الرجاء الأعظم .. رؤية الله الاكرم

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 29 ديسمبر 2018 الساعة 06:25:37 مساءً
الرجاء الأعظم .. رؤية الله الاكرم

{وُجُـوهٌ يَوْمَئِـذٍ نَاضِـرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِـرَةٌ} [القيامة: 22، 23]   والآن، اخي الكريم، وبعد رحلتك مع معرفة الله، جل وعلا، ومقتضيات توحيده ومحبته، وتعظيم كتابه وشعائره، وما يلزمك من اخلاص عبادته على خشية من سخطه وعذابه، ورجاء في نيل رحمته وغفرانه ونعيم جنته.. بعد كل ذلك، هل تساءلت يوما عن اعظم نعمة تُرجى، واسمى سعادة تبتغى؟ !. قد تقول: وهل بعد الرحمة والغفران والرضا والرضوان ونعيم الجنان ما هو أجلّ وأوفى؟!. اقول: نعـم ! وهو المطمح الأكبر عند العارفين بالله،ذوي الطموح الاكبر، المتفانين في محبته وعبادته..

  إنها رؤية الله، تبارك وتعالى، يوم القيامة، إذ يتجلى لأهل الجنة، فتراه الأبصار عيانا، كما يُرى القمر ليلة البدر؛ وذلك أعظم نعيم، وأجلّه قدراً، وأعلاه شرفاً، وأقره عيناً؛ وهو الغاية التي شمر لها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وسارع إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون؛ نعيم إذا ناله أهل الجنة نسوا كل ما هم فيه من نعيم مقيـم !.

    فيا اخي في الله، لا تغرنك هذه الحياة الدنيا، فإن كل ما فيها آيل للفناء والزوال، واستعد لدار خلد لا يفنى نعيمها، ولا يهرم شبابها، ولا فيها نصب ولا لغوب، ولا منغّصات للنفوس المنعمة في مقام أمين، وفي أمان من تغيرات الزمان وتقلبات الحياة. ولقد وصف الله الجنة لعباده المؤمنين؛ ليزدادوا لها شوقاً ومسابقة وعملاً، فذكر لهم بالوصف المفصل ما فيها من الأنهار والأشجار، وما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من النعيم الأبدي، وما فيها من الدرجات العالية والمنازل الرفيعة: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الدخان:51 ـ 57]. وفي الحديث القدسي: (أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمِعت، ولا خَطرَ على قلبِ بَشَرٍ، واقرؤوا إن شئتم {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:17]، [ البخاري ومسلم ).

  ذلك نعيم عظيم، ولا ريب، لكن أعظم النعيم وأسمى السعادة، فوق كل ذلك، هو يوم المزيد، يومَ يتجلى المولى تبارك وتعالى، فضلا منه وكرما، فيكشف حجب ربوبيته ليراه اهل الجنة راي العين، على الهيئة التي تطيقها بشريتهم، وذلك معنى "المزيد" ! كما في قوله تعالى: { .. ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيـــدٌ) [ق:34-35]، وقوله سبحانه:{ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس:26]. وقد فسر النبي الأمين " الزيادة" بأنها رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، فيصيبهم من النور والضياء، ويجدون من اللذة عند رؤيته ما يصغر معه نعيم الجنة على عظمته، وقد ازدادوا نوراً وضياء، وذلك معنى قوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23].

   إن الله الذي خلق الخلق لعبادته، جعل سعادتهم في الاقبال عليه؛ فبذكره تطمئن قلوبهم، وتسكن نفوسهم، وبرؤيته في الآخرة تقـرّ أعينُهم، ويتم نعيمهم؛ فلا يعطيهم في الآخرة شيئا خيراً لهم ولا أحب إليهم، ولا أقر لعيونهم، من النظر إلى وجهه الكريم، وسماع كلامه منه بلا واسطة، كما لم يعطهم في الدنيا شيئا خيراً لهم ولا أحب إليهم، ولا أقر لعيونهم من الإيمان به، ومحبته والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه، والتنعم بذكره. كذلك جمع النبي الأمين في دعائه بين أطيب شيء في الدنيا، وهو الشوق إلى لقاء الله -سبحانه-، وأطيب شيء في الآخرة، وهو النظر إلى وجهه الكريم، فقال: ( اللهم بعلمك الغيبَ، وقدرتك على الخلق، أحيِني ما علمتَ الحياةَ خيراً لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيراً بي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضى والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضِرَّة، ولا فتنة مضلة، اللهم زيّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين) (سنن النسائي).

  ومهما سرح خيالك في تصور مبلغ السعادة بنعيم رؤية وجه الله الكريم، فسيرتد اليك كليلا، لان الحديث هنا عن الجمال في كماله الرباني المطلق الذي لا يحيط به الوصف ! . انظر ماذا كان لجمال يوسف عليه السلام  من تأثير على النسوة اللاتي قطعن ايديهن دون ان يشعرن، لفرط انبهارهن بطلعته، وقلن: { جاشَ للهِ ما هذا بشَراً إنْ هذا الاّ ملَكٌ كريمٌ }؛ فمهما كان جماله، فهو على صورة بشرية !.. فكيف تكون سعادة  الناظرين الى وجه الله تعالى في كمال الجمال والجلال؟ !. انها السعادة التي لا يمكن ان يحيط بها الوصف والبيان. واذا كان النظر الى وجه الله الكريم أوفى نعيم لأهل الجنة، فان حرمان أهل النار منه سيكون أشد عليهم من عذاب الجحيم.

  أما في الدنيا فان الرؤية العينية لله سبحانه ممتنعة، وغير متاحة حتى للانبياء والرسل، كما هو صريح في قوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} (الشورى 51). ولقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه لم يـرَ الله َ ليلة المعراج رؤية بصرية، وهو الذي{ لا تُدرِكهُ الأبصارُ..} فقال: (نور أنّى أراه). وان موسى عليه السلام، الذي حظيَ بنعيم الحديث المباشر بينه وبين ربه، لم يزدد بذلك إلا شوقا إلى رؤيته؛ فلما أراد أن يجمع إلى متعة السمع، متعةَ النظر، وتحين المناسبة وتلطف لذلك متوسِّلاً إليه بحبه الجم، وعبوديته الحقة: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف:143). لقد سأل ربه النظر إليه، فما زجره، ولا نهره، لعلمه بما يحمله قلبه من الصدق والشوق، وانما أكّد له، وحيا وبرهانا، ان ذلك غير ممكن في الدنيا: { قالَ لنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخرّ موسى صَعِقا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } [الأعراف143].

   أما في الآخرة، فإن رؤية الله تعالى ممكنة وليست مستحيلة، يوم يُبعث الناس في خلق جديد، وبمؤهلات خِلقية تناسب حياة الخلود.

الخطبــة الثانيــة:

  سئل رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: هَل نرى رَبَّنَايومَ القيامةِ؟ قال: (هَلْ تُمَارُونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ" قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ، قَالُوا: لاَ، قَالَ: "فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ) [البخاري ومسلم].

  ألا ترى نفسك، اخي الكريم، بعد هذه الحقائق من القرآن والسنة، قد تأجج شوقك إلى هذا الفوز العظيم، والظفر الكبير، لرؤية وجه الله الجليل و هو أبهى وأكرم {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن 27]، تلك الغاية القصوى في نعيم الآخرة، والدرجة العليا من عطايا الله الفاخرة. فأعظِم به نعيما تثوق اليه النفوس المؤمنة والقلوب المفعمة بحب الله؛ والمحب يحنّ الى محبوبه شوقا، ليسعد بلقائه ورؤيته. و (مَن أحبَّ لقاءَ اللهِ أحبّ اللهُ لقاءَه).

   فمن أحب منا أن يُكرمه الله بهذا النعيم الأعظم، فما عليه الا أن يتقي الله تعالى، ويحذر كل الحذر من أن يكون من المحرومين المحجوبين عن رؤية ربهم والنظر إليه، فذلك هو الخسران المبين والشقاء المقيم؛ وليحرص على ارضاء الله جل وعلا بالطاعات والقربات وفعل الخيرات، وخاصة منها المواظبة على صلاتي الفجر والعصر في جماعة، كما رغّب النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك بقوله:( إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُم كما تَرَونَ هَذا القَمَرَ لا تُضَامُونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإِن استَطَعتُم أَنْ لا تُغلَبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا) ثُمَّ قَرَأَ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39]، (البخاري ومسلم)، والمعنى: لا تُغلبوا فتفوّتوا هاتين الصلاتين في جماعة فيفوتكم هذا الفوز الكبير، فتحرمون من النظر إلى وجه الله الكريم.

فهيا يا اخي، للانضمام الى قافلة المحبين لرب العالمين، حبا أجلّ وأغلى، الذين يشتاقون للقائه ويحيون على هذا الشوق العمرَ كله؛ وقد ذابت له مهجهم، وأريقت نفوسهم، وسهروا له الليالي قياما، وبذلوا الغالي والنفيس لنيل رضاه ورضوانه.. كل ذلك من اجل ان يظفروا بلقائه، وينعموا بوصاله، ويسعدوا بالنظر إلى وجهه الكريم.. فاقبل على الله بقلب مفعم بالثقة والرجاء، وسترى عجبا؛ فإذا كان عفوه يمحو الذنوب، فكيف ودّه ؟! وإذا كان وده يضيءُ القلوب، فكيف حبه ؟! وإذا كان حبه يدهش العقول، فكيف قربه ؟!  وإذا كان قربه يُطمْئنُ القلوب، فكيف النظر إلى وجهه الكريم ؟! . فاقبل عليه خاشعا مستبشرا، وقل: اللهم إنَّا نسألك عفوك ، وودك، وحبك، وقربك، ولذة النظر إلى وجهك الكريم .

 

  اللهمَّ إنَّا نسألك لذَّةَ النظرِ إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك في غير ضرَّاء مضرة ولا فتنة مضلَّة.

 

حاجتنا الى الاسلام في زمن الضياع

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام ديناً وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له،هدانا للإسلام وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الذي ارسله الله بالاسلام بشيرا ونذيرا فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين. اهمية الاس

نفسٌ مطمئنةٌ بنور ربِّها

عناصر المادة 1- نورٌ وكتابٌ مبينٌ 2- الشهوات والحكمة من خلقها؟ 3- أسباب انتشار الشهوات المحرّمة 4- علاج الشهوات مقدمة: يصارع الإنسان خلال مراحل حياته المختلفة بعض الشّهوات الإنسانيّة، ولا شكّ أنّ كبح جماح هذه الشّهوات يشكّل تحدياً للإنسان الّذي يطمح إلى المثاليّة والكمال في حي

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص