

أولًا: الثبات في الفتن: التقلبات التي تصيب القلوب سببها الفتن، فإذا تعرض القلب لفتن السراء والضراء فلا يثبت إلا أصحاب البصيرة، الذين عمّر الإيمان قلوبهم.

 

ومن أنواع الفتن:

 

- فتنة المال: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76)} [التوبة:75-76].

 

- فتنة الجاه: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28].

 

وعن خطورة الفتنتين السابقتين قال صلى الله عليه وسلم: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»(22)، والمعنى: أن حرص المرء على المال والشرف أشد فسادًا للدين من الذئبين الجائعين إذا أرسلا في غنم.

 

- فتنة الزوجة: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن:14].

 

- فتنة الأولاد: «إن الولد مبخلة مجبنة محزنة»(23).

 

- فتنة الاضطهاد والطغيان والظلم: ويمثلها أروع تمثيل قول الله عز وجل: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)} [البروج:4-9].

 

وروى البخاري عن خباب رضي الله عنه قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقال عليه السلام: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه)»(24).

 

- فتنة الدجال: وهي أعظم فتن المحيا: «يا أيها الناس، إنها لم تكن فتنة على وجه الأرض منذ ذرأ الله آدم أعظم من فتنة الدجال...، يا عباد الله، فاثبتوا فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه قبلي نبي...»(25).

 

وعن مراحل ثبات القلوب وزيغها أمام الفتن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربدًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه»(26).

 

ثانيًا: الثبات في الجهاد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ} [الأنفال:45].

 

ومن الكبائر في ديننا الفرار من الزحف، وكان عليه الصلاة والسلام وهو يحمل التراب على ظهره في الخندق يردد مع المؤمنين: «وثبت الأقدام إن لاقينا»(27).

 

ثالثًا: الثبات على المنهج: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب:23]، مبادئهم أغلى من أرواحهم، إصرار لا يعرف التنازل.

 

رابعًا: الثبات عند الممات: أما أهل الكفر والفجور فإنهم يحرمون الثبات في أشد الأوقات كربة؛ فلا يستطيعون التلفظ بالشهادة عند الموت، وهذا من علامات سوء الخاتمة؛ كما قيل لرجل عند موته: قل: لا إله إلا الله، فجعل يحرك رأسه يمينًا وشمالًا يرفض قولها، وآخر يقول عند موته: هذه قطعة جيدة، هذه مشتراها رخيص، وثالث يذكر أسماء قطع الشطرنج، ورابع يدندن بألحان أو كلمات أغنية، أو ذكر معشوق.

 

ذلك لأن مثل هذه الأمور أشغلتهم عن ذكر الله في الدنيا.

 

وقد يُرى من هؤلاء سواد وجه أو نتن رائحة، أو صرف عن القبلة عند خروج أرواحهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

أما أهل الصلاح والسنة فإن الله يوفقهم للثبات عند الممات، فينطقون بالشهادتين.

 

قال أبو جعفر محمد بن علي ورّاق أبي زرعة: «حضرنا أبا زرعة بما شهران [قرية من قرى الري] وهو في السَّوْق [أي عند احتضاره] وعنده أبو حاتم وابن واره والمنذر بن شاذان وغيرهم، فذكروا حديث التلقين «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»، واستحيوا من أبي زرعة أن يلقنوه، فقالوا: تعالوا نذكر الحديث، فقال ابن واره: حدثنا أبو عاصم حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح، وجعل يقول: ابن أبي ولم يجاوزه، فقال أبو حاتم: حدثنا بُندار حدثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح، ولم يجاوز، والباقون سكتوا، فقال أبو زرعة (وهو في السَّوْق، وفتح عينيه): عن معاذ بن جبل قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)»، وخرجت روحه رحمه الله(28).

 

ومثل هؤلاء قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت:30].

____________________

(1) تفسير ابن كثير (5/ 91).(2) في ظلال القرآن (4/ 2245).(3) أخرجه مسلم (2654)(4) فتح الباري، لابن حجر (13/ 377).(5) أخرجه الترمذي (2140).(6) فيض القدير (5/ 167).(7) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (1/ 298).(8) في ظلال القرآن (3/ 1495).(9) التفسير المنير، للزحيلي (4/ 182).(10) زهرة التفاسير (7/ 3477).(11) أخرجه الترمذي (379).(12) أخرجه البخاري (6502).(13) إعلام الموقعين (1/ 76).(14) أخرجه أبو داود (4192).(15) الوابل الصيب، ص97.(16) السير، للذهبي (11/ 238).(17) فتح الباري (8/ 22).(18) فتح الباري (1/ 32).(19) أخرجه الحاكم (5646).(20) أخرجه البخاري (3793)، ومسلم (1061).(21) أخرجه ابن ماجه (4258).(22) أخرجه الترمذي (2376).(23) أخرجه الحاكم (4771).(24) أخرجه البخاري (6943).(25) أخرجه ابن ماجه (4076).(26) أخرجه مسلم (144).(27) أخرجه البخاري (2837).(28) سير أعلام النبلاء (13/ 76-85).

 

وأحسنوا إن الله يحب المحسنين

قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:125]. وقال الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن

الرضا عند المصيبة.. عبادة المقربين

عندما نواجه الصعاب والآلام , وتصدمنا المصائب والشدائد , وتتقاذفنا الأزمات والملمات , عندها لنعلم أننا في اختبار وامتحان إيماني حساس . فالحياة كلها آلام وهموم , لكن تلك الهموم والآلام تجتمع في لحظة من اللحظات , أو يأتيها من جديدها ما يفوقها قوة وألما , فيكاد أحدنا أن يفقد توازنه

الحياة في سبيل الله

لا يستغرب أحدٌ أن يسمع كلمة: «الموت في سبيل الله»، أن يموت الإنسان صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، وهي الشهادة التي لا تحدث إلا باصطفاء من الله لعباده: {ويتخذ منكم شهداء}[آل عمران:140[ ولكن ليس بنفس القدر يسمع الناس كلمة: «الحياة في سبيل الله». من الخطأ أن يقع التعاند بين المفه