كيف نفهم القضاء والقـدر ..؟

خاص عيون نت

التاريخ: الأربعاء 24 اكتوبر 2018 الساعة 07:43:49 مساءً

كلمات دلالية :

القدر
كيف نفهم القضاء والقـدر ..؟

    أخي الكريم، تعال الى رحاب موضوع جليل القدر، قوي النفوذ في الوجود، عميق الأثر في حياتك، هو من صميم عقيدة الاسلام العظيمة، ومن اركان ايمانك. موضوع متى استوعبته في معانيه وعميق حكمته، اغنيت به رصيدك من العلم في معرفة الله تعالى،  وقوي يقينك في حكمة تدبيره لأمور خلقك وحياتك ومصيرك، وذلك مدعاة الرضا في جنب الله والإطمئنان الى افعال ربوبيته فيك وفي سائر الخلق، دون قلق ولا جزع ولا ارتياب..

    انه موضوع القضاء والقدر، الذي شغل الناس قديما وحديثا، وخاض فيه العلماء والفلاسفة والمفكرون، بمختلف المفاهيم والتصورات والمذاهب والنظريات. ونحن لا تعنينا فيه الاجتهادات الفكرية النظرية المتضاربة، ولكن يعنينا في اطار مرجعية ديننا، من خلال حقائق القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وفي ذلك علم اليقين الحاسم في متاهة تضارب الافكار والتصورات البشرية القاصرة !. وهو الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمن أركان اليقينيات الايمانية الستة الواجبة، حين سئل عن الايمان فقال: (الإيمانُ أن تُؤمن بالله وملائكته وكُتُبه ورُسله واليوم الآخر وتُؤمن بالقدر خيره وشرّه ) (مسلم).

ولأن كثيرا من المسلمين لا يتوقفون عند هذا الموضوع بالتأني في فهمه وادراك مقاصد حكمته على منهج السنة، فقد شوشت عليهم الافكار الفلسفية، واوهام الخوض فيه بغير علم شرعي، فاشتد عليهم الغموض والإشكال والتناقض وكثرة السؤال ! 

   ولعل أكثر الأسئلة التي تدور في الأذهان، ما يتعلق بتصادم الخير والشر: فاذا كان كل شيء بعلم الله وإرادته، ولا شيء يقع دون مشيئته؛ فلماذا خلق الخير والشر متناقضين متصادمين ؟ ولماذا خلق الشرور كآفات والكوارث والامراض والفقر والمجاعات والحروب وكل الوان الفتن واشكال المعاناة في حياة البشر... !؟ أليس الله هو الرحمن الرحيم !؟ فكيف يعـجّ عالم الناس بكل هذه المآسي والله بها عليم، وقادر على منعها ؟ ! .

   ومن بواعث الالتباس في ذلك ان القضاء والقدر لفظان يجتمعان ويفترقان؛ فإذا اجتمعا في سياق واحد وجملة واحدة، يكون بينهما فرق، وأما إذا افترقا وتباعدا، فإنه يمكن أن يعبر بالقضاء عن القدر، وبالقدر عن القضاء. ومن أوضح ما قيل، أنه إذا اجتمعا، كان المقصود بالقدر علم الله الأزلي المكتوب لما كان وما يكون، يعني ما سبق به العلم  وجرى به القلم هو القدر؛ لأن معنى القدر هو التقدير، أما القضاء في هذه الحالة فيكون معناه وقوع القدر وحدوثه وفق ما سبق في علم الله ومشيئته؛ لأن معنى القضاء أيضاً الخلق والايجاد، كما قال سبحانه وتعالى:  { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}(فصلت: 12)، فإذا جاء القضاء والقدر في عبارة واحدة، فالقدر علم الله السابق ومشيئته، والقضاء إيجاده لما شاء وقدّر سابقًا.

وأما إذا ذكر القدر وحده فيمكن أن يكون معناه القضاء، وإذا ذكر القضاء وحده فيمكن أن يكون معناه القدر، فلو قلت مثلا: قدر الله وقوع كذا، فقدّر هنا بمعنى قضى، وإذا قلت: قضى الله كذا فيمكن أن يكون بمعنى قـدّر.

وان للإيمان بالقضاء والقدر أربعةَ اركان يلزمك علمها وفهمها والاعتقاد اليقيني بها جميعا وهي: العلم، والمشيئة، والكتابة، والخلق:

1ـ الإيمان بأن علم الله أزلي سابق، وأنه أحاط بكل شيء علمًا، ما كان، وما سيكون، وكيف سيكون؛ {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} (الأنعام 80). فالله تعالى علم بكل شيء، عن خلقه جملة وتفصيلاً: انواعهم، وأرزاقهم وآجالهم، وأعمالهم، وأعمارهم، وحركاتهم، وسكناتهم، ويعلم شقيهم وسعيدهم، ومن منهم من أهل الجنة، ومن من أهل النار قبل أن يخلقهم، وقبل أن يخلق السماوات والأرض، كما قال سبحانه:  {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ الَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }(سبأ: 3)، وقال سبحانه : { لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا }الطلاق: 12.)

3ـ الإيمان بارادة الله ومشيئته،  ايمانا جازما بأن الله سبحانه وتعالى لا يجري في السماوات والأرض والكون شيء إلا بمشيئته وإرادته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حركة ولا سكون في السماوات والأرض دون مشيئته، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، ولا يخرج عن إرادته شيء، قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ربّ العالمينَ }(الإنسان: 30). وقال: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(يس: 82). وله وراء كل شيء حكمة،  ولو كانت في ظاهرها شرًا، وقد خلق إبليس وهو اصل الشر كله، ولله من ورائه حكمة عظيمة، فلا يقع في العالم شيء إلا ولله فيه حكمة بالغـة.

2ـ الإيمان بأن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، كتابة أزلية: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ }(الحج: 70). فكل ما سبق به علمه من مقادير المخلوقات مما كان وما يكون، محفوظ ومسطور {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } (يس: 12). وقال عليه الصلاة والسلام: ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) (مسلم). وبهذا المعنى يفهم حديث الوصية النبوية  لابن عباس:(  يا غلام إني معلمك كلمات احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك . رفعت الأقلام وجفت الصحف)  (احمد والترمذي).

 

4 ـ الايمان بأن الله جل وعلا خالق كل شيء، لا خالق غيره، ولا رب سواه، وأن كل ما سواه مخلوق، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ما يجري في العالم من خير وشر. قد شاء كل ذلك وقدره وأوجده بحكمة ولغاية. {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا  }(الفرقان: 2). { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } (الزمر: 62).

  ونحن يا أخي، حين نستوعب هذه الحقائق، ونفوض فيها الامر لله، موقنين بانه سبحانه العالم المدبر الحكيم، سنفهم أن ما نراه شرًا، انما هو كذلك في نظرنا القاصر وعلمنا البشري الظاهري؛ لكنه في علم الله المدبر الحكيم، قد يكون خيرا عظيما: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وفي الاية ما يملأ القلب طمأنينة وراحةً، ويدفع القلق والتشاؤم. ذلك ان ما تكرهه النفس في الظاهر قد يحمل خيرا كثيرا، وأن ما تُقبل عليه بقوة، ربما كان فيه شر خفي مستطير، وكلاهما يعود على الإنسان لا على الخالق. فالإنسان قد يواجه الكثير من الأحداث المؤلمة، والمصائب الموجعة، وربما بلغ به الجزع، أو الحزن، أن يظن ذلك المقدور ضربة قاضية، وفاجعة مدمرة لحياته وآماله؛ فإذا به يجده منحة في ثوب محنة، وعطية في رداء بلية، وفوائد تاتيه من حيث لا يحتسب !. والعكس صحيح: فكم يسعى من اجل شيءٍ ظاهره خيـرٌ، ويستميت في سبيل الحصول عليه او الوصول إليه، فإذا به يأتي على خلاف ما يريد!، و هذا هو معنى القاعدة القرآنية السابقة باختصار.

   فالله عز وجل خلق الخير والشر بمفهوم الإنسان ومعاييرة البشرية؛ واما هو سبحانه فخير كله، في ذاته وصفاته وأفعاله؛ ولذلك قيل: انما يمنع الله ليعطي، ويقبض ليبسط، ويضر لينفع، وكلها مفاهيم يبسطها المولى عز وجل حتى يستوعبها عقل الإنسان المحدود؛ ولا يظلم الله أحدا أبدا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون. وهو الذي خلق الخلق وأتاهم القدرة على التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح، وهي مفردات تسري على البشر لا على رب البشر؛ لأن الخالق واحد في أفعاله كما في صفاته لا تسري عليه الأضداد، انما الإنسان هو الذي ينظر إلى الأشياء التي خلقها الله تبارك وتعالى باحتمال الاضداد وتصورها؛ فالله خلق الحياة والموت، وكلاهما في علمه وحكمته خير، ولكن الإنسان هو الذي يرى الحياة خيرا، والموتَ شرا؛ لكنه عندما يمعن النظر فيما بعد الموت، ويوقن انه بالموت ينتقل من دنيا البلاء الى حياة البقاء، حينها تتغير نظرته ليدرك ان كلا من الحياة والموت خير.

ولو قلّبت قصص القرآن، وصفحات التاريخ، أو نظرت في الواقع لوجدت من ذلك شواهدَ كثيرة وعبرا باهرة، فيها تسلية لكل محزون، وعزاء لكل مهموم:

 

1  ـ تأمّل قصة أم موسى وهي تلقي ولدها الرضيع (موسى) في البحر !... ففي الزمن الذي بلغ فيه طغيان فرعون اوجه من الظلم والقهر لبني اسرائيل{ يقتّل ابناءَهم ويستحيي نساءهم}، يولد موسى ويشتد خوف امه عليه. هنا ياتيها الوحي من الله بما لا يطيقه قلب الامومة{ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ..} كيف وهي في منتهى الخوف عليه، يوحى اليها ان تقذفه في البحر ؟!؛ والأخوف من ذلك انه سيقع في يد العدو الجبار الذي تخاف عليه منه{   فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ }(طه 39). ولا أكره لأم موسى من وقوعه بيد فرعون؛  ومع ذلك، فلا مفر من التسليم للقدر على ثقة بوعد الله انه سيعود اليها قريبا، وسيجعله من المرسلين، بعد رحلة حياة طويلة مليئة بالاحداث:{ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}(القصص 7)، وكم بين " رادوه " و "جاعلوه" من أعوام تخترقها ارادة قدر حكيم لا يستعجل، ليتحقق ماهو مقدر مسطور !.

2 ـ وتأمل قصة يوسف عليه الصلاة والسلام تجد مشاهد عجيبة لتدبير القدر في رحلة حياته المتقلبة بين أكدار المصائب والمحن، ومواهب المنح والمنن، في مسافة زمنية تنطلق من رؤيا منام{ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } وتنتهي بتأويل الرؤيا { وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا }.

   فانظر الى ارادة الله تعالى،كيف تسري قدرا نافذا بتدبير حكيم، في افعال العباد من حيث لا يعلمون. فقد أراد إخوة يوسف أن يقتلوه، فاذا هو يحيا ويعيش ! وأرادوا أن يَهون أمره، فارتفع شأنه!، وبيعَ ليكون مملوكا فأصبح ملكا ! وتآمروا لمحو محبته من قلب أبيه، فإزداد له حبا ! وعندما كان في السجن شهد له الفتيان بحسن السيرة{ إنّا نَراكَ مِن المُحسنينَ }، ومع ذلك أخرجوا من السجن قبله ! وظلّ هو في السجن بعدهما بضعَ سنين !. الأول خرج ليُصبح خادماً في القصر؛ والثاني خرج ليصلب !. وانتظر يوسف كثيراً، لكنه يخرج ليصبح " عزيز مصر "{ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ } وليجتمع بأبويه واخوته جميعا، وتنتهي فصول الابتلاءات والمحن !!. فكم تعددت الارادات البشرية بالامنيات والوان المكر والرغبات، ولكن ارادة الله هي التي تحققت، وكان الدرس البليغ على لسان يوسف:{ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:90].. 

   هكذا تجد ان المحور الأساس للقصة يربينا على يقين الثِقة بتدبير الله، في صبر وأناة وتفاؤل، دون استعجال ولا انزعاج بمظاهر الوقائع المتناقضة، فهي غير ذلك في باطن الغيب المكنون ! . فمحبة يعقوب الشديدة ليوسف شيء جميل، لكنها جعلته يُلقى في البئر ويباع بثمن بخس! وإلقاء في البئر، قعل فظيع، وما لبث بعده أن يُكرَم في بيت العزيز! واذا كان هذا الإكرام شيئا جميلا، فان ثمنه ان يُتّهم في عرضه ووفائه زورا من امرآة العزير، ثم يلقى في السجن ظلما!، ولكن السجن الظالم نا لبث ان اصبح سببا لمعرفة الملك به بعد تعبير رؤياه، وليقربه لديه ويصبح عزيز مصر، وليحسن التدبير في انقاذ البلاد من المجاعة !.

<  الخطبــة الثانيـة:

 من خلال ما تقدم، تدرك، اخي الكريم، ان ارادة الله تدبير حكيم، يجسده القضاء والقدر، حُكما وتنفيذا، في حياة الخلق، بما فوق مستوى إدراك عقولهم.. فلا تشغل نفسك بما يخفي القدر وما يبدئ وما يعيد، ودعه لخالقه يسيِّره كما يشاء.. وفق عِلمه وحِكمته.. فإذا رأيت من الأحداث ما يهمك او ينوبك.. ولم تفهم الحكمة منها.. فلا تيأس ولا تضجر ولا تتسخط .. بل ثِق بربك، وفوض الامر كله اليه سبحانه،  فانه هو العليم المدبر الحكيم.

وتدبر معي هذه القصة البليغة في حكمة القدر وكيف يسري على الناس بالخير الذي يحسبونه شرا:

   تعطلت سفينة تجارية في عرض البحر؛ ومن كثرة الحمل والمتاع الذي فيها أصبحت مهددة بالغرق؛ فإقترح ربانها أن يتم رمي بعض البضائع في البحر ليخف الحمل على السفينة و تنجو بمن فيها. ولما تشاوروا في الامر، أجمعوا على رمي كامل بضاعة أحد التجار لأنها كثيرة، فإعترض التاجر على قرارهم، و اقترح أن يرمى قسم من بضاعة كل تاجر بالسوية حتى تتوزع الخسارة على الجميع. لكن باقي التجار، وقد استبد بهم الخوف الشديد على انفسهم ومتاعهم، ثاروا  عليه متآمرين، لأنه كان تاجرا جديدا مستضعفا، ورموه في البحر هو وبضاعته وأكملوا طريق سفرهم  ..

 تتلاعبت الامواج بالتاجر المسكين وهو  يقاوم في يأس، موقنا بالهلاك، حتى أغمي عليه. وعندما أفاق وجد نفسه ملقىً على شاطئ جزيرة مجهولة مهجورة ..وما كاد يفيق ويلتقط أنفاسه حتى خرّ ساجدا يسأل الله العون والامان والنجاة من هذا الوضع الأليم ..ومرت أيام كان خلالها يقتات من ثمار الشجر ويشرب من جدول مياه قريب، وينام في كوخ صغير بناه من أغصان الشجر والاعشاب، ليحتمي فيه من برد الليل وحر النهار. وبينما كان يطهو طعامه يوما، هبت ريح قوية والقت ببعض أعواد الخشب المشتعلة على كوخه،  في غفلة منه، فحاول إطفاء النار دون جدوى، وقد إلتهمت الكوخ كله بما فيه.. !.

   هنا أخذ التاجر يصرخ في احتجاج وتسخط، ويعتب على القدر الذي نال منه في كل شيء: كيف القي في البحر ظلماً وخسر بضاعته ؟ ..والآن حتى الكوخ الذي يؤويه احترق، و لم يتبق له شيء في هذه الدنيا، وهو غريب فريد في هذا المكان الذي لا انيس به ولا امل في النجاة منه ؟!  ..فلماذا كل هذه المكاتب والمصائب ؟ !. و نام ليلته وهو جائع حزين يائس. وفي الصباح كانت هناك مفاجأة بانتظاره .. إذ رآى سفينة تقترب من الجزيرة وتُنزل قارباً صغيراً لإنقاذه.

وعندما صعد التاجر على سطح السفينة وهو لا يكاد يصدق ما وقع من شدة الفرحK سألهم كيف وجدوه وكيف عرفوا مكانه؟ قالوا :لقد رأينا دخاناً بالجزيرة، فعرفنا أن شخصاً بها يطلب النجدة لإنقاذه، فكان ما ترى من انقاذك من الضياع في جزيرة خالية. ولما أخبرهم بقصته وكيف القي من سفينة التجار ظلما، أخبروه بأن سفينة التجار لم تصل لكونها غرقت في البحر، بعد ان أغار عليها القراصنة و قتلوا ركابها وسلبوا كل ما فيها.. !. هنا سجد التاجر حمدا لله على حكمة تدبيره وخفي لطفه ورحمته، وقد أنجاه من القتل، و كان كل ما كابده من متاعب خيرا له من حيث لا يدري  ..

فسبحان مدبر الأمور كلها بعلمه وحكمته ورحمته وهو اللطيف الخبير.

 واليك مزيد بيان وتوضيح لحكمة القدر من خلال قصة موسى عليه السلام  والرجل الصالح(الخضـر) في درس لاحق: ( رحلة اغتبار في صحبة القدَر) ... 

                              

 

 

نفسٌ مطمئنةٌ بنور ربِّها

عناصر المادة 1- نورٌ وكتابٌ مبينٌ 2- الشهوات والحكمة من خلقها؟ 3- أسباب انتشار الشهوات المحرّمة 4- علاج الشهوات مقدمة: يصارع الإنسان خلال مراحل حياته المختلفة بعض الشّهوات الإنسانيّة، ولا شكّ أنّ كبح جماح هذه الشّهوات يشكّل تحدياً للإنسان الّذي يطمح إلى المثاليّة والكمال في حي

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص

التغيير الاجتماعي وصراع القيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصح