سر اليقين في حياتنا

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 1 ديسمبر 2018 الساعة 06:09:45 مساءً

كلمات دلالية :

اليقين
سر اليقين في حياتنا

الحمد لله الغالب على أمره، الحكيم في قدَره، الصادق في وعده وخبره، أحكم كل شيء خلْقاً، وأحصى كل شيء عدداً، وأحاط بكل شيء علماً وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسخ الخلق يقيناً وأقومهم ديناً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

اهمية اليقين:

أيها المسلمون: صفةٌ عزيزٌ نوالُها، ومطمعٌ تتوقُ إليه كلُّ نفسِ عاقلٍ لبيبٍ، هي طريقٌ قلَّ سالِكوه، وإنها الحادِي في المهامِه، والمُؤنِس في وحشَة الأثَرة، وهي القوةُ في زوبَعةِ الضَّعفِ، والرِّيِّ في ذروة العطَش. هي قبسٌ في ظُلمةٍ، وكثرةٌ في قلَّةٍ.

من اتَّصَفَ بها بلغَ عنانَ السماءِ وإن كان مُضطجِعًا على فِراشِه، للمُتدثِّر بها من الهيبة والوقار والرِّفعة ما لا يفتقِرُ معه إلى حسَبٍ أو نسَبٍ أو جاهٍ، فلا هي بالمال تُشتَرى، ولا بالقوة تُكتسب.

إنه اليقينُ - اليقينُ الذي يستقرُّ معه العلمُ بالله - جل وعلا -؛ فلا ينقلِبُ ولا يحُول، ولا يتغيَّرُ في قلبِ المُوقِن؛ بل تغشاه طُمأنينةُ القلبِ على حقيقة الشيء، وتحقيق الإيمان بالغيب الغابِر والحاضر والمُستقبل، بإزالةِ كلِّ شكٍّ أو ريبٍ في جنب الله.

القرآن يحدثنا عن اليقين :

أهل اليقين هم المنتفعون بالآيات والبراهين فقال سبحانه وهو أصدق القائلين: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ [الذرايات: 20], أهل اليقين هم أهل الفلاح والفوز فقد خص الله تعالى أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين فقال سبحانه وتعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 4-5]. ولا شك أن لليقين منزلة عظيمة في الإيمان فهو كالروح للجسد وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين قال الله -سبحانه تعالى- وبقوله يهتدي المهتدون: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].وأخبر عن أهل النار: بأنهم لم يكونوا من أهل اليقين فقال -سبحانه وتعالى-: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: 32].

ثمرات اليقين:

-1ان اليقين يؤثر على سلوك الانسان وتصرفاته وقلبه وأعماله : إذا وصل اليقين إلى قلب الانسان امتلأ القلب نورا واشراقاً وانتفى عنه كل الشكوك والريب والشبهات، صاحب اليقين ينتفي عنه الهم والغم ويرتفع عنه التسخط ويمتلئ قلبه خوفا ومحبة لله سبحانه رضا به شكرا له وانابة له، قال ابن القيِّم : اليقين مادة جمعت المقامات كلها.

 -2أن العبد إذا كان عنده يقين فان الله يرزقه الهُدى والفلاح في الدنيا والآخرة:كما قال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . أولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) البقرة اية 4

 -3الانسان صاحب اليقين هو الذي ينتفع بالآيات والبراهين في الكون أي آية من آيات الله قال الله الى (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) الذاريات: 20

 -4اليقين يورث الصبر : اليقين في القلب بذرة تُخرج لنا ثمرة عظيمة وهي الصبر لأن العبد يجد ما يسكن ويتنعم ويطمئن به ، وعلى حسب يقين العبد المشروع يكون صبره, قال الله تعالى (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ)الروم:60

- 5صاحب اليقين مبشر بالجنة: عن ابي هريرة - رضي الله عنه- قال: «كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقام بلال ينادي فلما سكت قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قال مثل هذا يقينا دخل الجنة) أخرجه النسائي وأحمد

- 6اليقين خير ما يعطى الإنسان:عن أوسط البجلي قال: سمعت أبا بكر-رضي الله عنه- يخطب فذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- فبكى ثم قال: يعني النبي-صلى الله عليه وسلم-: «عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر وهما في الجنة، و إياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور وهما في النار، وسلوا الله اليقين، والمعافاة فإن الناس لم يعطوا شيئا أفضل من المعافاة، أو قال: العافية، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا كونوا عباد الله إخوانا) أخرجه البيهقي

- 7اليقين من أسباب النجاة: فاليقين من أسباب نجاة هذه الأمة المباركة فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد، ويهلك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل» ابن أبي الدنيا  وقال الألباني: حسن

أسباب ضعف اليقين :

واليقين إذا ضعف فالمصيبة كبيرة والبليَّة خطيرة  ولضعف اليقين أسباب ؛ على رأسها :

- 1ضعف الإيمان : فهو سبب كل بليَّة ، وخاصة الأمور القلبية ؛ فإذا ضعف الإيمان فالنتائج مدمِّرة في جميع مناحي الحياة ، ومن ذلك : ضعف اليقين في القلوب ؛ إذ إن دافع اليقين الرئيس ووقوده هو قوة الإيمان كما قال الصحابي - رضي الله عنه - الذي امتلأ قلبه يقيناً بوعد الله وبالجنة فقال وهو يرمي تمرات كانت بيده متجها إلى ساحة القتال : « إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات.

فلازِمُ ضعف الإيمان : ضعفُ اليقين في القلوب ، وسيطرة المعاصي والذنوب وبروز الشهوات والأهواء.

- 2الجهل : وخصوصاً الجهل بسنن الله في الكون أو الغفلة عنها ، وبسنة الله في نصرة عباده وتمكينهم ، والجهل بالمنهج الرباني في نصرة الأولياء وخذلان الأعداء ؛ فنصر الله لأوليائه لا يأتي إلا بسنن وشروط وضعها الله في مثل قوله - سبحانه وتعالى - : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } ( محمد : 7 ) ، وقوله : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ( النساء : 59 ) ... الآية ، وقوله - تعالى - : { إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } ( الأعراف : 128 ) .والآية المذكورة آنفاً والتي وعد الله بها عباده المؤمنين بالتمكين في الأرض ، وغيرها كثير .

- 3البعد الظاهر عن القرآن : القرآن يزرع اليقين وينمِّيه كما يفعل اللَّبن في الرضيع ، والمطر في الزرع ؛ فهو حبل الله المتين وصراطه المستقيم ، وهو المَعين الصافي الذي يمدُّ الروح بما تحتاج إليه من قوة ، وينبت زرع اليقين في القلب كما ينبت الماء البقل ، بما فيه من آيات بينات ، ومواقف وعبر من قصص الأنبياء ومواقفهم مع أقوامهم ، إلى ما في منهج القرآن أصلاً من تربية أصيلة ومتينة على قوة الصلة بالله سبحانه وتعالى  لكن البعد عن القرآن جعلنا ننشغلوا بالدنياء حتى الهتنا عن اوامر ربنا وتنافسنا في دنياء يتنعم بها غيرنا حتى الهنا التكاثر وغشيتنا من المصائب الفواقر وصدق الله حينا قال  . أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ  [التكاثر: 1- 8].

كيف نحقق اليقين في حياتنا:

- 1الذكر مع حضور قلب :

قال الله تعالى : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}[ الحجر : 97-99]يبين لنا سبحانه من رؤوف رحيم أن للحروب النفسية تأثيرا على الإنسان, فيضيق صدره، عوض أن ينشرح ويرضى بقضاء ربه، ولم يكتف جل وعلا بالإخبار، بل دلنا على الدواء الناجع وهو :

أ - التسبيح بحمد الله .

ب - الإكثار من نوافل الصلاة.

على أن يستمر العبد في ذكره وصلاته حتى تنجلي الهموم, ويسترجع حالة اليقين الذي ضاعت منه.

- 2حسن الظن بالله وبعهوده وعهود رسوله :

على المنافقين دارت دائرة السوء لما ظنوا بربهم ظن السوء، وما ظنك بمن حسُن ظنه بالله وبعهوده ؟

{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (آل عمران:154) ويتضح الفرق في الآية بين من ارتاح باله واطمأن قلبه واستسلم أمره إلى الله وحسَّن به ظنه لكونه باع نفسه لله، وغشيه النعاس وازداد سكينة وبين من دب الهلع في قلوبهم وقالوا قولتهم :{ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا } فأجيبوا بأن الأجل محسوم زمانا ومكانا : {لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}

- 3الإيمان والعمل الصالح :

هو حفظ من الزيغ والانحراف عن جادة الصواب عند مدلهمات الأمور لوعده سبحانه وتعالى :{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} (ابراهيم:27) ووفق هذا الوعد ثبت الله أم موسى بعد أن كادت تعرب عن موسى بأنه ابنها لما تهافتت المرضعات على موسى:{وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (القصص:10)

 

 

تقلبات الدنيا بأصحابها

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، تذكرة لأولي القلوب والأبصار، وتبصرة لذوي الألباب والاعتبار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه، فزهدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبته وإدامة الأفكار، وملازمة الاتعاظ والادكار، ووفقهم للدأب في طاعته، والتأهب لدار القرار، والحذ

الفضائل الأوفى للنبي المصطفى

يقول الله تعالى :{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } آل عمران 164. مع حلول شهر ربيع

كان خلقه القرآن

الخطبة الأولى أما بعد: فحديثنا اليوم أيها المسلمون عن سيد الأصفياء وإمام الأنبياء، عن السراج المنير، عن البشير النذير صلى الله عليه وسلم؛ لنرى كيف كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وكيف ترجم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم في حياته اليومية إلى أفعال وأقوال وأخلاق، وكيف تجس