أقصر طريق إلى سعادة الحياة الزوجية

التاريخ: الأحد 21 اكتوبر 2018 الساعة 07:04:50 مساءً

كلمات دلالية :

الازواج
أقصر طريق إلى سعادة الحياة الزوجية

في الحياة المعاصرة الملدوغة بسوءات الحضارة الغربية التي لاعَدَّ لها ولا حَدَّ، يشكو الرجالُ من زوجاتهم والزوجات من أزواجهن كثيرًا من المشاكل، التي يرجع مُعْظَمُها إلى عدم التوافق الزوجي الذي يعني أن يشعر كل من الزوجين بحاجته وسعادته وارتياحه واطمئنانه نحو الآخر ويعني تحمّلَ الزوجين كل منهما المسؤولية نحو الآخر، وأن يشعر كل منهما بالثقة نحو الآخر، وأن يتوافق دينيًّا وثقافيًّا وعاطفيًّا، فيُعَبِّر كل منهما عن حبه وإعجابه بالآخر، ويُثْنِي عليه في المناسبات التي تقتضي الثناءَ والإشادةَ والتشجيعَ، ولا يجوز السكوت عنه ظنًّا بأن الحب موجود في القلب فلا حاجة إلى الإفصاح عنه باللسان، وينبغي أن لايكتفي أحدهما نحو الآخر بإبداء الحب باللسان؛ بل يجب أن يُجَسِّده بالوجه، ولغة الجسد، وبالإيماءات، وحركات الجسم، مما يجعل عملية التواصل والترابط حسنة متينة متجذرة. كما يجب أن يتوافقا عقليًّا فيتواصلا بالكلام العادي، لسهولة التفاهم بينهما في شؤون الحياة عامّةً وأمور الأسرة خاصَّةً: أي في هموم العمل، وتربية الأولاد وتعليمهم، وخدمة الوالدين، وإدارة الأسرة والبيت، والتصرف الحكيم في الإنفاق، وترتيب المنزل، والحاجات العامة، والاهتمامات التي لايمكن حصرها، والأفكار والانفعالات التي لا يَعُدُّها عادٌّ.

 

     التفاعلُ الزوجي يتأثر دائمًا بمستوى الكلام ومدى كونه لطيفا طيبًا ناعمًا، خاطبًا للودّ، مثيرًا لعواطف الودّ والتراحم، فكلما يتحدث الزوج مع الزوج بكلام حلو طيب ويجده مهتمًا بحديثه، ملتفتًا إليه بكل كيانه، يتفاعل معه تفاعلًا جميلًا إيجابيًّا. أما إذا وجده لاهيًا عنه، لا مُبَالِيًا به، يتفاعل معه تفاعلًا سلبيًّا قد يُؤَدِّي إلى سوء الظن والانفصال والقطيعة.

 

     ونضوجُ الشخصية لدى الزوجين يساعد كثيرًا على تحقق التوافق الزوجي، فكلما كانا ناضجين شخصيةً، كانا أقدر على عيش الحياة الزوجية بسعادة وتناغم وانسجام وتوافق واستقرار؛ لأن النضج يُكْسِب صاحبَه الاتزان الانفعالي، والصبر الكامل لدى الشدائد، وضبط النفس عند الغضب وعند حدوث ما يؤدي إلى التوتر النفسي، والقدرة على التعامل مع كل الأمور بواقعية وموضوعية.

 

وهذه الصفة الجميلة تنشأ عن تربية الوالدين والبيئة والأسرة، فالزوج المُرَبَّىٰ والزوجة المُرَبَّاة يكونان أقدر على معايشة الحياة الزوجية بنحو يُصَنَّف دائمًا طيبًا وسعيدًا.

 

     وقد كان الوالدان يهتمان في الماضي بتربية البنين والبنات وتوعيتهم بالمبادئ التي إذا أخذوا بها عاشوا حياة زوجية كلها توافقٌ وسعادةٌ وخيرٌ ورضا وارتياحٌ نفسي مُتَنَاهٍ وسكينة قلبية لا حدود لها.

 

     وعَلَّمَ الإسلام الزوجين أدبيات التعامل بينهما حتى يظلا حَظِيَّين بالسعادة الزوجية وبعيدين كل البعد عن الشقاء الزوجي. وأول شيء ركز الإسلام عليه أن يكون الزوجان مطيعين لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- في حياتهما الزوجية؛ لأن ذلك يحلّ جميعَ المشاكل الناتجة، ويحول أولًا دون حدوثها. إنه المفتاح الرئيس الذي يفتح كلَّ باب مُغْلَق.

 

     وعَلَّمَ الإسلام أن يكون الزوج على الصفات التي تُحِبُّها المرأةُ وتريدها في زوجها فيكون حليمًا كريمًا، حَسَنَ الأخلاق، جميلَ الشِّيَم، واسعَ الأفق، ثاقب النظر، حادّ البصر، صبورًا شكورًا؛ لأنها تريده حاميًّا لها، منفقًا عليها، وتريده من تركن إليه، فإذا وَجَدَتْ فيه هذه الصفات وغيرها مما يليق بالرجل، سكنت إليه، وارتاحت، و وَدَّتْه بقلبها، وأُعْجِبَتْ به الإعجابَ كُلَّه وآثَرَتْه على كل شيء في الحياة، و وَثِقَت به سندًا لها وعمدةً لا حاجة بها إلى غيره؛ لأنها تجد فيه السكَنَ والراحةَ والسعادةَ والطمأنينةَ. يجب أن تتكامل فيه صفات الزوج العقلية والجسمية والاجتماعية والنفسيّة المتعلقة بالمهمة التي نيطت به قَوَّامًا على الزوجة، سيِّدًا لها، مسؤولًا عن الإنفاق عليها ومعاشرتها بالمعروف.

 

     كما عَلَّمَ أن تكون الزوجة متكاملة من حيث الصفات العقلية والجسمية والاجتماعية والنفسية منوطةً بالمهمة التي أُلْقِيَتْ على كاهلها، وأن تكون مطيعة له على الإطلاق في إطار الشريعة الإسلامية؛ لأن الإسلام أعلى درجةَ الزوج على الزوجة. قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرتُ المرأةَ أن تسجد لزوجها» (الترمذي عن أبي هريرة: 1159) وقد كان من الأسباب الأولى الرئيسة المُؤَدِّيَة إلى الشقاء الزوجي عدمُ تطبيق المنهج الإسلامي في الزواج والحياة الزوجية، وبالتالي عدم مراعاة الزوجين أحدهما لحقوق الآخر.

 

     وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم- ينصح المرأة –كما روت أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية–: «اِنْصَرِفِي أيتها المرأة وأَعْلَمِي مَنْ خلفك من النساء أن حُسْنَ تَبَعُّلِ إحداكنّ لزوجها وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته تعدل ذلك كله» (البزار في مسنده: 1474). ومعنى «ذلك كله»: الجماعة والجمعة، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز، والجهاد.

 

     وقال ينصح الرجال: فيما رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي –صلى الله عليه وسلم-:

 

     «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأناخيرُكم لأهلي، ما أكرم النساءَ إلّا كريم؛ ولا أهانهن إلّا لئيم» (ابن عساكر في تاريخ دمشق 13/313).

 

     وفي هذا العصر الموبوء بالفتن تَعَوَّدَ الشبابُ أن يَتَزَوَّجَ مع فتيات حسناوات، ولا ينظر إلى دينهن ولا حسبهنّ ولا تربيتهنّ، مما أكثر الشرورَ والويلات، وعَمَّمَ الشقاق والخلافَ الزوجيَّ والتفككَ الأسريَّ. وقد نصح النبي –صلى الله عليه وسلم- قائلًا:

 

     «تُنْكحَ المرأةُ لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك. (متفق عليه عن أبي هريرة: البخاري: 5090؛ و مسلم: 1466).

 

     وهناك حديث رواه الطبراني:

 

     «من تزوج المرأةَ لجمالها أذلّه الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً، ومن تزوجها لمالها أَفْقَرَه الله؛ فعليك بذات الدين، تَرِبَتْ يداك».

 

     وكان العرب حريصين على أن تستجمع بناتُهم بصفة خاصّة ما يُحَبِّبُهُنَّ إلى أزواجهن وأهليهم، فيَحْظَينَ بالخير والسعادة، وتكون حياتهن عامرةً بالطمأنينة والارتياح القلبي والشبع النفسي الذي هو المطلوب من الزواج. وجاء الإسلام فهذّب هذه التعليمات والعادات وزادها حسنًا وبهاءً، فلو تَقَيَّدَ بها الزوجانُ اليوم كما تقيد بها العرب والمسلمون في الماضي لكانت حياتهما الزوجية سعيدةً بمعنى الكلمة كما كانت في الماضي.

 

     لما حان أن تُزَفَّ «أُمُّ إياس» إلى زوجها: «الحارث بن عمرو» ملك كندة، خَلَتْ بها أُمُّها أُمَامَةُ بنت الحارث، وقالت توصيها:

 

     «أي بُنَيَّةُ! إنّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضل أدب تُرِكَتْ لذلك منكِ؛ ولكنها تذكرة للغافل، ومَعُونَةٌ للعاقل.. ولو أن امرأةً اسْتَغْنَتْ عن الزوج لغِنَىٰ أَبَوَيْها وشِدَّة حاجتهما إليها، كُنْتِ أغنى الناس عنه؛ ولكن النساء للرجال خُلِقْنَ ولهن خُلِقَ الرِّجَالُ.

 

     «أي بُنَيِّةُ! إنكِ فارقَتِ الجَوَّ الذي منه خرجتِ، وخَلَّفْتِ العُشَّ الذي فيه درجتِ، إلى وَكَرٍ لم تَعْرِفِيه، وقرين لم تَأْلَفِيه؛ فأصبح بمُلْكِه عليك رقيبًا ومليكاً؛ فكوني له أَمَةً يَكُنْ لك عبدًا وَشِيكًا.

 

     «أي بُنَيَّةُ! اِحْمَلِي عَنِّي عَشْرَ خِصَال تكن لك ذخرًا وذكرًا: الصحبةَ بالقناعة، والمُعَاشَرَةَ بحسن السمع والطاعة، والتعهّدَ لموقع عينه، والتفقدَ لموضع أنفه، فلا تَقَعْ عيناه منكِ على قبيح، ولا يَشُمَّ منكِ إلا أطيبَ ريح.

 

     «والكُحْلُ أَحْسَنُ الحُسْن، والماءُ أَطْيَبُ الطِّيبِ المفقود؛ والتَّعَهُّدُ لوقت طعامه، والهدوءُ عنه عند منامه؛ فإن حرارةَ الجوع مَلْهَبَةٌ، وتنغيصَ النوم مَغْضَبَةٌ؛ والاحتفاظُ ببيته وماله، والإِرْعَاءُ على نفسه وحَشَمِه وعِيَالِه؛ فإن الاحتفاظَ بالمال حُسْنَ التقدير، والإرعاءُ على العِيَال والحَشَمِ حسنُ التدبير؛ ولا تُفْشي له سِرًّا، ولا تَعْصِي له أمرًا؛ فإنك إن أفشيتِ سِرَّه لم تَأْمَنِي غَدْرَه، وإن عَصَيْتِ أَمرَه أَوْغَرْتِ صدرَه؛ ثم اتَّقِي مع ذلك الفرحَ إن كان تَرِحًا، والاكتئابَ عنده إن كان فَرِحًا؛ فإن الخصلةَ الأولى من التقصير، والثانية من التكدير؛ وكوني أشدَّ ما تكونين له إعظامًا يكن أشدَّ ما يكون لكِ إكرامًا، وأشدَّ ما تكونين له مُوَافَقَةً يَكُنْ أطولَ ما تكونين له مُرَافَقَةً.

 

     «واعلمي أنكِ لا تصلين إلى ما تُحِبِّين حتى تُؤْثِرِي رضاه على رضاكِ وهواه على هواكِ، فيما أحببتِ وكَرِهْتِ. والله يخير لكِ.

 

     إن الأعرابية زَوَّدَتْ ابنتَها لدى زفافها بأربع عشرة نصيحة كلها واقعية ومنطقية، إذا أخذت بها فتاة نحو زوجها وفي بيته فإن حياتها في بيته ستكون أجمل ما تكون، ولا تتنغص في يوم من الأيام، ولا تواجه مشكلة، ولا تتعرض لتعقيد، ولا تُقَابَلُ بتكدير بإذن الله.

 

     فقد أوصتها بالقناعة والطاعة، والتجمل والتعطر، وتقديم الطعام في وقته، وتوفير البيئة الهادئة المساعدة على النوم، والتدبير لأمواله، وحسن تربية أولاده، وعدم عصيان أمره، وعدم إفشاء سِرِّه، وعدم الفرح عند حزنه، وعدم الحزن عند فرحه، والإكثار من إعظامه واحترامه، وإيثار رضاه على رضاها وهواه على هواها.

 

     إن الأعرابية هَدَتْ بنتَها إلى المفتاح الذكيّ الذي تفتح به جميعَ أقفالَ الحياة الزوجيّة ومغاليق الحياة العامة.

 

     وقد ظَلَّ المسلمون والعربُ يهتمون بموضوع توجيه البنات والبنين عند الزواج بما يجعلهم يعيشون الحياةَ الزوجيّةَ صافيةً من كل كدورة، قِوَامُها التوافق والانسجام، والسعادة والوئام، ففي العصر الحاضر، أهدى الدكتور إبراهيم محمد السيد الفقي المصري رحمه الله (1369-1432هـ = 1950 -2012م) إلى ابنته عند زواجها من الوصية ماعُدَّ من أجمل الوصايا في الكتابات المعاصرة، فقد قال:

 

     «ابنتي! اليوم تنتقلين إلى يدين غريبتين.. هذه الليلةَ سيُظِلُّ لكِ سقفٌ غريب في بيت رجل غريب. في هذه الليلة سأقف فوق سريركِ النظيف في بيتي، فأجده خاليًا من ثنايا شعركِ الأسود الذي يفوح منه عطرُ الطهارة فوق وسادتك البيضاء، وقد تنهمر الدموعُ من عيني لأول مرة في حياتي، فاليوم يغيب عن عيني وجهُ ابنتي؛ ليُشْرِق في بيت الرجل الغريب الذي لا أعرفه حقَّ المعرفة خيرَه من شرّه. اليوم ينتقل شعوري وتنتقل أحاسيسي إلى أهل أمّكِ يومَ سَلَّمُوني ابنتَهم وهم يذرفون الدموعَ، كنتُ أظنّها دموعَ الفرح أو دموعَ تقاليد أهل العروس، ولم أعرف إلا اليومَ أن ما كان يَنْتَابُهم هو نفسُ ما ينتابني الآنَ وأن مايُعَذِّبُني هذه الساعةَ كان يُعَذِّبهم، وأنّ انقباض قلبي في هذه اللحظة وأنا أُسَلِّمُكِ إلى رجل غريب كان يُدَاهِمُهم أيضًا. وصَدِّقيني – يا بنيتي – إنه لو كان لي، يومَ تزوجتُ أمّكِ، شعورُ الأب، لأَفْنَيْتُ عمري في إسعادها، كما أُحِبّ أن يُفْنِي زوجكِ عمرَه في سبيل إسعادكِ.

 

     ابنتي! في هذه اللحظة أَنْدَمُ على كل لحظة مَضَتْ ضايقتُ أُمَّكِ فيها. اليوم نحن في الحاضر والمستقبل قادمون، أَتَمَثَّلُكِ واقفةً أمامي تقولين: «زوجي يضايقني يا أبي، فماذا أفعل؟». أسأل الله أن لا ينتقم مني بكِ، واللهُ غفورٌ رحيمٌ. والآن دَعِينِي أَضَعْ أمام عَيْنَيْكِ الحلوتين بعضَ النقاط التي يحسب الرجل أنها تُوَفِّر له السعادةَ في بيته الزوجي. الرجلُ – يا صغيرتي – يحب الأمجادَ ويتظاهر بالثراء والنجاح، حتى ولو لم يكن ثريًّا قطُّ؛ فلا تُحَطِّمِي فيه هذه المظاهرَ؛ بل وَجِّهِيه بحكمتكِ ولطفكِ وحسن تصرفكِ. والرجلُ – يا فلذةَ كبدي – يفاخر دائمًا بأن زوجته تُحِبُّه؛ فاحْرِصِي على إظهار حُبِّكِ أمام أهله بصفة خاصّة. والرجل – قرةَ عيني – يفخر أمام أهله بأنه قد انْتَقَىٰ زوجةً تُحِبُّهم وتُكْرِمُهُم؛ فَأَكْرِمِي أهلَ زوجكِ، واسْتَقْبِلِيهم أحسنَ استقبال.

 

     وبعد – يا بنيتي! – إذا ثار زوجكِ فَاحْتَضِنِي ثورتَه بهدوء، وإذا أخطأ دَاوي خَطَأَه بالصبر، وإذا ضاقتْ به الأيامُ فلْيَتَّسِعْ صدرُكِ لِتُسْعِفِيه على النهوض.

 

      ولا تَنْسَيْ – يا عمري! – أنكِ إكليلٌ لزوجك، بيدكِ أن يكون مُرَصَّعًا بالدرّ والياقوت على هامته، أو أن يكون من الشوك يُدْمِي رأسَه ورأسَ أبيك، إن لم تُحافِظِي على شرفكِ له دون سواه.

 

        بُنَيَّتِي! كوني له أرضًا مُطِيعة يَكُنْ لكِ سماءً، وكوني له مِهَادًا يَكُنْ لكِ عِمَادًا، واحفظي سمعَه وعينَه فلا يَشُمَّ منكِ إلّا طيبًا، ولا يَسْمَعْ منكِ إلا حَسَنًا، ولا يَنْظُرْ إلا جميلًا.

 

     وكوني كما نظم شاعر لزوجته:

 

خُذِي مِنّي الْعَفْوَ تَسْتَدِيمي مَوَدَّتِي

ولا تَنْطِقِي فِي ثَوْرَتِي حِينَ أَغْضَبُ

و لا تُكْثِرِي الشَّكْوَىٰ فَتَذْهَبَ بِالْهَوَىٰ

فياباكِ قَلْبِي والْقُلُوبُ تَقَلَّبُ

 

 

     وأخيرًا أسأل ربي أن يرعاكِ برضاه وأن يستقرّ لكما كل حُبِّي.

 

     وقال يوصي ابنه عند زواجه:

 

     أي بُنَيَّ! إنّك لن تنال السعادةَ في بيتك إلا يعشر خصال تمنحها زوجَك فاحفظها عني واحرص عليها:

 

     أما الأولى والثانية: فإن النساء يحببن الدَّلَالَ ويحببن التصريحَ بالحب؛ فلا تَبْخَلْ على زوجتكَ بذلك؛ فإن بَخِلْتَ جعلتَ بينك وبينها حجابًا من الجفوة ونقصًا من المودة.

 

     وأما الثالثة:

 

     فإن النساء يَكْرَهْنَ الرجلَ الشديدَ الحازمَ، ويُحْبِبْنَ الرجلَ الضعيفَ اللين؛ فاجعل لكل صفة مكانَها؛ فإنه أَدْعَىٰ للحبّ، وأَجْلَبُ للطمأنينة.

 

     وأما الرابعة:

 

     فإن النساءَ يُجْبِبْنَ من الزَّوَج ما يحب الزوجُ منهن من طيب الكلام، وحسن المنظر، ونظافة الثياب، وطيب الرائحة؛ فكن في كل أحوالك كذلك، وتَجَنَّبْ أن تقترب منها تريدها وقد بَلَّلَ العَرَقُ جَسَدَك، وأَدْرَنَ الوَسَخُ ثيابَك؛ فإنك إن فعلتَ ذلك جعلتَ في قلبها نفورًا، وإن أَطَاعَتْك. فقد أطاعك جسدُها ونفر منك قلبُها.

 

     وأما الخامسة:

 

     فإن البيتَ مَمْلَكَةُ الأنثى، وفيه تشعر أنها مُتَرَبِّعَة على عرشها وأنها سيِّدة فيه؛ فإياكَ أن تهدم هذه المملكةَ التي تعيشها، وإيّاك أن تحاول أن تزيحها عن عرشها هذا؛ فإنك إن فعلتَ نازعتَها ملكَها، وليس مَلِكٌ أشدّ عداوة ممن ينازعه ملكَه، وإن أظهر له غير ذلك.

 

     وأما السادسة:

 

     فإن المرأة تحب أن تكسب زوجَها ولا تَخْسَرَ أهلَها؛ فإيّاك أن تجعل نفسَك مع أهلها في ميزان واحد، فإما أنتَ وإما أهلها، فهي وإن اختارتْك على أهلها، فإنها ستبقى في كَمَد تُنْقَل عدواه إلى حياتك اليومية.

 

     وأما السابعة:

 

     فإن المرأة خُلِقت من ضِلْع أَعْوَجَ. وهذا سِرُّ الجمال فيها وسِرُّ الجذب إليها، وليس هذا عيبًا فيها «الحاجبُ زَيَّنَه العِوَجُ» فلا تحمل عليها إن هي أَخْطَأَتْ حملةً لا هوادةَ فيها تحاول تقييم المُعْوَجّ فتكسرها وكسرُها طلاقُها، ولا تتركها إن هي أَخْطَأَتْ حتى يزداد اعْوِجَاجُهَا وتقوقع على نفسها فلا تلين لك بعد ذلك ولا تستمع إليك؛ ولكن كُنْ داعمًا معهابين بين.

 

     وأما الثامنة:

 

     فإن النساء جُبِلْنَ على كفر العشير وجُحْدان المعروف، فإن أحسنتَ إلى إحداهن دهرًا ثم أَسَأْتَ إليها مرةً قالت: ما وجدتُ منك خيرًا قطُّ؛ فلا يَحْمِلَنَّكَ هذا الخلقُ على أن تكرهها وتنفر منها؛ فإنك إن كرهتَ منها هذا الخلقَ رضيتَ منها غيره.

 

     وأما التاسعة:

 

     فإن المرأة تمرّ بحالات من الضعف الجسدي والتعب النفسي، حتى إن الله سبحانه وتعالى أسقط عنها مجموعةً من الفرائض التي افترضها في هذه الحالات، فقد أَسْقَطَ عنها الصلاةَ نهائيًّا في حالة الحيض وفترة النفاس، وأَنْسَأَ لها الصيامَ خلالَهما، حتى تعود صحتُها ويعتدل مزاجُها؛ فكن معها في هذه الأحوال كما خَفَّفَ اللهُ سبحانه وتعالى عنها فرائضَه أن تُخَفِّف عنها طلباتِك وأوامرك.

 

     وأما العاشرة:

 

     فاعلم أن المرأة أسيرة عندك فارحم أَسْرَها، وتَجَاوَزْ عن ضعفها، تكن لك خيرَ متاع وخير شريك. والسلام.

 

     ومن روائع الوصايا في العصر الحديث وصية الشاعرة المصرية «لورا الأسيوطي» (وُلِدت في مدينة «المحلة الكبرى» محافظة الغربية بمصر عام 1344هـ /1925م وتوفيت في القاهرة عام 1397هـ/ 1977م. من دواوينها «مرفأ الذكريات» و«صيحة الشعوب» و«الزورق الحائر». ولها بعض القصص المترجمة إلى العربية من الفرنسية) لابنتها في قصيدة لهابعنوان «أخلاقيات الزواج»، وقد أهدتها الشاعرة إلى ابنتها «أحلام» وابنها «أشرف». وهي كما يلي:

 

مَا كَانَ أَسْعَدَنِي وقد سَاءَلْتِنِي

يَوْمًا وَلَمْ يَقْعُدْ بِكِ الإحْجَامُ

عَنْ سِرِّ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِيكِ مِنْ

حُبٍّ لَهُ بَعْدَ الزَّوَاجِ دَوَامُ

وَلَقَدْ أَجَبْتُكِ بِاخْتِصَارٍ يَوْمَهَا

وَلِمثلِ سِنِّكِ يَوْمَها أَحْكَامُ

وَالْآنَ إِذْ أَوْشَكْتِ أَنْ تَتَزَوَّجِي

كَأَخِيكِ و هُوَ الفَارِسُ الْمِقْدَامُ

أُسْدِي إِلَيْكِ مِنَ الفُؤَادِ نَصَائِحِي

مَا لِي سِوَى الْبَيْتِ السَّعِيدِ مَرَامُ

إِنْ شِئْتِ أَنْ يَبْقَى الزَّوَاجُ سَعَادَةً

فَلْتَذْكُرِي أَنَّ الزَّوَاجَ غَرَامُ

كُونِي لِزَوْجِكِ مِثْلَمَا هُوَ يَشْتَهِي

وَلْيَبْقَ بَيْنَكُمَا رِضًا وَ وِئَامُ

الزَّوْجُ طِفْلٌ فَوْقَ عَرْشٍ جَالِسٌ

وَمُرَادُهُ التَّعْظِيمُ و الإكرامُ

أَنْتِ الرَّعِيَّةُ كُلُّهَا في مُلْكِهِ

وَالطَّاعَةُ الْعَمْيَاءُ مِنْكِ لِزَامُ

وَلَهُ القِيَادَةُ كُلُّهَا وبِكَفِّهِ

لَكِ يا رَعِيَّةُ فِي الْحَيَاةِ زِمَامُ

لٰكِنَّهُ يُلْقِي إِلَيْكِ زِمَامَهُ

بِالْحُبِّ؛ فَهُوَ بِهِ لَدَيْكِ غُلَامُ

فِي الْحُبِّ سِرُّ السِّحْرِ يَفْعَلُ فِعْلَهُ

فَعَلَىٰ قَوَاعِدِهِ الْحَيَاةُ تُقَامُ

كُوْنِي لَهُ زَوْجًا تُرِيهِ حَنَانَهَا

إنّ الْحَنَانَ بِغَيْرِهَا أَوْهَامُ

كُونِي شَرِيكَتَهُ الْأَمِينَةَ دَائِمًا

إِنَّ الْأَمَانَةَ لِلزَّوَاجِ قِوَامُ

ثِقَةُ الشَّرِيكِ ضَرُورَةٌ حَتْمِيَّةٌ

فُقْدَانُهَا لِكِلَيْكُمَا هَدَّامُ

وَطُمُوحُ زَوْجِكِ فِي يَدَيْكِ أَمَانَةٌ

هِيَ فِي ضَمِيرِكِ ذِمَّةٌ وَّ زِمَامُ

فِي ظِلِّ رُوحِكِ ما يَطيبُ لِرُوحِهِ

إِذْ تَسْتَرِيحُ فَتُبْسَطُ الْأَجْسَامُ

فَلْتَبْقَ رُوحُكِ وَاحَةً فِيهَا لَهُ

ظِلٌّ مَدِيدٌ طَيِّبٌ وَّ طَعَامُ

وَلْيَبْقَ عُشُّكُمَا السَّعِيدُ مُنَسَّقًا

لِلْفَنِّ فِي تَنْسِيقِهِ إِسْهَامُ

يَأْوِي إِلَيْهِ بَعْدَ جَهْدٍ مُرْهِقٍ

فَإِذَا لَهُ فِيمَا حَوَاهُ جَمَامُ

بِتَجَاوُبِ الْأَفْكَارِ بَيْنَكُمَا لَهُ

فِي الْبَيْتِ حِينَئِذٍ يَطِيبُ مُقَامُ

وَتَفَنَّنِي مَا اسْطَعْتِ فِي إِرْضَائِهِ

فَرِضَاهُ فِيهِ الْعَزْمُ والْإِقْدَامُ

مَهْمَا تَكُونِي فِي الْحَيَاةِ ضَعِيفَةً

فَلَأَنْتِ فِي يَدِهِ عَصًا وَّ حُسَامُ

والضَّعْفُ لَا يَعْنِي التَّذَلُّلَ مُطْلَقًا

فَالذُّلُّ حَتَّىٰ لِلْقَرِينِ حَرَامُ

حَسْبُ الْقَرِينِ مِنَ الْقَرِينَةِ رِقَّةٌ

وصَرَاحَةٌ بِهِمَا السَّلَامُ يُقَامُ

مَا دُمْتِ فِي حِرْصٍ عَلَىٰ أَسْرَارِهِ

فَلِحِرْصِهِ حَتْمًا عَلَيْكِ دَوَامُ

وَتَبَادُلُ الْإِجْلَالِ بَيْنَكُمَا بِهِ

لَكُمَا لَدَىٰ كُلِّ الْأَنَام مَقَامُ

لَا تَسْمَعِي لِوِشَايَةٍ فِي حَقِّهِ

كُلُّ الْوُشَاةِ مُنَافِقُونَ لِئَامُ

تَلْكَ النَّصَائِحُ كُلُّهَا لَكِ سُقْتُهَا

وَمُنَايَ أَنْ تَتَحَقَّقَ الْأَحْلَامُ

وَ وَصِيَّتِي لَكِ أَنْ تَكُونِي دَائِمًا

مَعَ مَنْ هُوَ الْمُتَفَضِّلُ الْعَلَّامُ

مَنْ عَاشَ وَهْوَ مَعَ الْإِلَهِ حَيَاتُهُ

فَاللَّهُ كَافِلُهُ وَلَيْسَ يُضَامُ

 

 

     (ديوان «الزورق الحائر» القاهرة، الهيئة العامّة المصرية للكتاب، 1999م، ص:13).

 

     ولم تكتفِ الشاعرةُ العربيّةُ بنصيحة ابنتها؛ بل أَعْقَبَتْها بقصيدة «وإلى قرينك» التي هي في الواقع تتمة لقصيدة «أخلاقيات الزَّوَاج». ففي هذه القصيدة تُخاطِب زوجَ ابنتها قائلةً له:

 

وإلَىٰ قَرِينِكِ إِذْ أَزِفُّ تَحِيَّتِي

أُزْجِي رَجَاءً مَا بِهِ إِبْهَامُ

هُوَ فِي مَقَامِ أَخِيكِ «أَشْرَفْ» يَا ابْنَتِي

وَحَبِيبَتِي يَا أَيُّهَا الْمِقْدَامُ

كُنْ زَوْجَهَا وصَدِيقَهَا وشَقِيقَهَا

وَأبًا حَنُونًا كُلُّهُ إِكْرَامُ

كُنْ رَاعِيًا لِلْبَيْتِ يُصْلِحُ أَمْرَهُ

بِاللِّينِ لَاعَنَتٌ وَلَا إِرْغَامُ

ثِقْ فِي أَمَانَتِها وَقَدِّرْ رَأْيَهَا

وَإِذَا اشْتَكَتْ فَاسْمَعْ وَأَنْتَ هُمَامُ

كُنْ حَامِيًا وَّمُرَبِّيًا وَّ مُوَاسِيًا

وَ بِهِ يَتِمُّ لِمَا تُرِيدُ تَمامُ

وَكُنِ الرَّفِيقَ عَلَى الطَّرِيقِ مُوَافِقًا

فَإِذَا الْحَيَاةُ سَعَادَةٌ وَّ وِئَامُ

وإِذَا بِبَيْتِكُمَا السَّعِيدُ كَأَنَّهُ

مِنْ قُوَّةِ ومَتَانَةٍ أَهْرَامُ

هٰذَا حَدِيثُ الْقَلْبِ شِعْرًا صُغْتُهُ

ومِنَ الضُّلُوعِ لِفِكْرَتِي أَقْلَامُ

وَلَئِنْ قَضَيْتُ فَإِنَّ رُوحِي دَائِمًا

لَكُمَا تَحِنُّ ، جَنَاحُها حَوَّامُ

وعَلَيْكُمَا مِنِّي السَّلَامُ تَحِيَّةً

عَنِّي تُتَرْجِمُ والسَّلَامُ خِتَامُ

 

 

(ديوان «الزورق الحائر» ص:33).

 

     إن المعاني التي شَمَلَتْها هذه الوصايا والتوجيهاتُ النثريّة والشعريّة المسرودة أعلاه مما لو أَخَذَ به الزوجان، لما خَسِرَا في حياتهما الزوجية أَيًّا مما يهويانه من الخير، ولما تَعِسَا كما تَعِسَ الأزواج في هذه الحياة المعاصرة التي أفسدتها الحضارة الغربية المعاصرة المنتصرة التي حَوَّلت الحياةَ الزوجيةَ جَحِيمًا لا تُطَاق. وهي تتلخص في الطاعة وإرضاء الزوجين أحدهما للآخر، والحبّ والحنان، والأمانة والثقة، ومراعاة طموح الزوج، وتجاوب الأفكار، وتوافق الآراء، ومراعاة المشاعر، والرقة والصراحة، والمبالغة والتفنن في إرضاء الزوج، ولين الكلام، والحرص على التجمل والتطيب، والمحافظة على الأسرار، وتبادل الإجلال والإكرام، وعدم الاستماع لما يقول الوشاة، والاحتمال والصبر، والتأني وعدم التسرّع في المعاملات التي تهمهما، والتوكّل على الله واللجوء إليه في جميع ما ينوبهما من أحوال الفرح والترح، والتوسّع والبؤس، والتواضع والملاطفة، وتبادل الآراء والتشاور في جميع الأمور التي يحتاج فيها المرء إلى مداولة الرأي والأخذ بالمشورة، والثناء من كل منهما على الآخر، وتشجيع الزوجة للزوج وبالعكس، ووقوف أحدهما بجنب الآخر كالجندي عند نزول الأمراض والمصائب والأوضاع المُقْلِقَة.

 

     إن الحياة الزوجية اليوم صارت عذابًا مُطْلَقًا؛ لأن كُلًّا من الزوجين استقلّ عن الآخر، وتَفرَّدَ برأيه، وفقد الطاعةَ المتبادلةَ، وتوافقَ الآراء، وتَخَلَّىٰ عن المسؤولية الزوجية الشاملة. ولن يَسْعَدَ الزوجان اليوم إلّا بما سَعِدَا به في الماضي، عندما كانا ملتزمين بتعليمات الإسلام، والأخلاق والعادات العربية الإسلامية التي كلها خير، وضمانُ أمان، وراحة واقتناع وسلام.

إلى كل زوجين: ليس كل صمت حكمة

كثيرة هي المشاكل الأسرية، ولا يكاد يخلو بيت منها مهما كانت درجة سعادته أو تفاهم أطرافه، وتنشأ كثير من هذه المشكلات من قلة الحوار بين الزوجين أو انعدامه. ولعل أكثر من يشتكي من ذلك هن الزوجات بنسبة تفوق شكوى الرجال بمراحل كبيرة، فمِن الزوجات مَن تئن من صمت زوجها وتضيق ذرعا من ويلا

الذاتية سبب الطلاق وفشل تعدد الزوجات

لا يكاد يخلو مجلس من حديث عن انتشار الطلاق وخاصة بين المتزوجين حديثًا، وعادة ما يقرن بحديثٍ عن رغبة شديدة في التعدد؛ ويتحرك المتحدثون في نواحيها بحثًا عن سببٍ رشيد لكثرة الطلاق في هذه الأيام؛ ومنهم من يقول: انتشار العري وسهولة التواصل عاطفيًا وجسديًا دون تكاليف الزواج، ومنهم من ي

أيها الزوجان احذرا عدوكما الشيطان

لو أن أسدا مفترسا دخل حديقة بيتكما، أما كنتما تجلسان معا، تبحثان في إحكام إغلاق البيت، وأبوابه ونوافذه، وتعملان من أجل الاتصال بمن ينقذكما من هذا الأسد؟ ولو أن مجرما خطيرا احتجزكما في بيتكما مطالباً بفدية مالية كبيرة، فهل كنتما تختلفان أمام المجرم الخطير أم أنكما تبحثان معاً ف