الكبر خلق إبليس

التاريخ: الأربعاء 31 اكتوبر 2018 الساعة 05:52:29 مساءً

كلمات دلالية :

الكبر
 الكبر خلق إبليس

الخطبة الأولى:

فاتّقوا الله -عبادَ الله- حقَّ التقوى، فالتقوى في مخالفة الهوى، والشقا في معارضةِ الهدى.

أيّها المسلمون: صلاحُ ابن آدم في الإيمان والعملِ الصالح، والسّعيُ في إصلاح القلب أفضلُ من نوافلِ العبادات، وأعمالُ القلوب في الثواب والعقاب كأعمالِ الجوارح، يثاب على الموالاة والمعاداة في الله، وعلى التوكّل والعَزم على الطاعة، ويُعاقَب على الكِبر والحسَد والعُجب والرّياء، وكلّما ازداد العبد تواضعًا وعبوديّة ازداد إلى الله قربًا ورفعة.

وأصل الأخلاقِ المذمومة كلِّها الكبر والاستعلاء.

به اتَّصف إبليس فحسَد آدم واستكبر وامتنع من الانقياد لأمر ربه: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)[البقرة: 34].

وبه تخلّف الإيمان عن اليهود الذين رأَوا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وعرفوا صحَّة نبوّته.

الكبر سببٌ للفُرقة والنزاع والاختلافِ والبغضاء: (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)[الجاثية: 17].

وبسببِ الكبر تنوّعت شنائِع بني إسرائيل مع أنبيائِهم بين تكذيب وتقتيل: (أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)[البقرة: 87].

الكبر مِن أوصافِ أهلِ النّفاق: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ)[المنافقون: 5].

وعُذِّبت الأمَم السالفة لاتّصافِهم به، قال تعالى عن قومِ نوح: (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا)[نوح: 7].

المستكبِرون هم أعداءُ الأنبياءِ: (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ)[غافر: 27].

المتكبِّر متَّبع لهواه، ينظر إلى نفسه بعينِ الكمال وإلى غيره بعينِ النّقص، مطبوعٌ على قلبِه، محجوب عن الخير والهدى لا يقبَل ما لا يَهوى: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)[غافر: 35].

واللهُ -تعالى- يبغضه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)[لقمان: 18].

المتَّصف بالكبر مصروفٌ عن الاعتبارِ والاتّعاظ بالعبر والآيات: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)[الأعراف: 146].

أيّها المسلمون: الكبرياء من خصائصِ الربوبيّة لا ينازَع فيه, ومن اتّصف به من المخلوقين عذّبه الله, يقول النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي: “قال الله -عزّ وجلّ-: العزُّ إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعُني في واحدٍ منهما عذّبته“(رواه مسلم).

يقول بعض السلف: “ما دخل قلبَ امرئٍ شيءٌ من الكبر قطّ إلا نقَص من عقلِه بقدر ما دخل من ذلك قل أو أكثر“.

ويقول سفيان بن عيينة -رحمه الله-: “مَن كانت معصيّته في الكبرِ فاخشَ عليه فإبليس عصى متكبِّرًا فلُعِن“.

ومِن الكبر ما هو مبايِن للإيمان الواجِب, بل كبرُه يوجِب له جحدَ الحقّ واحتقارَ الخلق, يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا يدخل الجنّة من في قلبه مثقالُ ذرّة من كبر” قالوا: يا رسول الله إنّ الرجلَ يحبّ أن يكونَ ثوبه حسنًا ونعله حسَنة؟ قال: “الكبر بطرُ الحقّ، وغَمط الناس“.

وذم الكبر والمتكبرين في القرآن كثير، وحسب المتكبر أنه عدو الله ولنفسه وللناس، يقصر في الواجب ويدعي ما ليس له، ثقيل في حركاته وسكناته، بغيض في أمره ونهيه، ومجالسته ومشاركته، فالويل كل الويل لمن صاهره أو شاركه أو ربطته به أي صلة، يشمخ بأنفه إذا تكلم، يقارب خطاه إذا مشى، نظره بمؤخر العين لا يرى الناس شيئا، يحب نفسه ولا يحب المؤمنين، ولا يقدر على التواضع الذي هو رأس أخلاق المتقين، ولا يقدر على ترك الحقد والحسد والغضب, ولا على كظم الغيظ, وقبول النصح, ولا يسلم من الازدراء بالناس واغتيابهم, فما من خلق ذميم إلا وهو مضطر إليه.

أيها الإخوة المسلمون: الكبر إحساس بالعظمة في النفس ينعكس في صورة تصرفات عديدة تكبر أناس عن طريق الحسب والنسب، فافتخروا بالآباء والأجداد، وهؤلاء افتخروا بكمال غيرهم إن كان واتصفوا بوصف الجاهلية، ولمّا قال أبو ذر من الغضب لبلال: “يا بن السوداء” فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فغضب من أبي ذر غضبًا شديدًا، وقال له: “أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية؟”.

وتكبر أناس من جهة المال والغنى وعظم الجاه والمكانة الاجتماعية، ولهؤلاء سلف في فرعون وهامان وقارون.

وتكبر أناس من باب العلم والمعرفة، ولو عقلوا لعلموا أن حقيقة العلم تورث التواضع، ونبذ التكبر.

ومن صور الكبر: الإعجاب بالرأي حيث يرد كل رأي مخالف ولو كان حقاً.

ومن الصور التي تدلك على المتكبر: أنه يُكثر الطعن في الناس إما في هيئاتهم أو في فقرهم أو في علمهم أو عقيدتهم، فهو يرى أنه هو الوحيد الكامل.

ومن العجيب الغريب: أنه تكبر أناس على لا شيء, وإنما هو حديث النفس والزهو واحتقار الآخرين ليس إلا، فهو عائل مستكبر.

وأخطر أنواع الكبر: من يتكبر على شريعة الله يسمع الآية والحديث فلا يتراجع عن خطئه، لا أستطيع الحياد عما هو فيه وقد يتحجج بالظروف وتغير الزمان، وقد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً يأكل بشماله، فقال له: “كل بيمينك، فقال: لا أستطيع، فقال له صلى الله عليه وسلم: لا استطعت ما منعه إلا الكبر، فشلت يمين الرجل“.

وفي الآخرة يعامَل المتكبر بنقيض قصده, فمن ترفَّع عن النّاس في الدّنيا يطؤه النّاس بأقدامِهم في الآخرة، يقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: “يحشَر الجبّارون والمتكبِّرون يومَ القيامة في صوَر الذرِّ يطؤهم النّاس بأرجلهم“(رواه الترمذي) قال في نوادر الأصول: “كلّ من كان أشدَّ تكبّرًا كان أقصرَ قامّةً في الآخرة، وعلى هذا السبيل كلّ من كان أشدَّ تواضعًا لله فهو أشرَف قامَةً على الخلق“.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)[القصص: 83].

الخطبة الثانية:

أيّها المسلمون: في التّواضع رفعةُ الدنيا والآخرة، يقول صلى الله عليه وسلم: “ما تواضَع أحدٌ لله إلاّ رفعه”(رواه مسلم).

وهو من أخلاق الأنبياء، وشِيَم النبلاء، نبيّنا -صلى الله عليه وسلم- كان رقيقَ القلب، رحيمًا، خافضَ الجناحِ للمؤمنين، ليّن الجانب لهم، يحمِل الكلَّ، ويكسِب المعدوم، ويعين على نوائبِ الدّهر، وركب الحمارَ وأردفَ عليه، يسلّم على الصبيان، ويبدأ من لقيَه بالسلام، يجيب دعوةَ من دعاه ولو إلى ذراعٍ أو كُراع، ولما سئِلت عائشة -رضي الله عنها-: “ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصنَع في بيته؟ قالت: يكون في مهنة أهله (يعني خدمتهم) فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة“(رواه البخاري).

التواضعُ سبَب العدلِ والأُلفة والمحبّة في المجتمع، يقول صلى الله عليه وسلم: “إنّ الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخَر أحدٌ على أحَد, ولا يبغيَ أحدٌ على أحد“(رواه مسلم).

التواضع عودة بالإنسان إلى حقيقته وإنقاذ له من وهم الكبرياء الزائفة.

فحقيقة الإنسان هي العبودية لله -تعالى- فما للعبد يتكبر ويتعاظم بين يدي سيده ألا يخاف أن يغضب عليه سيده ومولاه؟

 (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)[يونس: 23].

انت عبد لله .. فكيف لا تعبده ؟ !

اخي الكريم، تعالَ الى وقفة ضرورية مع سؤال جوهري، تعتبر الاجابة عنه تفسيرا لحقيقة وجودنا كله، في منطلقه وغايته، و مقتضاه.. ولا تعنينا هنا التساؤلات الفلسفية التي رافقت الانسان عبر التاريخ، وتراكمت فيها تصورات الفلاسفة والمفكرين وغيرهم بمختلف النظريات والمفاهيم! لكنه تساؤل باعتبار

اليهود ونقض العهود

على الرغم من ذكر القرآن للأمم والشعوب البائدةِ وحديثهِ عن الشرائع والرسالات السابقةِ، إلا أنه كان له تركيزٌ أكثر واهتمام أكبر بأمةٍ واحدةٍ من الأممِ، إنه ما من أمةٍ من الأمم تناول القرآنُ تفصيل نشأتها وتاريخ تكوينها وبيان أحوالها وخصائص شخصيتها ودقائق مواقفها ودخائل نفوس أفرادِها

نبذ التفرق ووحدة الصف

الْخُطْبَةُ الْأُولَى إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ