هل المساواة في الميراث تحقق العدالة؟

التاريخ: الخميس 6 ديسمبر 2018 الساعة 06:01:42 مساءً

كلمات دلالية :

الميراث
هل المساواة في الميراث تحقق العدالة؟

تطل علينا كل فترة الرغبة في تعديل أحكام الميراث، وأنصبته بين الذكر والأنثى في محاولة للتساوق مع الغزوة الاستعمارية، وجعله دستورا وقانونا في بلاد المسلمين التي تنص دساتيرها على أن لغتها هي العربية ودينها الإسلام ومصدر تشريع قوانينها هو الشريعة الإسلامية، ورائدهم في ذلك أن عصرنا قد تطور، وتغيرت فيه أحوال المرأة، فهي الآن تنزل للعمل، وتعمل في مجالات الحياة والمجتمع المختلفة، وأصبحت رأسها برأس الرجل، على عكس ما كانت عليه أيام تشريع الميراث، ومن ثم فإن تشريع الميراث نزل وكانت المرأة في حال معينة، والآن أصبحت في حال مختلفة، ومن ثم وجب تغيير التشريع طبقا لتغير الأحوال!

 

وللحديث عن هذه القضية ينبغي تقرير ببعض الحقائق:

 

أولا: أن أحكام الميراث هي كلمة الله وحكمه وقضاؤه “والله يحكم لا معقب لحكمه”، “ومن أحسن من الله قيلا”، “ومن أحسن من الله حكمًا”، “قل أأنتم أعلم أم الله”؟! “والله يعلم وأنتم لا تعلمون”، “ألا يعلم من خلق”؟! “الله لطيف بعباده”. “وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم”، “إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا”، “فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما”.

 

ثانيا: أن أحكام الميراث استفتحها الله وذيلها بكلام واضح وحاسم، مثل استفتاحه لآية الميراث بقوله: “يوصيكم الله”، وفي آخر الآية: “فريضة من الله”، وفي الآية بعدها: “وصية من الله”، وفي آخر آيات المواريث: “تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ”.

 

ثالثا: أن آيات المواريث آيات محكمة غير منسوخة، قطعية الثبوت والدلالة غير قابلة للشك في سندها ولا الاحتمال في تأويلها، وردت بنصوص مفسرة يعني من تفسير الشارع نفسه، ومن النصوص المفسرة تلك التي وردت مقاديرها بنص الشارع، وما كان سبيله كذلك فهو غير قابل للاجتهاد ولا للنسخ ولا للتأويل ولا للتبديل أو الغيير.

 

رابعا: أن وظيفة العباد ليست تغيير الأحكام ولا تبديل الشريعة ولا العبث في الأنصبة والمقادير التي حددها الشرع، وإنما وظيفتهم في تلقيها بالقبول، والتسليم بها، وفهمها، والنظر في سبل تطبيقها وتنزيلها.. هذه وظيفة العقل المسلم أمام النص الإلهي المقدس المحكم المفسر المقدر، و”العقل – كما قال الإمام الشاطبي – لا يسرح في النظر والاجتهاد إلا بقدر ما يسرحه النقل”، و”أحكام الشريعة – كما قال الإمام محمد عبده – نفهما بالعقل، ونحكم العقل بالشرع”، فقف أيها العقل عند منتهاك!

 

خامسا: أن المساواة لا تعني العدالة، فقد يتحقق الظلم بالمساواة، فالأب الذي لديه عدد من الأبناء في مراحل تعليم مختلفة، هذا في الابتدائي، وهذا في الجامعي، وهذا مقيم في بلد الإقامة، وهذا مسافر في بلد آخر للتعلم.. هل يعقل أن يساوي بينهم في الإنفاق فيعطي لكل واحد مبلغًا متساويا؟ هل بهذا يكون قد ساوى بينهم وحقق العدل؟! لا شك أن العدل هنا هو تحقيق الكفاية لكل فرد حسب ظروفه وحاجاته.. وكذلك الزوج الذي تزوج بأكثر من واحدة، كل واحدة مختلفة المستوى الاجتماعي والاقتصادي عن الأخرى، فهل المساواة في النفقة بينهن تعني العدل أم أن لكل واحدة ظروفها وحاجاتها ومستواها التي تعيش فيه؟!

 

سادسا: أن المساواة المطلقة بين الذكر والأنثى في الميراث ظلم للمرأة والرجل معا، فلكل حالة ظروفها وحقوقها؛ فضلا عن أنه تجاوز لمهمة العبد المكلف، وتعدٍّ على الشارع ومنازعة له في واحدة من خصوصياته وهي التشريع والحكم.

 

سابعا: أن أستاذنا الفقيه الأسير د. صلاح الدين سلطان هو صاحب براءة واختراع في هذه القضية نقلها عنه المسلمون ولا يشيرون إليه، وذلك في كتابه الموجود على الإنترنت: “ميراث المرأة وقضية المساواة”، استقصى فيه عشرات الحالات، وبين بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن المرأة ترث في أكثر من ثلاثين حالة مثل الرجل، وأكثر من الرجل، وترث هي ولا يرث نظيرها من الرجال، فالمرأة تأخذ مثل الرجل، كالأم مع الأب في حال وجود الابن، فللأم السدس، وللأب السدس، والباقي للابن. وكالأخ والأخت لأم، فإنهما يرثان بالتساوي.. وتأخذ أكثر منه كالزوج مع ابنتيه، فله الربع، ولهما الثلثان، أي لكل واحدة منهما الثلث. وكالزوج مع ابنته الوحيدة، فله الربع، ولها النصف، ويرد الربع الباقي لها أيضا.. وتأخذ هي ولا يرث نظيرها من الرجال كما لو ماتت امرأة وتركت زوجاً وأباً وأماً وبنتاً وبنت ابن، فإن بنت الابن ترث السدس، فى حين لو أن المرأة تركت ابن ابن بدلاً من بنت الابن لكان نصيبه صفرا؛ لأنه كان سيأخذ الباقي تعصيباً، ولا باقي.

 

ثامنًا: في الحالات التي ترث فيها الأنثى نصف الذكر وهي أربع حالات فقط كان من العدالة الإلهية أن ترث النصف؛ لأن المرأة وإن خرجت للعمل بالضوابط الشرعية وأصبحت مورد دخل مالي، فليس واجبا عليها الإنفاق، وهي مكفولة كفالة تكريم في كل مراحل حياتها: بنتا، وأختا، وزوجة، وأما، وجدة، ولها ذمتها الخاصة، ويقدم لها المهر، ويجهز لها بيت الزوجية، والرجل يقدم المهر، وينفق عليها وعلى الأسرة وجوبا شرعيا، ويتحمل الديات ونحو ذلك.

 

تاسعًا: فلسفة الميراث تقوم على معايير، منها: موقع الجيل الوارث في الحياة، فإذا كان صغيرا أخذ أكثر، وإن كان يودع الحياة كان أقل، وكذلك مدى قرابته من المورث، فكلما كان أقرب كان نصيبه أكثر، وإذا ابتعدت درجة القرابة كان النصيب أقل.

 

عاشرًا : وتلك عشرة كاملة -: هل الحديث عن المواريث في بلاد المسلمين هو الأولوية الآن أم أن هناك أولويات أخرى يجب الاهتمام بها والحديث عنها؟ أين الحديث عن الحريات المسلوبة، أين الحديث عن العدالة المفقودة، أين الحديث عن البطالة المرصودة، أين الحديث عن الاستبداد السياسي والتحلل الاجتماعي والفساد الاقتصادي والفقر والجهل والمرض؟ بل أين الحديث عن حقوق الأقليات المضطهدة والمعذبة والمشردة، مثل: مسلمي الصين في تركستان الشرقية، وميانمار، والمسلمين المضطهدين في العالم الذين يبادون ويضطهدون ويحاربون في عقيدتهم وشريعتهم؟! توبوا إلى ربكم، واعدلوا يرحكمكم الله، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان.

بالإيمان بالغيب نحمى شبابنا

إن أول صفة وردت في القرآن الكريم للمؤمنين والمسلمين هي الإيمان الغيب، قال تعالى: (ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ) [البقرة، 1 -3]. وفي زماننا المادي هذا تتضح هذه المكانة المركزية للإيمان بالغيب وضرورتها، وذلك أن البحث عن الغيب والتفكر فيه فطرة إنساني

المصلحة العامة بين حق الله وحق العبد

نستذكر في بداية هذا الموضوع أن الشريعة الإسلامية إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد الدنيوية والأخروية، وهذه المصلحة تمثل المحورية الكبرى لجميع تشريعات الإسلام، لذلك أطلق الشاطبي أن ” وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا“. والمصلحة تعني كل منفعة تؤدي إلى إقامة الح

التدخين من الخبائث

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه، أما بعد فقد ظهر هذا النبات المعروف الذي يطلق عليه اسم "الدخان" أو "التبغ" أو "التمباك" أو "التتن"، في آخر القرن العاشر الهجري، وبدأ استعماله يشيع بين الناس؛ مما أوجب على علماء ذلك العصر أن يتكلموا في بيان حكمه الشرع