سنة الاختلاف ومضامينها التربوية

التاريخ: السبت 20 اكتوبر 2018 الساعة 06:38:01 مساءً

كلمات دلالية :

الاختلاف
سنة الاختلاف ومضامينها التربوية

قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [هود: 118، 119].

 

 

 

يقول الطبري رحمه الله؛ أي: ولو شاء ربُّك يا محمد صلى الله عليه وسلم، لجعل الناس كلهم جماعة واحدة على مِلَّة واحدة ودين واحد، وقيل: لجعلهم مسلمين كلهم، والاختلاف الذي وصف الله تعالى الناس أنهم لا يزالون به، فقال بعضهم: هو الاختلاف في الأديان: نصراني، ومجوسي، ونحو ذلك، واستثنى الله من ذلك من رحمهم؛ وهم أهل الإيمان، وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يزالون مختلفين في الرزق، فهذا غنيٌّ، وهذا فقيرٌ، سخَّر بعضَهم لبعض، وقال بعضهم: مختلفين في المغفرة والرحمة.

 

 

 

وأما قوله: ﴿ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ قيل معناه: للاختلاف خلقهم، وقيل: خلق هؤلاء لجنَّتِه، وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه، وقيل: خلقهم فريقين: فريقًا يرحم فلا يختلف، وفريقًا لا يرحم يختلف، وذلك قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ [هود: 105]، وقيل: وللرحمة خلقهم، وأولى الأقوال بالصواب قول مَن قال: وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم، وأما قوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾؛ لعلمه السابق فيهم أنهم يستوجبون جهنم بكفرهم بالله، ومخالفتهم أمره[1].

 

 

 

المضامين التربوية:

 

قبل الإشارة إلى أهم المضامين التربوية التي تضمَّنتها الآيتان الكريمتان يَحسُن القول: إن سنة الاختلاف هذه التي قرَّرها خالقُ الكون وخالق الإنسان سبحانه وتعالى، تأتي لكي يستقيم الوجود، وتتوازن حركته وَفق معطيات خالقه، فتخيَّلْ لو كان الناس كلهم مهتدين على دين الإسلام - ولا شك أن الله قادرٌ على ذلك - فما الحاجة إذًا إلى إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما الحاجة إلى إنزال الكتب السماوية، وما الحاجة إلى الوعد بالجنة والوعيد بالنار أصلًا، ولو كان الناس كلهم يجيدون فقط مهنة واحدة، مهنة الطب مثلًا لتعطَّلت حركة الحياة؛ لأن هناك مِهَنًا متنوعة وكثيرة يحتاجها الناس في المجتمع الواحد، فمنها: مهنة الهندسة، ومهنـة النجـارة، ومهنة الخبازة، ومهنة الجزارة، ومهنة الخياطة، ومهنة الحدادة، إلى غير ذلك مما يحتاجه المجتمع؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [الزخرف: 32].

 

 

 

أما عن المضامين التربوية فقد تضمَّنت الآيتان الكريمتان العديدَ من المضامين، فمن ذلك:

 

أولًا: العناية والاهتمام بتوجيه العاملين والطلاب في مختلف المستويات إلى الأعمال والتخصُّصات العلمية المناسبة لقدراتهم ومهاراتهم وميولهم واتجاهاتهم؛ لأن لكل منهم قدراتٍ ومهاراتٍ وميولًا، واتجاهات تختلف عن الآخر، وهذا التوجيه لو وُضِع موضعَ التنفيذ، لقضينا على كثير من المشاكل الاقتصادية والإدارية والتعليمية التي نُعاني منها اليوم؛ لأنه سيوضع كل شخص في مكانه المناسب، وهذا التوجيه يأتي متوافقًا مع القاعدة الإدارية الشهيرة: "وضع الشخص المناسب في المكان المناسب".

 

 

 

ثانيًا: اقتضت مشيئة الله تعالى وقدرته أن يكون لهذا الكون بما فيه نظامٌ دقيق محكم، وسُنَن ثابتة لحركاته وسكناته، وما الاختلاف (موضوع الآية) إلَّا سُنَّة واحدة من السُّنَن الإلهية العديدة؛ ولكن الله تعالى قادرٌ على أن يفعل ما يريد في هذا الكون في أي لحظة، فهو من مخلوقاته سبحانه وتعالى، ولا مُعقِّب لحُكمه، وإن النظر والتأمُّل في سُنَن الله تعالى الكونية والاجتماعية يُقوِّي الإيمان ويُنمِّيه، هذا من جهة، ومن جهة ثانية الحرص على معرفتها، والأخذ بها في شؤون الحياة المختلفة؛ لأن بها تسير الحياة، وتنتظم شؤونها.

 

 

 

ثالثًا: بذل أقصى الوسْع لنشر الإسلام (مذهب أهل السنة والجماعة)، واتخاذ كافة السبل الممكنة للدعوة إلى الله تعالى، ولهدايـة الناس إلى سبيل الرشاد؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33]، والتصدِّي للمذاهب والملَل والأفكار الفاسدة، وتفنيد الشُّبُهات الموجَّهَة للإسلام والمسلمين، والرد عليها بأسلوب حكيم يتوافق مع تطوُّرات العص العلمية، والتقنية والثقافية؛ قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: 125].

 

 

 

رابعًا: سَعة رحمة الله تعالى بعباده المهتدين السائرين على منهجه ووَفْق شرعه، من منطلق قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف: 56]، وفي ذلك توجيه للمربِّي والمعلم المسلم ومن بيده السلطة والمسؤولية في كل موقع يتعامل فيه مع آخرين، سواء علاقة مباشرة أو غير مباشرة أن تكون الرحمة والرأفة والشفقة شعارًا وتطبيقًا له في تربيتهم وتعليمهم وتوجيههم وإرشادهم، ولا شك أن لذلك مردودًا إيجابيًّا كبيرًا في حصول الاستقرار والاطمئنان في نفوس المتعامل معهم، يعود بالخير والنفع العظيم على الفرد والمجتمع والأمة المسلمة بأسرها.

 

 

 

خامسًا: إن لكل قطاع وجهاز إداري في المجتمع تخصُّصاتٍ تختلف عن الآخر، فعلى المؤسسات التربوية المختلفة توفير التخصُّصات العلمية المناسبة لتلك القطاعات والأجهزة الإدارية لسد احتياجاتهم من الكوادر البشرية المناسبة؛ لتستقيم الحياة، وتتوازن حركتُها في منظومة عملية وإدارية أكثر تناغمًا، يعود نفْعُها وخيْرُها على إسعاد المجتمع والأُمَّة.

 

 

 

سادسًا: إنَّ تذكُّرَ عظمة الله تعالى وقُدْرته وجزاء عقابه للعصاة والمنحرفين عن منهجـه القويم، فيه تربية إيمانية وتوجيه للسلوك الإنساني، للحذر من الوقوع في المعاصي والذنوب؛ ليكون دائمَ الاتصال بالله تعالى؛ حتى لا تجرَّه الانحرافات والذنوب إلى البؤس والشقاء في الدنيا والآخرة، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصَحْبه.

 

_________________

[1] (الطبري، تفسير الطبري (جامع البيان في تأويل القرآن)، ج 12، ص 141 - 145).

أهمية حسن الإنصات للداعية

حسن الانصات -أخي الكريم- يلبِّي حاجةً هامَّةً لمن يحيطون بالداعية، ألا وهي تطلُّعهم إلى من يستمع إليهم وينصت لمشكلاتهم ويخفف همومهم ويفرح لفرحهم ويرشد سلوكهم. فحسن الإنصات يحمل في طيَّاته رسالةً قلبيَّة تعبِّر عن الاحترام والتقدير والمحبَّة للمتحدِّث، وهذا بدوره يمدُّ جسور الم

النصر مع الصبر

المعركة عندما تَطول مع أهل الباطلِ، فإن الغَلَبة والنُّصرة تكون لأصحاب العقيدة الصحيحة، إذا تحلَّوا بالصبر والثبات على المبدأ، فالعاقبة تكون لأهل الحق؛ كما قال الله تعالى: ﴿ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَا

في منهجية التعامل مع الاختلاف

في أمور التجديد والإصلاح دائما هناك رؤى واختلافات وهذا لدى كل الأمم دون استثناء والسؤال هو كيف نتعامل مع الاجتهادات المختلفة؟ ١ – باب الاجتهاد مفتوح ولا يملك أحد إغلاقه ورسائل الماجستير والدكتوراة مليئة بالاجتهادات المقيدة والمطلقة من قبل شباب هم في العشرينيات من أعمارهم. ٢