دروس من قصة نبي الله يوسف عليه السلام (1)

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 30 اكتوبر 2018 الساعة 07:03:21 مساءً
دروس من قصة نبي الله يوسف عليه السلام  (1)

بعد ثلاث سنوات عجاف من الحصار في شعب أبي طالب في هذا السجن الكبير الذي جمع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه ومعهم مشركو بني هاشم في معاناة وشدة ونقص من الطعام والشراب ولا يكلمونهم ولا يزوجونهم ولا يتزوجون منهم , قاسى فيها المحاصرون أشد انواع المعاناة .

 

ويصف لنا الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص ما مروا به قائلا : «كُنَّا قَوْمًا يُصِيبُنَا ظَلَفُ الْعَيْشِ بِمَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَشِدَّتُهُ، فَلَمَّا أَصَابَنَا الْبَلَاءُ اعْتَرَفْنَا لِذَلِكَ وَمَرَنَّا عَلَيْهِ وَصَبَرْنَا لَهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ خَرَجْتُ مِنَ اللَّيْلِ أَبُولُ، وَإِذَا أَنَا أَسْمَعُ بِقَعْقَعَةِ شَيْءٍ تَحْتَ بَوْلِي، فَإِذَا قِطْعَةُ جِلْدِ بَعِيرٍ، فَأَخَذْتُهَا فَغَسَلْتُهَا ثُمَّ أَحْرَقْتُهَا فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، ثُمَّ اسْتَفَفْتُهَا وَشَرِبْتُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، فَقَوِيتُ عَلَيْهَا ثَلَاثًا»( الذهبي: سير أعلام النبلاء 1/148) , وذلك بعد أن أكلوا العشب وورق الشجر وكل يقع تحت ايديهم  .

 

وبعدها يخرج المسلمون ليموت ابو طالب على شركه فيحزن النبي لفقد النصير الذي كان يكف أذى قريش عنه وتموت خديجة الزوجة الحبيبة التي كانت تحتوى كل آلامه وأحزانه , ويشتد أذى قريش للنبي صلى الله عليه وسلم فلا ترعى فيه إلا ولا ذمة  حتى قال «مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ» , ويدخل بيته والتراب الذي نثره المشركون عليه يملأ رأس سيد ولد آدم فتقوم إحدى بناته بغسل رأسه وهي تبكي فيقول لها بثقة المؤمن بنصر ربه وبحنو الوالد الذي يطمئن ابنته الباكية القلقة عليه , فيقول لها " لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّةُ، فَإِنَّ اللهَ مَانِعٌ أَبَاكِ " .

 

ولهذا أغلقت أبواب الدعوة الإسلامية في مكة فلم يدخل في الإسلام في هذا العام العاشر الصعب رجل واحد , فاشتد حزن النبي صلى الله عليه وسلم , ومن كثرة أحزانه وتنوعها سمي هذا العام بعام الحزن .

 

حزن النبي وحق له أن يحزن , وليس في حزنه ضير ولا منقصة , يحزن لأنه حريص على دعوة الناس والأخذ بجزهم عن النار , يحزن لخروج نفوس من الدنيا دون أن يكتب لها النجاة من النار , يحزن لموت عمه وهو نصيره ومؤيده ومانع الناس عنه ولم يسلم لرب العالمين , ويحزن لفقد الحبيبة التي عاش معها نصف عمره فنزلت آيات القرآن تسلية وتصبيرا ومواساة .

 

نزلت الاية الكريمة التي ذكر الله فيها أنه يعلم مدى حزن النبي صلى الله عليه وسلم , فقال سبحانه " قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام:33-34]

 

فنزلت الاية تواسيه بانهم لا يكذبون الرسول بل يكذبون الرسالة ويجحدون بايات الله تلطيفا لما فيه نفسه وأخبرته الاية التي تليها بأن لك أسوة في التعب والنصب والايذاء , إخوة لك في الزمن الأول , حدث معهم مثلما حدث معك كذبوا وأوذوا وتحملوا كافة أنواع الألم من الأقربين ومن الأباعد فصبروا فكن على مثل صبر اخوتك السابقين .

 

وهنا تنزل سورة يوسف , في لحظات الألم والمعاناة , تنزل كاملة وما نزلت سورة في سير الانبياء كاملة إلا هي , سورة ليس فيها الا ذكر حياة نبي بمفرده , حياته منذ أن كان طفلا إلى أن هرم وطلب لقاء الله , سيرة نبي كريم بل أكرم الناس فهو نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي , فعن أبي هريرة قال قيل يا رسول الله من أكرم الناس قال أتقاهم قالوا ليس عن هذا نسألك قال فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألوني خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " (البخاري، (3/1224)، ومسلم، (4/1846)

 

تنزل السورة التي تتحدث عن نبي لم يخرج من ابتلاء الا ليدخل في ابتلاء اشد , عن نبي كان أول ابتلائه ليس من عشيرته الأقربين بل من اخوته صلبا , عن نبي كريم الأصل نهبت حريته فاتخذوه عبدا , عن نبي أدخل السجن في جرم مؤلم ومهين لم يرتكبه وكان منه براء , عن نبي مكنه الله بعد كل هذه الفتن فصار ملكا يأمر فيطاع .

 

فكانت هذه السورة بردا وسلاما على قلب نبينا صلى الله عليه وسلم , ولم ينسها , ولم ينسها أيضا مشركو مكة اذ جاءوه يوم الفتح فقالوا له مقالة إخوة يوسف " تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ " , فلم يكن منه صلى الله عليه وسلم سوى أن يقول مقالة يوسف الكريم " قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ " .

 

وهذه السورة التي فيها بعض أهل العلم "ما قرأها محزون  إلا سُرِّي عنه " فهي نزلت على قلب النبي وهو في حزن فسري عنه

 

وبإذن الله نستكمل دروسها

المعجزة الخالدة في القرآن.. مظاهر الوحدانية لله تعالى

المعجزة الخالدة في القرآن.. مظاهر الوحدانية لله تعالى ومشكلة الإلحاد اليوم حمَلتْ آيات الإعجاز في القرآن الكريم معانٍ كثيرة دالة على حقيقة الوحدانية لله عز وجل وسمو رسالة الإسلام ودورها في سعادة وخير الإنسانية جمعاء. ولكن واقع الحال الذي تعيشه الأمة جعل الانحرافات والقال والقيل

خطاب المصالحة في القرآن الكريم

لقد اهتم القرآن الكريم بالمصالحة في العديد من آياته واعتبرها الحل الأمثل والنافع للناس والناجع لحل كثير من النزاعات والخلافات، فحث عليها واعتبر التمسك بها من فضائل الأعمال، قال - تعالى -: ( إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ) النساء: 114،

القرآن الكريم ومخاطبة النفس البشرية

إن المتتبع لطرائق القرآن في مخاطبة النفس البشرية، وكذلك طرائق الجدال مع المعاندين سيلاحظ أن تركيز الخطاب هو على استشارة الفطرة وتذكيرها بخالقها لأنها مهيأة لذلك ومهيأة لأن تهتدي إلى أصول الاسلام، وكذلك يتوجه الخطاب إلى العقول التي لا يليق بها أن تكون بعيدة عن البديهيات، ولا تكون